الفشل في السينما: إعادة التفكير في القيمة الفنية
أحمد ابراهيم الصافي
يُتداول في الخطاب النفسي المعاصر تصورٌ مفاده أن الحزن العميق، والشعور بالفقد، والانشغال المطوّل بما أُخفق فيه أو ما تم فقدانه، تمثل خبرات إنسانية أصيلة؛ غير أنّ هذه الخبرات خضعت تدريجيًا لعمليات “تطبيب” داخل الطب النفسي الحديث ومنظومات العمل المعاصرة، حيث أُعيد تعريفها بوصفها حالات مرضية أو اضطرابات تستدعي التدخل والعلاج، وذلك لعدم انسجامها مع التوقعات الاجتماعية والاقتصادية التي تفترض من الفرد استعادة كفاءته الوظيفية والعودة السريعة إلى الإنتاجية والاستقرار النفسي. فالخسارة والفشل يحتاجان إلى حل سريع: يجب التغلب على التشبث بالعيوب الماضية والتعلق بها دون ترك أي آثار عاطفية متبقية. أما الفشل باعتباره خطأً، فيضعنا في حالة تركيز على الجزئيات، والتركيز على التفاصيل، وتجنب الأخطاء التي يجب تصحيحها.
وإذا كانت مشاعر الحزن والمأساة والكآبة الناجمة عن الفشل حالات عاطفية متجهة نحو الماضي، فإن الدلالة العاطفية للتوجه نحو المستقبل هي القلق، والحاجة إلى زيادة السيطرة وتجنب الأخطاء.
وإذا كان الفشل قد أُعيد تعريفه داخل المجال النفسي بوصفه خللًا ينبغي تجاوزه، فإن السؤال نفسه يفرض نفسه على الفن: هل ينبغي النظر إلى الفشل الفني بالطريقة ذاتها؟
انطلاقًا من هذا التصور يمكن تناول ذلك في الممارسات الفنية من خلال مستويين أساسيين: الأول يتمثل في الفشل بوصفه إخفاقًا في العملية الفنية ذاتها، أي عدم قدرة العمل على تحقيق شروط النجاح الجمالي أو التقني؛ والثاني يتمثل في الفشل بوصفه موضوعًا رمزيًا ومفهوميًا داخل العمل الفني نفسه.
في المعنى الأول، يُشار إلى الحالات التي يعجز فيها الفنان عن تلبية توقعات جمالية معينة، سواء بسبب محدودية الإلهام، أو ضعف الابتكار، أو ارتكاب أخطاء جوهرية في التنفيذ، أو الإخفاق في السيطرة على الوسيط التعبيري وإتقانه، أو قد تكون نتيجة تدخل السلطة وتضييق الإنتاج أو رفض الجمهور والنقاد للعمل، وبطبيعة الحال يرتبط هذا النوع من الفشل بوجود فجوة بين النتيجة المتحققة والغاية التي وُضع العمل من أجلها.
أما المعنى الثاني، فيتعلق بالحالات التي يجعل فيها الفنان من الفشل ذاته موضوعًا للتعبير الفني، بحيث يتحول الإخفاق أو الهزيمة الإنسانية إلى مادة جمالية ورمزية مقصودة. ولا يبدو هذا المعنى الثاني طارئًا على تاريخ الفن؛ إذ إن تمثيلات الهزيمة والإخفاق الإنساني شكّلت عنصرًا مركزيًا في السرديات الأدبية والفنية عبر التاريخ. فمعظم الروايات، على سبيل المثال، تقوم على تصوير الإنسان وهو يواجه احتمالات السقوط والخسارة، حيث يمر البطل بسلسلة من التحديات والتهديدات، ويعاني تبعات قراراته الخاطئة أو نقائصه الشخصية.
وعلى المستوى العملي، تبدو الأخطاء والإخفاقات جزءًا متكررًا من تاريخ الإنتاج الفني ذاته؛ من اللوحات المرسومة بصورة غير متقنة، والعروض المسرحية أو الموسيقية المتعثرة، والأخطاء البصرية أو الهندسية في الأعمال التشكيلية، فضلًا عن المغالطات المعرفية والسردية في الروايات؛ يتضح أن الأعمال الفنية لا تخلو من العيوب والأخطاء. وغالبًا ما تكون هذه الإخفاقات مثارًا للجدل والإحراج، بل وقد تؤدي أحيانًا إلى تقويض المسيرة المهنية للفنان، أو تظل عالقة في ذاكرته بوصفها تجارب يصعب تجاوزها.
