مهرجان برلين: أفلام محبطة لكن “الرسائل الصفراء” فوق الجميع!
المخرج التركي إيلكر تشاتاك مخرج "الرسائل الصفراء" يحمل تمثال الدب الذهبي
أمير العمري- برلين
لا شك أن الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي جاءت كسابقتها، دورة العام الماضي، أي تفتقر بوضوح، إلى عدد مناسب من الأفلام الجيدة لكبار المخرجين، يمكن أن تبقى في الذاكرة. ويوما بعد يوم كان الشعور بالإحباط يتصاعد، ورغم ذلك كان هناك ثلاثة أفلام جديرة بالاهتمام، جديدة في موضوعاتها وأساليب معالجتها. هذه الأفلام هي بالترتيب الفيلم التركي- الألماني “الرسائل الصفراء” للمخرج إيلكر تشاتاك، المولود في ألمانيا لأبوين من المهاجرين الأتراك، والفيلم النمساوي “روز” للمخرج ماركوس شلينزر، والفيلم البريطاني “ملكة عند البحر” للمخرج الأمريكي لانس هامر. ويمكن أن نضيف إلى الأفلام الثلاثة أيضا فيلمين هما الفيلم التركي الثاني في المسابقة “الخلاص” لأمين إلبر، والفيلم التشادي الفرنسي “سومسوم.. ليلة النجوم” لمحمد صالح هارون.
أما غلبة الأفلام الضعيفة فنيا على أفلام المسابقة، فيرجع أساساً، إلى أن الكثير من السينمائيين وشركات الإنتاج والتوزيع، يفضلون المشاركة بأفلامهم في مهرجان “كان” في شهر مايو، أي في موسم أكثر دفئا وملائمة للاحتفال بالسينما، بعيدا عن الأجواء الباردة حد التجمد التي تعاني منها مدينة برلين في شهر فبراير، ويحجم الأمريكيون بوجه خاص عن الحضور في هذا الوقت الصعب، رغم وجود سوق سينمائية ضخمة تقام على هامش المهرجان وتشهد حركة كبيرة في تسويق الأفلام.
والسبب الثاني هو أن المهرجان يسعى للحصول على أفلام جديدة في بداية العام بينما تكون أفلام كثيرة مازالت في مرحلة العمليات التقنية في مرحلة ما بعد التصوير، وليست جاهزة للعرض بعد. ورغم هذا، كان المهرجان في الماضي، في عهد مديره الفني ديتر كوسليك، أكثر نجاحا في الحصول على أفلام جيدة، بسبب الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها كوسليك والعلاقات الشخصية المباشرة التي كانت تربطه بعدد كبير من كبار السينمائيين في العالم.
الخروج عن المألوف
المهرجان أصبح يميل بوضوح إلى الاهتمام بما أسميته في العام الماضي بأفلام الـ pervese أي الأفلام المنحرفة، ليس بالمعنى الأخلاقي بل بالمعنى الفني، أي الأفلام الخارجة عن المألوف بالمعنى السيء للتعبير، لان هناك الكثير من الأفلام التي تخرج عن المألوف لكنها أصبحت من روائع السينما في العالم، ومنها مثلا أفلام لستانلي كوبريك مثل “2001.. أوديسا الفضاء، و”البرتقالة الآلية” و”عيون مغلقة تماما” Eyes Wide Shut (يترجم الاسم كثيرون ترجمة خاطئة هي عيون مغلقة على اتساعها” وهو ما يجعل منه عنوانا مضحكا بالطبع فلا توجد عيون يمكن أن تكون مغلقة وعلى اتساعها!
هناك أيضا أفلام خارجة عن المألوف في أسلوب السرد مثل “كلاب المستودع” و”روايات الخيال الرخيص Pulp Fiction ” لتارانتينو، ولكني أقصد بالأفلام المنحرفة الخروج عن المألوف في اتجاه الفوضى والشكلانية الفارغة واللف والدوران حول الفكرة، والسيناريوهات المجوفة التي تعاني من عدم التماسك التي لا تصنع فنا عظيما، وتغيب عنها القدرة على سرد قصة مهما شطحت في الخيال، من خلال بناء فني متماسك ومفهوم ويمكن تأويله على عدة مستويات.
