“العودة إلى بيونس أيريس”.. تحفة مهرجان فينيسيا
أمير العمري- فينيسيا
كان فيلم “العودة إلى بوينس أيريس” هو آخر ما عرض من أفلام في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. ولو كان بيدي لمنحته جائزة “الأسد الذهبي” فهو أفضل ما شاهدت من بين جميع أفلام المسابقة الرسمية وقد شاهدتها كلها. لكن لجنة تحكيم ترأسها ماجي جلينهال من المستبعد أن تمنح مثل هذا الفيلم الجائزة الأكبر للمهرجان العريق. وطبعا أستدرك بالقول: كذب المنجمون ولو صدقوا!
هذا فيلم عظيم آخر يأتينا من قلب أمريكا اللاتينية، ويعيد مجددا فتح ملف الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، سائرا على درب الفيلم الأرجنتيني البديع “الأرجنتين 1985” للمخرج سانتياغو ميتري، الذي شاهدناه في مسابقة المهرجان نفسه قبل أربع سنوات.
“العودة إلى بوينس أيريس” Back to Buenos Aires من إخراج المخرج الشيلي الكبير ماركو بيتشس Marco Bechis (71 عاما) الذي يقيم منذ عقود في إيطاليا، ويمكن اعتباره نموذجا فذا في التعبير عن المعاناة المشتركة بين شعوب القارة الأمريكية الجنوبية، فقد أخرج كل أفلامه من الإنتاج البرازيلي، الأرجنتيني، الإيطالي، الفرنسي. وفيلمه الجديد من الإنتاج المشترك بين البرازيل وإيطاليا الذي نال جنسيتها بحكم جنسية والده الإيطالي الذي تزوج أمه التشيلية، ولكن بيتشس نشأ في ساو باولو بالبرازيل، ثم انتقل الى بونيس أيريس التي طرد منها وهو في العشرين من عمره أي بعد الانقلاب العسكري مباشرة، حيث ذهب وأقام في ميلانو الإيطالية، وظل يعود باستمرار للإقامة والعيش في بوينس ايريس ويصور أفلامه هناك.
إنه إذن نموذج للأمريكي اللاتيني الأصيل الذي لا يفضل بين دولة وأخرى، خصوصا أن غالبية بلدان تلك القارة عرفت الديكتاتورية العسكرية، وأشهرها الانقلابات العسكرية التي وقعت في البرازيل وشيلي والأرجنتين.
ولكن ماذا حدث في الأرجنتين قبل خمسين عاما؟
في مارس عام 1976 قاد الجنرال رافاييل فيديلا انقلابا عسكريا دمويا أطاح بالرئيسة المنتخبة “إيزابيلا بيرون” بدعم من المخابرات الأمريكية، واعتُقلت “بيرون” وتم حلّ البرلمان، واعتقل كل أعضائه، وبعد أيام أصبح الجنرال “فيديلا” رئيسا للبلاد، وبدأت حملة ضخمة للتنكيل بالقوى الليبرالية واليسارية وكل الذين عارضوا الانقلاب. وذكرت تقارير جماعات حقوق الإنسان أن نحو 30 ألف شخص اختفوا أو جرت تصفيتهم جسديا، واستمر الحكم العسكري في التنكيل بالمعارضين فيما عرف بـ”الحرب القذرة”، من خلال الإخفاء القسري والخطف التعذيب والقتل.
لماذا نستعيد هذه المعلومات؟
السبب أن “العودة إلى بيونس أيريس”، شأنه شأن “الأرجنتين 1985″، يعيد فتح ملف تلك الفترة، ولكن ليس من خلال العودة فقط إلى ما وقع في الماضي، وليس من خلال المحاكمات التي جرت لقادة الانقلاب بدءا من عام 1985. هناك دون شك جانب يتعلق بالعودة إلى الماضي تنطلق على شكل تداعيات من ذاكرة وذهنية الشخصية الرئيسية في الفيلم، كما أن هناك مشاهد مقتضبة تدور داخل قاعة المحكمة حيث حوكم في سنوات لاحقة من التسعينيات، بعض الذين مارسوا التعذيب الممنهج داخل معسكرات الاعتقال، وقتلوا الكثير من المعتقلين الشباب، بإغراقهم في البحر، أو إلقائهم من الطائرات.