وإذا كان الفشل يتبدّى في الممارسة الفنية على صور متباينة، فإن أكثرها رسوخًا في التراث النقدي هو ذلك الذي ينشأ من تعثّر العمل في استيفاء مقتضياته الجمالية أو التقنية. وقد اقترن هذا التصور طويلًا بمدى قدرة الفنان على إحكام أدواته، والحفاظ على التماسك الداخلي للعمل، وبلوغ الأثر الذي تأسس عليه مشروعه الإبداعي.
ومن ثمّ، كثيرًا ما عُدَّ الاضطراب البنائي، أو ترهّل التكوين واختلال الإيقاع، أو قصور الإفادة من الوسيط التعبيري، قرائن على إخفاق التجربة الفنية في تحقيق مقاصدها، بصرف النظر عما قد تنطوي عليه من اجتهاد أو طموح إبداعي. ولم يقتصر هذا التصور على أحكام النقد التطبيقي، وإنما امتد إلى الفلسفة الجمالية التي انشغلت بتحديد اللحظة التي يغدو عندها العمل الفني إخفاقًا حقيقيًا، لا مجرد تجربة لم تحظَ بالقبول أو التقدير. وفي هذا السياق، ينطلق الفيلسوف الأمريكي كريستي ماغ أويدير، المتخصص في فلسفة الفن والجمال، من أن الفشل لا يُستدل عليه من النتيجة النهائية في ذاتها، وإنما من انقطاع الصلة بين المقصد الذي وجه العملية الإبداعية وما آلت إليه عند إكتمالها. وانطلاقًا من ذلك، يحدد أويدير تحقق الفشل الفني من خلال ثلاثة شروط مترابطة:
شرط المحاولة: وجود محاولة فعلية لإنجاز عمل أو تحقيق هدف فني محدد.(1)
شرط عدم التحقق: ألا تتحقق النتيجة النهائية بالصورة التي استهدفتها تلك المحاولة.(2)
شرط الفشل: أن يكون عدم تحقق النتيجة راجعًا إلى تعثر المحاولة نفسها.(3)

ولعل من أبرز الأمثلة التي تجسد هذا المستوى من الفشل فيلم ) Greedالجشع( للمخرج الأمريكي إريك فون ستروهايم الصادر عام 1924، فقد شرع ستروهايم في إنجاز الفيلم انطلاقًا من تصور إخراجي بالغ الطموح، مستندًا إلى رواية “ماك تيغ” لفرانك نوريس، وسعى إلى نقل عالمها بأقصى درجات التفصيل والواقعية، فصوّر الأحداث في المواقع التي تدور فيها الرواية، وأنجز نسخة أولية تجاوزت ثماني ساعات، إيمانًا منه بأن البنية السردية لا ينبغي أن تخضع لاعتبارات العرض التجاري. غير أن اندماج شركة الإنتاج وفرض إدارة الاستوديو تصورًا مختلفًا لطول الفيلم أدى إلى اختصاره تدريجيًا، حتى انتهى إلى نسخة لا تتجاوز نحو ساعتين ونصف، بعد حذف مسارات سردية كاملة ومشاهد محورية عدّها المخرج جزءًا لا يتجزأ من البناء الدرامي. ولم يكن اعتراض ستروهايم منصبًا على مدة الفيلم وحدها، بل على أن النسخة المعروضة لم تعد تمثل المشروع الذي سعى إلى تحقيقه منذ البداية، تسبب ذلك في خلاف مع مدراء الاستدوديوهات في هوليوود، ما أدى إلى منع ستروهايم من الإخراج مدى الحياة. رغم ذلك نجد المفارقة في أن الفيلم، الذي عُدّ عند صدوره تجربة متعثرة تجاريًا وفنيًا،
أُعيد تقييمه لاحقًا بوصفه أحد أبرز منجزات السينما الصامتة.
ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل تؤدي الأخطاء الفنية بالضرورة إلى فشل العمل الفني؟ وهل يعني الفشل الفني بالضرورة رداءة العمل أو انعدام قيمته الجمالية؟ تبدو الإجابة البديهية وكأنها تؤكد ذلك، إذ يُفترض عادةً أن الأخطاء تُنتج أثرًا سلبيًا على القيمة الفنية للعمل. غير أن التجربة الجمالية تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا؛ فبعض المحاولات التي بدت خاطئة أو ناقصة قد تتحول لاحقًا إلى مصدر للتميّز أو الابتكار. كما أن وجود أخطاء تمثيلية أو تاريخية أو تقنية لا يعني بالضرورة سقوط العمل فنيًا، تمامًا كما أن القبح قد يتحول، في بعض السياقات الجمالية، إلى عنصر ذي قيمة تعبيرية. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى الفشل، لا بوصفه نقيضًا مطلقًا للنجاح الفني، بل باعتباره أحيانًا شرطًا من شروط التجريب، وإمكانًا يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعبير والإدراك الجمالي.
