من كلاسيكيات برلين: “الغوريلا تستحم عند الظهر”

“الغوريلا تستحم عند الظهر” Gorilla Bathes at Noonهو عنوان الفيلم الذي أخرجه فنان السينما الكبير دوسان ماكافييف الذي كان ينتمي الى يوغوسلافيا السابقة (مونتنجرو حاليا) وعرف بأفلامه اللاذعة الساخرة التي كانت توجه نقدا شديدا للتجربة الشيوعية اليوغوسلافية في الستينيات، الأمر الذي أثار عليه غضب السلطات في بلده، فقامت بمنع أفلامه ذات الطابع السوريالي مثل «الغاز الكائن البشري» و«فيلم حلو» وغيرهما. وكان أن استقر في الولايات المتحدة، حيث كان يقوم بتدريس السينما في جامعاتها.

أعاد مهرجان برلين السينمائي الـ76 اكتشاف هذا الفيلم النادر، وعرضه في نسخة مرممة ضمن برنامج كلاسيكيات برلين التي ضمت عددا من أفلام الماضي البديعة التي تعتبر دروسا في السينما لكل من يريد أن يتعلم.

في عام 1984 أخرج ماكافييف فيلم “طفل الكوكاكولا” من الإنتاج الاسترالي لكن الفشل الكبير الذي مني به الفيلم دفع صاحبه الى التقاعد قبل أن يعود في 1993 لكي يخرج فيلم “الغوريلا تستحم عند الظهر” بعد متابعة مكثفة لأحداث ألمانيا الشرقية، منذ ما قبل انهيار سور برلين الى إسقاط تمثال لينين الضخم في مدينة لايبزغ.

«الغوريلا تستحم عند الظهر» فيلم شبه درامي، شبه تسجيلي، فيه ملامح كثيرة من أسلوب ماكافييف المعروف: تداخل السرد، الكولاج، التعليق الصوتي، استخدام مواد الأرشيف، المزج بين الخيال والواقع، الأحلام والهواجس الشخصية، السخرية والإضحاك اللتان تنبعان من المأساة، والإيقاع السريع. لكن حزنا دفينا يغلف سائر لقطات هذا الفيلم ما يجعله بمثابة مرثية لعصر كامل، لقيم كاملة اختفت ولم يبق منها غير رأس ضخم مقطوع لتمثال الزعيم فلاديمير إيليتش (لينين) الذي كان يلهم الملايين في الماضي وحتى الماضي القريب!

يعتمد ماكافييف في فيلمه على الممثل الواحد الذي يروي لنا قصته، في سياق أشبه بـ «المونولوج». إنه أحد جنود الجيش الأحمر الروسي الذي كان متمركزا في ألمانيا الشرقية، دخل الى المستشفى للعلاج، وعندما خرج وجد أن جيشه قد رحل عن ألمانيا بعد سقوط الجدار الفاصل. واعتبر هو ذلك خيانة له.. فهو مخلص كل الإخلاص لأيديولوجية الجيش الأحمر. إذن فقد هرب جيش بأسره من الخدمة، تاركا جنديا واحدا فقط متمسكا بأداء «الواجب»!

يصر فيكتور بورسيفيتش (وهذا هو اسمه) على القيام بواجبه، محافظا على زيه الرسمي العسكري اللامع، يرفض رفضا قاطعا التخلي عن فكرة أن كل ما عاش من أجله قد انتهى. إنه ابن ذلك الجندي السوفييتي الذي تحول الى بطل قومي في بلاده وكان أول من رفع العلم الأحمر فوق مبنى الريشتستاغ (البرلمان الالماني) في قلب برلين عند تحريرها من النازيين عام 1945.

في النصف الأول من الفيلم يستخدم ماكافييف لقطات من الفيلم السوفييتي المشهور “سقوط برلين” وهو فيلم روائي من كلاسيكيات المرحلة الستالينية في السينما السوفييتية.

إن لقطات الجموع في تحية ستالين، القائد الذي قادهم الى النصر أمام الكرملين، ولقطات دخول الجنود السوفيت في برلين، هي لقطات تتداعى في مخيلة بطلنا طوال الوقت، بينما يواجه هو مصيرا آخر عبثيا على نحو مضحك مبكٍ.