أرادت مديرة المهرجان تريشيا تاتل، أن تأتي بعدد كبير نسبيا من الأفلام التي تضمها المسابقة الرسمية، فجمعت 22 فيلما، معظمها لا يرقى للتسابق في مهرجان دولي، من بينها مثلا فيلم تجاري رخيص من أفلام الرعب هو الفيلم النرويجي “مولود الليل” Nightborn للمخرجة الهولندية هانا بيرغولم، وهو عبارة عن قصة تجمع بين زوجة دنماركية متزوجة من رجل انجليزي طموح، يقطنان منزل عائلة الزوجة الذي يقع وسط غابة، وهو منزل ظل طويلا مهجورا لكنهما يصلحانه ويجعلان منه منزل الأحلام. وأثناء ممارستهما الجنس وسط الطبيعة تحدث المعجزة، فتحمل المرأة وتنجب كائنا متوحشا، يمتص دمها ويمزق ثديها، لا يتغذى سوى على الدم واللحوم الحيوانية النيئة، وهذا الكائن سيجعل حياة الزوجين مستحيلة، لكن سنكتشف أيضا أن الأصل في هذا “الشر” يكمن في المرأة نفسها.
لا شيء هنا بالطبع يشبه “طفل روزماري” لبولانسكي ولا حتى “الأم” لأرونوفسكي، فلا فلسفة ولا رؤية ما، ولا رموزا، ولا أي شيء سوى إثارة أكبر كم من الشعور بالقرف قبل أي رعب، وهو ما دعاني الى اعتباره ضمن التصنيف الذي أطلق عليه زميلنا الناقد المعتزل مدحت محفوظ “أفلام التقزيز”!

ما الذي يمكن أن يدفع إلى إدراج فيلم كهذا في مسابقة مهرجان دولي محترم؟ لا شيء سوى الفراغ والعجز، وهو نفسه ما دفع إلى إدراج فيلمين من الأفلام التسجيلية (إن اعتبرنا بالطبع الفيلم الفرنسي “ضو” Daoللمخرج السنغالي آلان غوميز فيلما تسجيليا أيضا وهو كذلك في رأيي وإن كان يطعم التسجيلي بالتمثيلي، وبسبب طوله المفرط (أكثر من 3 ساعات) ومادته الثقيلة، غادر الكثيرون العرض، كما ضمت المسابقة أيضا فيلما من أفلام التحريك (رسوم كرتون). وهي خلطة إشكالية بالطبع، فالجمع بين الأجناس السينمائية في مسابقة واحدة أمر مربك، ولم نعد نشهده في معظم مهرجانات السينما العالمية.
غبار
من الأفلام التي أثار وجودها في المسابقة الاستياء، الفيلم البلجيكي “غبار”Dust ، للمخرجة أنكه بلونديه، الذي تدور أحداثه خلال يوم واحد، في السبعينيات، حينما ينتظر اثنان من مديري الشركات الكبيرة، الاعتقال، بسبب ما ارتكباه من مخالفات وتجاوزات عديدة أدت إلى انهيار سمعتهما وهبوط حاد في أسعار أسهم الشركة التي يمثلانها. فقد اخترعا شركات وهمية داعمة، وبالغا كثيرا في قيمة الأسهم، باستخدام بيانات وأرقام غير حقيقية، والتزوير في المستندات.

ولكننا سنعرف من أول الفيلم أن كلا من جيرت ولوك مذنبان، وبالتالي تنقضي أهمية ما ينكشف فيما بعد ولا يضيف شيئا، بل أنه يقلل كثيرا من جرعة الترقب والإثارة، لكن الفيلم يريد أن يقول لنا أيضا إن الرجلين ضحيتان لنظام أعتى وأشرس منهما، وأن ثقافة الجشع والرغبة في تحقيق الربح على حساب كل شيء، من جانب المساهمين في الشركات، هي التي تدفع أمثال جيرت ولوك إلى الانحراف. والفيلم يلف ويدور، ويظل يعود إلى الوراء، ثم يرتد الى الحاضر، ويصور تصاعد الشك في نفس لوك تجاه جيرت الذي يعتقد أنه ربما يهرب من دون تدمير ما لديه من مستندات خطيرة والأهم بالطبع، حمل كية ضخمة من النقود السائلة معه، ثم كيف يحاول لوك الهرب لكنه يسقط في الطين بعد انهيار سيارته، وكيف يذهب جيرت إلى شقيقته التي تدير مطعما ليترك لها كمية كبيرة من المال (المنهوب طبعا) بدعوى تأمين مستقبل ابنتها. وكلها تفاصيل تزيد من ترهل الفيلم وهبوط إيقاعه.