شهدت التحولات الجمالية في الفن الحديث خلال القرن العشرين إعادة نظر جذرية في مفهوم “القيمة الفنية”، إذ لم يعد العمل يُقاس بمدى اقترابه من الكمال التقني أو الانسجام الشكلي، بل بقدرته على كشف التوتر والاضطراب الكامنَين في التجربة الإنسانية. وقد جاء هذا التحول ردًا على التصورات الكلاسيكية التي ربطت الجمال بالنظام والتوازن والصفاء البصري، حيث بدأت الحركات الطليعية والحداثية في التشكيك في فكرة الصنعة المثالية، معتبرة أن الإفراط في الإتقان قد يحوّل العمل الفني إلى بناء مغلق يخفي أثر الإنسان وآثار الواقع المتشظي.

وفي المجال السينمائي، وجدت هذه المراجعات أحد تجلياتها المبكرة مع الموجة الفرنسية الجديدة في أواخر خمسينيات القرن العشرين، حين انصرف عدد من المخرجين الشباب إلى مساءلة الأعراف التقنية والسردية التي كرستها السينما الكلاسيكية. فلم يعد الالتزام الصارم بقواعد التصوير والمونتاج والإنتاج هدفًا قائمًا بذاته، بل غدت حرية التعبير والاقتراب من الواقع أولوية تتقدم على متطلبات الصنعة التقليدية. ولهذا اتجه مخرجو الموجة الجديدة إلى التصوير في المواقع الطبيعية، والاستعانة بالإضاءة المتاحة، والكاميرات الخفيفة، وتقليص الاعتماد على الاستوديوهات، كما توسعوا في استخدام القطع القافز (Jump Cut) ،والبنى السردية المفتوحة، والارتجال في الأداء. ولم تكن هذه الاختيارات تعبيرًا عن عجز تقني، وإنما جاءت اعتراضًا على النموذج الصناعي الذي جعل من الإتقان الشكلي غاية في ذاته. وقد تجلت هذه النزعة في فيلم “400 ضربة” (The 400 Blows, 1959) لفرانسوا تروفو، الذي خرج بالسينما إلى الشارع ومنح التجربة اليومية حضورًا غير مألوف، كما ظهرت بصورة أكثر راديكالية في فيلم “على آخر نفس” (Breathless, 1960) لجان لوك غودار، الذي أحدث قطيعة واضحة مع قواعد المونتاج الكلاسيكي من خلال الاستخدام المقصود للقطع القافز، ليؤكد أن القيمة الجمالية يمكن أن تتولد من كسر الأعراف بقدر ما تتولد من الالتزام بها.

ولم تلبث هذه المراجعات الجمالية أن وجدت صياغتها النظرية الأكثر وضوحًا في أواخر ستينيات القرن العشرين، حين طرح الناقد والمخرج الكوبي خوليو غارسيا إسبينوزا في مقاله “For an Imperfect Cinema” (من أجل سينما ناقصة) عام 1969 تصورًا يدعو إلى سينما لا تنشغل بالكمال الشكلي بقدر انشغالها بالفعل الإبداعي والتواصل مع الواقع، كما يشير إلى ذلك في مفتتح مقاله بقوله: “في أيامنا هذه، تكاد السينما الكاملة ــ المتقنة تقنيًا وجماليًا ــ تكون دائمًا سينما رجعية.” ولم يكن المقصود إنتاج أعمال رديئة أو الاحتفاء بالقصور المهني،
بل التشكيك في الفكرة القائلة إن القيمة الفنية ترتبط بالضرورة بدرجة الإتقان التقني.