تدور أحداث الفيلم بعد 33 عاما من تجربة الاعتقال التي عاشها بطل الفيلم في السبعينيات، من 1976 إلى 1978. وقد جاءت الملاحقات القضائية للجناة بعد إبطال قوانين العفو في عام 2005، وشهدت السنوات من 2014 إلى 2017، محاكمات وإدانات تاريخية لضباط ومسؤولين أمنيين تورطوا في جرائم التعذيب داخل مراكز الاحتجاز السرية.
بطل الفيلم أو شخصيته الرئيسية، هو “ماريانو جيرا” (أدريانو جيانيني) الذي كان ناشطا سياسيا يساريا ضمن خلية من الشباب، واعتقل وأودع أحد معسكرات الاعتقال الجماعية حيث تعرض للتعذيب الشديد، لكن براعة السرد في هذا الفيلم أنه لا يكشف خبايا الحبكة مرة واحدة بل يركز أولا على أزمة ماريانو الذي استدعي بعد 33 عاما لكي يرجع إلى الأرجنتين من إيطاليا التي كان قد ذهب للعيش هناك بعد إطلاق سراحه في 1978 أي بعد أن قضى في المعتقل عامين و46 يوما، لكي يقدم شهادته أمام محكمة أقيمت في 2008 لمحاكمة عدد من الذين مارسوا التعذيب في تلك المعتقلات الرهيبة.
ماريانو ليس وحده الذي تقدم الآن للشهادة عما مر به فهناك أيضا مجموعة من زملائه، وعدد آخر ممن لا يعرفهم من بينهم سيدة كانت قد أدلت بشهادتها 4 مرات من قبل لكنها تعتزم هذه المرة الحديث عما سكتت عنه في الماضي، أي تعرضها للاغتصاب. وهي تتمتع بشجاعة لا يبدو أن ماريانو يتمتع بأي قسط منها، وسوف بكشف الفيلم تدريجيا ملامح ومعالم أزمة ماريانو النفسية التي لا يمكنه البوح بها، بل هو دائما يتهرب من مواجهة زملائه السابقين الذين يتهمون بخيانتهم، لا يدافع عن نفسه، بل يبدو وكأنه يتعذب بفعل شعوره بالذنب.
السيناريو البارع الذي وفر بنية سردية متقنة تماما، لا تغيب عنها أي تفصيل صغير يمكن أن يكثف معاناة الشخصية ويكشف تدريجيا عن معالمها، يتعامل مع جوانب شخصية ماريانو وازمته من خلال وضعه في متقابلات ومواجهات مباشرة مع غيره.
من ضمن الشخصيات التي تظهر أمامه فجأة في بيونيس أيريس، جاءت تراقبه من بعيد ثم طرقت باب حجرته في الفندق، فتاة تقول إنها ابنة امرأة كانت زميلة له، ولكنه يقول إنه لم يعرف امرأة بهذا الاسم قط، ويغلق الباب في وجهها، رافضا الحديث معها. لكن هذا لن يستمر طويلا فقد كان بالفعل على صلة بأمها التي تقول إنه تم إلقاؤها من طائرة لتلقى حتفها، أما أبوها فقتل في مواجهة مسلحة من رجال الأمن. لكنها أيضا تتشكك في أن يكون ماريانو قد أقام علاقة جنسية مع أمها، وربما تكون بالتالي هي ابنته.
هذا السؤال سيتركه الفيلم مفتوحا. فموضوعه ليس ما كان من علاقات ماريانو النسائية خصوصا بعد ان نعرف أن طبيب المعتقل الذي يعرف باسم “الدكتور ك” هو الذي أبقى على حياته لكي يجعله “كلبه” كما يقول، أي يخضعه له، في علاقة استغلال جنسية شاذة، فماريانو كان شابا صغيرا جذابا، وكان طالبا يدرس الطب، وسوف يجعله الطبيب مقابل علاقته به وخضوعه التام له كالكلب الوديع المطيع، مساعدا له.
وفي أحد المشاهد المثيرة بأجواء الإثارة والتحقيق، يتواجه الرجلان في دورة المياه بالمحكمة حيث يذهب ماريانو لحضور الجلسات التي تعقد للاستماع لشهادات عدد من رفاقه قبل أن يأتي الدور عليه، فيذكره الدكتور ك بأنه كان السبب الذي جعله يظل على قيد الحياة حتى الآن، ويذكره أيضا يخضوعه له في الماضي، ويصفه بانه كان مجرد “كلبه”، ويتحداه أن يجرؤ على التفوه بكلمة واحدة ضده في المحكمة، علما بأن الرجل لا يخضع أصلا للمحاكمة فلا أحد يعلم بدوره القذر في الأحداث بعد.