أولا يقبض عليه رجال الشرطة ويضعونه في السجن لفترة، ثم يطلقون سراحه ويعطونه تذكرة سفر للعودة الى بلاده، لكنه يبيع التذكرة مقابل حفنة من الماركات، ثم تنفد نقوده القليلة فيلجأ الى سرقة بعض الفواكه لكي يقتات. ويستمر في التجوال الى أن يصل الى منطقة خرائب يعيش فيها المتسولون والهامشيون خارج حدود المدينة. يقيم علاقة مع فتاة ضائعة، يعثر على طفل رضيع ماتت أمه في حريق بالمنزل، يلتقطه، يعطيه للفتاة التي تريد أن تتبناه معه. يأتي تاجر من تجار السوق السوداء في فترة الانهيار، يعرض شراء الطفل وبيعه لإحدى الأسر التي حرمت من الإنجاب. وهو يعرض مبلغا مغريا يجعل الجندي يوافق بعد تردد وتحت وطأة الجوع.

يتسلق صاحبنا تمثال لينين الضخم الذي يشعر تجاهه بالرثاء لما أصابه من تدهور جعله في حاجة أمس الحاجة الى الإصلاح والطلاء، ثم يقوم بنفسه بطلاء الأجزاء المتآكلة من التمثال العملاق.

مرة أخرى يقبضون عليه ثم يطلقون سراحه، يقوم هو أخيرا أمام ضغط الحاجة ببيع زيه العسكري ببضعة ماركات.. وفي اللقطة الأخيرة من الفيلم، نرى شاحنة تحمل جسد ورأس تمثال لينين الى مثواه الأخير، بينما يقف بطلنا في ساحة عامة وقد تأهب لبدء رحلة جديدة في عالم جديد!

يمتليء فيلم «الغوريلا تستحم عند الظهر» بالكثير من اللقطات التسجيلية التي صورها ماكافييف في بدايات حركة الاحتجاج التي انتهت بهدم سور برلين، ثم انهيار الدولة في ألمانيا الشرقية.

وتعد تجربة إخراج هذا الفيلم والاستعانة بالممثل المجري العظيم الذي قام بدور فيكتور، تجربة جريئة وربما أيضا غير مسبوقة في السينما الروائية. وعندما يكشف لنا البطل حقيقته في نهاية الفيلم، يقول انه ليس روسياً وليس جندياً لكنه مجرد ممثل قام بتقمص الشخصية.. وبهذا يقوم بإزالة أي وهم لدى المشاهد يتعلق بمرحلة سادت فيها أوهام كثيرة.

انها رحلة أوديسية عبثية، تبدأ من الفانتازيا وخصوصا «الفانتازيا السياسية» وتنتهي الى الواقع الذي يظل غامضا قابلا لشتى التأويلات.

والفيلم على كل ما فيه من نقد شديد لذلك التمسك الساذج الأعمى بـ«الأيديولوجية» والإصرار على رفض الواقع، كما يتجسد من خلال شخصية فيكتور الذي يرتد طوال الوقت الى الماضي، والى ما حفره الإعلام السابق في ذاكرته من شعارات، يحمل نغمة رثاء لعالم قديم انتهى، ويعبر عن مخاوف صانعه من عالم جديد أصبح يتغنى بالحرية الفردية، غير أن قوى أخرى شمولية من نوع آخر لا تزال تحكم زمامها من حوله.

في اللقطة الأخيرة الساخرة من الفيلم، يودع فيكتور زيه القديم، ويرفع أمام الكاميرا لافتة تتحدث عن الحرية غير المحدودة التي أصبح يتمتع بها بعد أن ودّع ماضيه، لكننا نراه وحيدا تائها لم يصل بعد الى نهاية رحلته الأوديسية الكابوسية.

ألا يعد هذا الفيلم إذا ما وضعناه أمام ما يحدث في العالم اليوم، نبوءة على نحو ما بما انتهت إليه الأمور بعد سقوط الجدار، وانكشاف “الوهم”؟!



Visited 3 times, 3 visit(s) today