ومن أهم أفكار النص أن الكمال الفني ليس قيمة محايدة، بل نتاج شروط تاريخية واقتصادية محددة. فالإنتاجات الضخمة القادرة على بلوغ أعلى مستويات الجودة التقنية ليست متاحة للجميع، ولذلك فإن تحويل الكمال التقني إلى معيار وحيد للحكم على الفن يؤدي إلى استبعاد أشكال أخرى من التعبير. وقد تجسدت هذه الرؤية في عدد من أفلام السينما الكوبية في تلك المرحلة، ومن أبرزها فيلم “ذكريات التخلف” (Memories of ‘Underdevelopment, 1968) للمخرج الكوبي توماس غوتيريز، الذي ابتعد عن النموذج السردي الكلاسيكي واعتمد مزيجًا من المواد الوثائقية والروائية وبنية أكثر انفتاحًا وتفككًا. ولهذا يكتب إسبينوزا أن السينما المستقبلية لن تكون تلك التي ينجزها “فنانون متميزون” لجمهور متلقٍ، بل سينما تسمح بمشاركة أوسع في عملية الإبداع نفسها.وفي منتصف تسعينيات القرن العشرين، عادت مسألة الكمال التقني إلى واجهة النقاش السينمائي من زاوية مغايرة، مع إعلان حركة «دوغما 95» (Dogme 95) التي أطلقها المخرجان الدنماركيان لارس فون تراير وتوماس فينتربيرغ عام 1995. وقد جاء البيان المؤسس للحركة، المعروف باسم “عهد العفة” (The Vow of Chastity)، مشتملًا على مجموعة من الالتزامات التي سعت إلى تقويض كثير من المسلَّمات التي استقرت داخل الصناعة السينمائية، وذلك عبر إخضاع عملية الإنتاج لجملة من القيود الصارمة التي تحول دون الاتكاء على أدوات الزخرفة التقنية أو الحلول الإخراجية المألوفة. ولم يكن القصد من تلك القيود الدعوة إلى التقشف الشكلي لذاته، وإنما اختبار قدرة الفيلم على استمداد قيمته من بنيته الدرامية، ومن العلاقة المباشرة بين الأداء والواقع، بعيدًا عن الهيمنة المتزايدة لوسائل الإبهار البصري. وقد وجد هذا التصور تطبيقه الأبرز في فيلم “الاحتفال” (Festen، 1998) لتوماس فينتربيرغ، أول الأفلام المنجزة وفق مبادئ الحركة، حيث انبنت التجربة بأكملها على الالتزام الصارم بمواد البيان.
ومع الانتقال إلى البيئة الرقمية، اتخذت مراجعة الكمال التقني منحًى أكثر جذرية، ومع أواخر تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة أخذت تتبلور ممارسات فنية عُرفت لاحقًا باسم “جماليات الجليتش” (Glitch Aesthetics)، حيث غدا العطل الرقمي، أو تلف البيانات، أو التشويش الناتج عن خلل في البرمجيات ووسائط التخزين، مادةً للتشكيل الجمالي بعد أن ظل طويلًا يُعد أثرًا ينبغي تصحيحه أو التخلص منه. وقد وجد هذا التصور أحد مرتكزاته النظرية في دراسة كيم كاسكون “جماليات الفشل” (The Aesthetics of Failure، 2000)، التي ينطلق فيها من أن الضوضاء الرقمية والانقطاعات والأخطاء التقنية لم تعد مجرد شوائب تعترض العمل الفني، بل أضحت وسيطًا تعبيريًا يكشف ما تخفيه الأنظمة الرقمية خلف واجهة الاستقرار والكمال. وقد وجدت هذه الرؤية حضورًا واضحًا في عدد من التجارب السينمائية والفيديوية المعاصرة، ولا سيما أعمال الفنان والمخرج الفرنسي جاك بيركونت (Jacques Perconte)، الذي تعمّد توظيف أعطال ضغط الصورة والفساد الرقمي لتوليد تكوينات بصرية متغيرة. كما شارك بيركونت في التكوين البصري لفيلم Holy Motors (2012) للمخرج ليوي كاراكس، حيث استعان الأخير ببعض معالجاته الرقمية ضمن البنية البصرية للفيلم. وأمام هذه التحولات المتعاقبة، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل يظل الفشل نقيضًا
للقيمة الفنية، أم أنه أحد السبل التي تعيد بها السينما اكتشاف إمكاناتها الجمالية؟
المراجع
-The Anxieties of Control and the Aesthetics of Failure.
-The Philosopher of Failure: Emil Cioran’s Heights of Despair.
-Zenis, Michael Antoine. Failures of Intention and Failed Art.
-What Is Wrong with Failed Art? (2021).
-Espinosa, Julio García. For an Imperfect Cinema. Translated by Julianne Burton.
-Dogme 95 — Rules, Manifesto and Films of a Radical Experiment.
-Cascone, Kim. The Aesthetics of Failure: “Post-Digital” Tendencies in Contemporary Computer Music. Computer Music Journal, Vol. 24, No. 4, 2000.
-The Aesthetics of Imperfection: A Theoretical Evaluation of the Meaning Layers of Glitch Aesthetics in Communication Design and Cinema.
