فظائع الإعدام في القرون الوسطى في فيلم وثائقي جديد
بدر العقباني
تمثل السينما الوثائقية في عصرنا الحاضر سلاحاً ذا حدين، فهي من ناحية أداة لكشف الحقائق وإثارة النقاشات العميقة، ومن ناحية أخرى يمكن أن تتحول إلى أداة لتشويه التاريخ وإخفاء الحقائق الأساسية تحت غطاء من التقنيات البصرية المتطورة والموسيقى التصويرية المؤثرة التي تخلق وعياً زائفاً بالمشاهدة النقدية بينما يتم تغييب السياقات الأساسية التي تشكل جوهر الظاهرة وموضوع النقاش.
يطرح الفيلم الوثائقي “صعود وسقوط الحكم بالإعدام” Executions – The Rise and fall of Capital Punishment سؤالاً فلسفياً وأخلاقياً جوهرياً، هل تستحق أبشع الجرائم أبشع العقوبات؟ من خلال رحلة تاريخية مروعة، يتتبع الفيلم تطور عقوبة الإعدام من الممارسات القديمة الوحشية مثل الموت بألف قطع والشنق والسحب، وصولاً إلى العصر العلمي الحديث وطريقة الحقنة المميتة التي تتناقض ظاهرياً فقط مع فظاعة أساليب الماضي.
يعتمد الفيلم على مجموعة بصرية غنية تشمل لوحات تاريخية ورسوماً إيضاحية وتسجيلات أرشيفية لإعادة سرد قصة العقاب القصوى عبر الحضارات. ينقسم الفيلم إلى فصول، يحمل كل منها عنوان إحدى أدوات الإعدام الأشهر، مما يخلق هيكلاً سردياً يركز على الآلة كرمز للسلطة والقمع. يؤكد الفيلم على تاريخ التعذيب في أوروبا والصين في فترات محددة، متجاهلاً إلى حد كبير التاريخ الطويل للتعذيب في الممارسات الإسلامية رغم ثراء هذا التراث. كما أن إغفال الفيلم لتجارب مثل معسكرات الاعتقال النازية وفظائع الاستعمار يشير إلى فجوة في الرؤية الشمولية للتاريخ.
يركز العمل على فظائع الإعدام في العصور الوسطى الأوروبية ويتجاهل بشكل لافت تاريخ التعذيب في الحضارات الأخرى، وكأن العنف المؤسسي هو إرث حصري لحضارة معينة، بينما الحقيقة أن كل الحضارات دون استثناء مارست أشكالاً من العنف المؤسسي، لكن الفيلم يختار انتقاء ما يخدم خطابه دون الالتزام بالشمولية التاريخية.

أيضاً، يركز الفيلم على تطور كيفية الإعدام أكثر من بحثه في “لماذا” نُفذت هذه العقوبات، متجاهلاً الأسباب العميقة المرتبطة بالسلطة والسيطرة الاجتماعية والانتقام. وقد يوحي الانتقال من الأساليب الوحشية إلى الحقنة “الإنسانية الأكثر نظافة والأقل فظاعة” بقصة تقدم، لكن هذا يتجاهل حقيقة أن الجوهر يبقى هو إنهاء حياة إنسان، بغض النظر عن الأداة.
الأكثر إثارة للقلق هو كيف تغفل العديد من الأفلام الوثائقية التفاصيل الأساسية عن تاريخ أوروبا الحديث والمشاكل التي صدرتها إلى العالم عبر الاستعمار والهيمنة الاقتصادية والثقافية، فتركز على مظاهر التقدم والحداثة وتتجاهل الجرائم التي ارتكبت باسم هذه الحداثة، وكأن التطور التقني والأكاديمي في الغرب يمحو ما اقترفته يداه في المستعمرات وما زال يقترفه بآليات جديدة.
التقنيات البصرية المتطورة في السينما الوثائقية المعاصرة، من إعادة التمثيل بتقنية high-tech عالية الدقة والجرافيك ثلاثي الأبعاد والواقع الافتراضي، كلها أدوات يمكن أن تتحول إلى ستار دخاني يخفي وراءه فراغاً فكرياً ومنهجياً، فبدلاً من أن تكون هذه التقنيات في خدمة الفكرة، تصبح الفكرة نفسها ضحية للشكل البراق والتقنية المتطورة.
إن التحدي الحقيقي للسينما الوثائقية في عصرنا ليس في تطوير تقنيات العرض، بل في تطوير المنهجية النقدية والقدرة على تقديم رؤية شمولية لا تنتقي من التاريخ ما يخدم سردية محددة، بل تقدم التاريخ بكل تعقيداته وتناقضاته، فالأفلام الوثائقية الحقيقية هي تلك التي تثير أسئلة غير مريحة، وتكشف الحقائق المغيبة، وتقدم وجهات نظر متعددة حقيقية وليس مجرد ادعاء بتعددية الرؤى.
ختاماً، لماذا لا يقوم مخرج عربي بتجميع الصور والعودة إلى التراث لسرد تطور هذا الموضوع بعين ناقدة؟ لعل في ذلك دعوة لاستعادة السرد البصري، بعيداً عن التعقيد أو التجميل أو التبخيس، نحو محاولة جادة لإعادة قراءة تاريخنا البصري بجرأة وموضوعية حتى ولو من زاوية الفظائع.