فيلم كريم عينوز
ومن الأفلام التي أثارة الكثير من الامتعاض أيضا فيلم “تقليم شجيرات الورد” للمخرج كريم عينوز، وهو فيلم أمريكي مفتعل يعاني من الاضطراب والاصطناع الشديد، والتكرار وثقل الظل، ويصور بشكل يثير التقزز، انهيار القيم وتدهور الأخلاق لدى عائلة أمريكية من الطبقة الثرية (كرمز مقتضب لانهيار قيم الطبقات العليا التي تحكم المجتمع الأمريكي). ولكن هذا الانهيار يصور من خلال مشاهد عبثية تعاني الاضطراب والفوضى والتكرار والتصور الكاريكاتوري الذي لا يضحك أحدا، وفي الفيلم مشاهد صادمة حد الغثيان مثل المشهد الذي تتناول فتاة العائلة الوحيدة يد أحد أشقائها الأربعة، وتدس أصابعه في فرجها ثم يخرج يده ملوثة بدم الحيض، ويلعق أصابعه في نشوة وهو يضحك في هستيرية!

وشخصيا لا أرى أن كريم عينوز مخرج موهوب كما يراد له أن يكون، فهو أساسا، مخرج من سعداء الحظ الذين تنجح شركات التوزيع والترويج التي تتولى الترويج لأفلامه في إدراجها في مسابقات المهرجانات الكبرة دون أن تترك أي بصمة خاصة أو شيئا يبقى في الذاكرة. إنه في الحقيقة مخرج متوسط الموهبة بالمعنى السيء أي حسب التعبير الإنجليزي Mediocre كما أنه لا يمتلك رؤية فنية خاصة أو عالما خاصا، بل هو مستعد باستمرار لعمل جميع أنواع الأفلام في أي مكان ومعظمها الآن أصبحت تصور مواضيع تدور خارج بلده الأصلي البرازيل!
عظمة “الرسائل الصفراء”
برزت في المسابقة ثلاثة أفلام كما أشرت من قبل، أولها الفيلم التركي البديع “الرسائل الصفراء” للمخرج إيلكر تشاتاك، مخرج فيلم “استراحة المدرسين” (2023)، وقد صوره بكامله في ألمانيا. الفصل الأول بعنوان “أنقرة في برلين” والفصل الثاني “إسطنبول في هامبورج” والثالث يحمل عنوان الفيلم نفسه أي “الرسائل الصفراء”. والمقصود أنه صور ما يجري في أنقرة في مدينة برلين، وصور ما يفترض أن يجري في إسطنبول في هامبورج. والباقي معظمه داخلي، كما استخدم الكثير من الممثلين الثانويين، في مشاهد التجمعات والتظاهرات، مع حشود من رجال الشرطة، ثم داخل قاعة المحكمة، ونجح بفضل مدير التصوير الألماني في العثور على أفضل نغمة لونية للفيلم، والتعامل مع مواقع التصوير في المدينتين، بحيث يضفي على مشاهده الحيوية والحركة والحياة والصخب المطلوب، مع إعادة خلق أجواء المسرح وعالمه بشكل خلاب.
إنه عمل يرقى إلى مستوى التحف الفنية، سواء من ناحية السيناريو أو الإخراج أو التمثيل، وهو يناقش الكثير من المسائل الفلسفية والسياسية والاجتماعية، التي ينجح السيناريو البارع في تضفيرها معا في نسيج فني بصري خلال.

يتناول الفيلم العلاقة بين الفن وثقافة الاحتجاج والمعارضة، ويصور كيف تصبح السلطة المطلقة أداة قمعية، وكيف يمكن أن تنال من الفنانين والمثقفين وتحول البعض منهم إلى مجرد عملاء لأجهزة الأمن، يتلصصون ويتجسسون على زملائهم ويشون بهم من خلال تلك الرسائل الصفراء التي يرسلونها على سبيل التهديد إلى المعارضين، وكيف يدفع الشرفاء الثمن، من البطالة والتجويع ومن ثم التعرض لضغوط شديدة داخل الأسرة الواحدة، تدفع إلى التفكك والتصدع.