ماريانو من شدة شعوره بالفزع وهو يجد أمامه الرجل الذي كان السبب في دماره النفسي، يتبول على نفسه، يلمح الرجل البول على الأرض فيسخر منه، وعندما ينصرف، يهبط ماريانو في مشهد شديد القسوة والصدمة لكي يلعق البول، إلى أن يدخل عليه رجل لينقذه من نفسه، من تعذيب نفسه، وكأنه يعاقب نفسه أو يتماهى مع دوره الموصوف بدور الكلب.
ماريانو إذن خان رفاقه ووشى باثنين منهم، مفضلا أن ينجو بنفسه، راضيا بأن يصبح عبدا لدى هذا الطبيب المتوحش، على أن يلقى مصيره مثل غيره بالموت بالقذف من طائرة، أو الغرق في مياه البحر، أو الصعق الكهربائي. لكنه سيقابل المرأة التي تساعده على استعادة الثقة بنفسه واسترداد قدرته على الاعتراف بالذنب أمام الجميع، والأهم أنه سيشير أيضا إلى الدكتور ك ويكشف دوره القذر في الأحداث.
هذا فيلم بديع، مصنوع ببراعة، في إيقاع لا يفلت ولو مرة واحدة، وصور تتراكم وتخرج منها التداعيات في ترتيب دقيق، ويجمع الفيلم في بعض مشاهده بين ماريانو الكبير كما هو الآن، وماريانو الشاب في الماضي، لا لكي يتجادلان بل لكي يتطلع ماريانو الحالي الى ما كان عليه ويسترجع تاريخه الشخصي وعلاقاته قبل وبعد الاعتقال.
ولكن رغم المغزى السياسي الواضح، لا تكمن قيمة الفيلم في قوة موضوعه وفي موقفه السياسي بل لكونه أساسا عملا فنيا مشغولا بعناية، يتعامل مخرجه ببراعة من جميع عناصر الفن السينمائي، يعرف كيف يبدأ الفيلم، وكيف يتدرج في الكشف التدريجي عن محتواه من خلال شخصية البطل- المأزوم، المتردد، المتلعثم، العاجز عن التواصل مع الآخرين، الذي يغلق الأبواب في وجه الجميع، وينعزل، ويعاني كأنه مريض يوشك على الموت، وعندما يخرج الى الشارع يلمح رجلا مسنا قصيرا اصلع الرأس، يقفز في سيارة تاكسي ويتعقبه الى أن يتأكد من هويته، إنه شبح من أشباح الماضي التي تطارد بطلنا. ولكن الفيلم يدخر الكشف عنه حتى قبيل النهاية.
التصوير يضفي جوا من الاختناق على الكثير من المشاهد، لكي يعكس شعور ماريانو بالانكفاء على الذات، والعجز عن مغادرة الذاكرة القاسية التي تهاجمه بقوة، الإضاءة خافتة، والديكورات الداخلية سواء لغرفة الفندق أو الممرات توحي بأجواء الزنازين والسجون.
وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم تجسيدا للفترة الماضية، يذهب ماريانو مع الفتاة التي طرقت بابه وكان على صلة بأمها، إلى موقع معسكر الاعتقال الذي تحول الآن إلى متحف لكي يبقى شاهدا على الماضي، ماضي الديكتاتورية العسكرية. ولكن جدران الزنازين أزيلت، وبقيت آثارها على شكل قواعد خرسانية في أرضية المكان، بحيث تشي بمساحة الزنزانة التي تحلو تماما من النوافذ. تتأمل الفتاة المكان الذي يشير إليه ماريانو لها باعتباره الزنزانة التي كانت أمها محتجزة فيها، ثم تشعر بالغثيان وتنتحي جانبا ثم تتقيأ.
يكثر مدير التصوير من استخدام زوايا التصوير العمودية مع حركة الكاميرا الدائرية، بحيث يجعلنا نشعر بالدوار في مكان كهذا. وتلعب الموسيقى الثقيلة المنذرة، دورها في تكثيف الشعور بالرعب، خصوصا مع استخدام الدقات الإيقاعية الرتيبة ونغمات البيانو الثقيلة.
“العودة إلى بيونس أيريس” تحفة درامية وبصرية حقيقية، وصرخة احتجاج إنسانية هائلة ضد القهر ولكن من خلال الفن. وهذا ما يبقى حقا.
