هل صحيح أن مصر هي ثاني بلد في العالم عرف السينما؟
أمير العمري
الإجابة باختصار شديد هي: “كلا.. غير صحيح”. فلم تكن كمصر البلد الثاني ولا الثالث بعد فرنسا.
كانت هناك دولة سبقت فرنسا في أول عرض سينمائي هي ألمانيا التي شهدت العرض السينمائي الأول لفيلم يقع في 15 دقيقة مكون من سلسلة أفلام قصيرة، عرض في 1 نوفمير 1895 بواسطة جهاز بيوسكوب الذي اخترعه الأخوان سكالدنوفسكي.. ولكنهما اعترفا بعد مشاهدة العرض الفرنسي في 28 ديسمبر 1895 بأن جهاز الأخوين لوميير “السينماتوجراف” أكثر تطورا. وأصبح العرض الأول في العالم هو عرض لوميير الفرنسي لكونه كان العرض الأول لجمهور بتذاكر مدفوعة ولم يكن عرضا خاصا.
وان بحثت فستجد أن ألمانيا وروسيا وبريطانيا وأمريكا واسبانيا وكيبيك في كندا، وغيرها، سبقت مصر في العروض السينمائية بل اخترعت أيضا أجهزة خاصة للعرض وصورت أفلاما ولم تكتف في معظمها باستقبال لوميير بشرائطه وسينماتوجرافه. وليس معنى هذا على الإطلاق التقليل من ريادة مصر سينمائيا، فهي حقيقة ثابتة راسخة، فمصر كانت من أوائل البلدان التي عرفت السينما.
لا يقلل من ذلك أن بعض البلدان الأوروبية المتقدمة عرفت السينما قبلها، وليس عيبا أن نقول إن العرض السينمائي الأول في الإسكندرية كان في 5 نوفمبر 1896 وليس بعد يومين من عرض الأخوين لوميير في باريس في 28 ديسمبر 1895 كما يردد الكثيرون عن جهل أو عن قصد.
ويمكن العثور على كل ما ترغب من معلومات عن تاريخ السنيما وبداية العروض السينمائية، بالبحث والتدقيق في التواريخ. ولكن المشكلة تكمن في ذلك الإصرار على نقل وتكرار خطأ تاريخي لمجرد التباهي الفارغ وهو ما يدعوني الى تصحيح هذه المعلومة وغيرها من المعلومات الخاطئة في تاريخ السينما. تماما مثلما تم تصحيح المعلومة التي ترددت كثيرا في كتب تاريخ السينما المصرية التي كانت تقول إن فيلم “زينب” هو أول فيلم مصري روائي طويل في حين أن فيلم “قبلة في الصحراء” هو الفيلم الأول (عرض أولا في الإسكندرية وليس في القاهرة).
وعند البعض قد لا يعني هذا شيئا لكن عند المؤرخين والنقاد والمهتمين بالمعرفة هو أمر بالغ الأهمية لأن من لا يملك تاريخا صحيحا يحلق في الفراغ..
ولا يجب أن نلتفت لكل الذين يمكن أن يردوا علينا بفظاظة بالقول: وماذا يعني أننا الأقدم أو من الأقدمين، وما الفرق بين 1895 و1896 فالمهم الحالة التي وصلنا إليها حاليا وهي حالة لا تسر أحدا؟
وهو سؤال سياسي لا علاقة له بتاريخ السينما، لكنه أيضا تساؤلا يعكس يأسا اجتماعيا لأن السينما المصرية كانت ومازالت- وأكرر- ومازالت- قادرة باستمرار على إنتاج الأفلام التي تخاطب العامة أي أفلام التسلية الاستهلاكية، وفي الوقت نفسه إنتاج الأفلام ذات الطبيعة الفنية، وهو حال السينما في العالم كله.
وعليك فقط أن تراجع قائمة الأفلام الفنية الجيدة جدا التي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة لكي تكف عن النواح والنحيب. نعم هناك تشدد رقابي وتحكم مركزي، لكن فنان السينما يمكنه دائما الالتفاف وتصوير ما يريده رغم أنف الرقابة. والأمثلة كثيرة.