يتخيل الفيلم وجود نظام ديكتاتوري متسلط في تركيا المعاصرة اليوم، يخوض حربا ظالمة على الحدود، يقوض الحريات بدعوى ضرورة توحيد الصفوف. بطل الفيلم مؤلف مسرحي ناجح يدعى “عزيز”، يعمل مع زوجته الممثلة المرموقة في المسرح القومي التركي في أنقرة “ديريا”، لكن عندما ترفض ديريا الرضوخ لرغبة حاكم المدينة (وطبعا ممثل الحزب الحاكم) الذي جاء الى المسرح لمشاهدة المسرحية التي تقوم ببطولتها، وأراد أن يلتقط صورا مع النجمة المسرحية، بعد هذا الرفض وبعد أن تتركه ينتظر من دون أن تعيره اهتماما، تُفتح الملفات القديمة، وكيف أن المؤلف المسرحي وزوجته الممثلة من المعارضين يعتنقان أفكارا تقدمية وليبرالية، ويصدر قرار بوقف عرض المسرحية، ثم ممارسة ضغوط على إدارة المسرح تفضي إلى طرد المؤلف والممثلة ومعهما مجموعة من العاملين والممثلين.
ولأن المؤلف هو أيضا أستاذ جامعي يقوم بتدريس الدراما، ولأنه لا يعارض مشاركة طلابه في التظاهرات المعارضة للاستبداد والقمع، هناك من يشي بموقفه، ليتم طرده من الجامعة، ثم يخبره صاحب المبنى الذي يستأجر فيه شقة بضرورة إخلائها دون أن يخفي تعرضه لضغوط من جانب الأمن، فيرحل مع عائلته: زوجته الممثلة التي فقدت عملها، وابنته المراهقة، إلى إسطنبول التي ينتمي إليها أصلا، حيث يقيم الجميع مع والدته في منزلها، ثم يضطر للعمل كسائق تاكسي في الليل بوساطة صالح شقيق زوجته التاجر، وتتوتر تدريجيا علاقته بزوجته التي فقدت نجوميتها، ولم تعد تشعر بالارتياح في الإقامة في كنف حماتها التي تتشدد في فرض رقابتها على الابنة المراهقة.

إن إيمان كل من المؤلف والممثلة، أي عزيز وديريا، بأن الفن يمكن أن يغير العالم، يتحول تدريجيا إلى مناقشة لدور الفن والمسرح بوجه خاص، في التنوير وإثارة الوعي، وهل يمكن أن يكون أداة للرفض والاعتراض، وكيف يمكن أن يوجد فن حر في مجتمع غير حر، وهل يجب المواءمة مع السلطة تفاديا للصدام (ترفض ديريا بإصرار الاعتذار لعمدة المدينة)، وهل العمل في مسلسلات تليفزيونية تجارية يمكن أن يكون بديلا للفن الرفيع، ومن أجل الاستمرار في العمل (ديريا تلجأ لذلك وبالتالي تخون المباديء التي جمعت بينها وبين عزيز من البداية، والابنة تقع وسط هذه الدوامة من المشاحنات) ثم تأتي الطامة الكبرى عندما يصبح عزيز مهددا بالسجن بعد أن تقيم السلطات دعوى قضائية ضده، تتهمه بـ”إهانة الرئيس” من خلال ما كان يكتبه من تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي.
القضايا التي يطرحها الفيلم لا تأتي من خلال سياق مباشر، أو مفروض من خارج النسيج الفني، بل إن سحر الفيلم يكمن في تلك القدرة على الإحاطة بكل التفاصيل وتضفيرها معا من خلال الشكل الفني، والدراما، والتعبير الدرامي، والانتقال الدقيق والمحدد بين المشاهد، وتعميق الشخصيات كلما قطعنا مرحلة واتجهنا إلى قلب الفيلم. وكل هذا من دون أن نبتعد قط عن المسرح، عن عالم المسرح، ودوره في الرفض والاحتجاج والتعرية، ثم كيف يضطر عزيز المؤلف للقيام بالدور الرئيسي في مسرحيته الجديدة التي يقدمها على أحد مسارح إسطنبول الهامشية، بعد أن تخلت ديريا عن الدور، ورفضت التنازل عن نجوميتها والهبوط لمستوى مسرحي أقل من المجد الذي بلغته في المسرح القومي الرسمي للدولة، فذهبت بالتالي للقيام ببطولة مسلسل تليفزيوني تجاري، وكيف يستمر عزيز على قناعاته حنى لو واجه السجن، وحتى لو وجد نفسه وحيدا، بعد انفصال زوجته عنه وذهاب ابنته للعيش معها.
لا يغلق الفيلم الدائرة، ولا يختلق السيناريو نهاية مفتعلة مصنوعة، لإنهاء الفيلم، ودفع الشعور بالارتياح في نفوس المشاهدين، بل يختار نهاية مفتوحة، يشي بشتى الاحتمالات.
“الرسائل الصفراء” فيلم عن المسرح وعن العائلة وعن السلطة وعن المقاومة الثقافية، وعن الاختيار، والموقف الذي يجب أن يتخذه المثقف. إنه عمل متعدد الأوجه، متعدد المستويات، يعرف مخرجه كيف ينتقل فيما بينها ببراعة، ويسحرنا بصورة دقيقة، يراعي فيها كل دقائق وفنيات التصوير، الظلال والأضواء، الزوايا والنظرات والتسلل والترقب، والانفعالات وكيف تنعكس على الوجوه، التقاط مشاعر الغضب والحماقة، العنف والاستسلام، الصمود أمام المحكمة وأمام الإعلام، والرغبة في جمع الشمل. ولا شك أن الفضل في الصورة البديعة والاختيارات الدقيقة لأحجام اللقطات والإضاءة التي تصنع صورا مركبة مثيرة، والقدرة على التصوير في بيئة ألمانية مع المحافظة على النغمة الضوئية في المدينتين التركيتين، يرجع أيضا إلى دور مديرة التصوير الألمانية جوديث كوفمان التي سبق أن أدارت تصوير فيلم تشاتاك السابق “استراحة المدرسين”.

ولأنه فيلم عن المسرح وعن عالم التمثيل، ففيه يبرز عنصر الأداء بشكل لافت، وعلى رأس الطاقم التمثيلي وفي مقدمته بلا جدال، الممثلة التركية المرموقة “أوزغو نامال” (47 سنة) التي بلغت الآن قمة النضج الفني وهي التي سبق ان تألقت في عشرات الأعمال السينمائية والدرامية التليفزيونية، ونالت جوائز عديدة. إنها تأسرك بأدائها وسحرها وجاذبيتها الخاصة، من أول ظهور لها في أولى لقطات الفيلم، وهي تصل في هذا الفيلم إلى أقصى مستويات “التقمص” والتماهي الكامل مع الشخصية التي تقوم بها وكأنها أصبحت هي الشخصية، فهي تؤدي بالنظرات والإيماءات، بالابتسام أو العبوس، بالحركة الرشيقة فوق المسرح أو في الحياة، بالتعبير عن مشاعر الخوف والهلع، والرغبة في التماسك ومقاومة الانهيار، ثم كيف تنعكس عليها الضغوط التي تشتد وتتصاعد. هذا الأداء هو درس للممثلين جميعا، بل والفيلم كله هو بمثابة درس للمخرجين الذين يجب أن يتعلموا كيف يمكن إخراج فيلم متشابك متعدد الأوجه كهذا، عمل مضاد للديكتاتورية والسلطوية، ولكن من خلال البصمة الفنية الرفيعة، والتعبير الرصين، لا الاختزال المخل، ولا الشعارات المباشرة التي تفسد أي عمل!
وكان من حسن الطالع أن يصل الفيلم إلى لجنة التحكيم التي ترأسها المخرج الألماني الكبير فيم فيندرز، وبالتالي نال الفيلم الجائزة الكبرى، أي “الدب الذهبي” عن استحقاق وجدارة لم ينافسه فيها سوى الفيلم البديع “ملكة عند البحر” Queen At Sea وهو موضوع مقال قادم.
