“ملكة في البحر”.. تحفة متأخرة الظهور في مهرجان برلين
أمير العمري- برلين
تأخر كثيرا ظهور التحفة السينمائية في مهرجان برلين السينمائي الـ76، فباستثناء الفيلم التركي البديع “الرسائل الصفراء” الذي عرض في اليوم الأول، كان لابد من الانتظار حتى ما قبل اليوم الأخير، قبل أن نشاهد الفيلم البريطاني “ملكة في البحر” Queen at Sea للمخرج الأمريكي لانس هامر Lance Hammer وهو فيلمه الثاني منذ أن قدم فيلمه الأول “بالاست” Ballast الذي فاز بجائزة مهرجان صندانص عام 2018.
لماذا نعتبر هذا الفيلم الذي يبدو تقليديا في بنائه السينمائي، تحفة سينمائية؟ أولا لتوفره على سيناريو دقيق، محكم، مكتوب ببراعة، يتضمن شخصيات واضحة، وعلاقات “طبيعية”، لا تبدو مفروضة من خارج الفيلم أو من خارج الواقع، كما يعبر السيناريو عن موضوع الفيلم الذي يفيض بالمشاعر الإنسانية، من دون صراخ، أو تكرار، أو مبالغات ميلودرامية.
وثانيا، الإخراج الرصين، الذي يتعامل بشفافية ورقة كبيرة مع موضوع الفيلم، يستفيد جيدا من أماكن التصوير سواء داخل المنزل العتيق في لندن، أو من الضوء الخافت الذي يلائم تصوير مناخ لندن الشتوي الذي تظلله عادة السحب الكثيفة وتحلق عليه أجواء الكآبة.
يضع الفيلم الإنسان في قلب مأزق الوجود نفسه، طارحا تساؤلات أخلاقية ونفسية واجتماعية قاسية ولكن من دون قسوة، ترتبط بأزمة أبطاله الأربعة الذين ينتمون إلى ثلاثة أجيال: الزوج والزوجة المسنان، مارتن وليزلي، خصوصا وأن ليزلي مصابة بداء الخرف (الزهايمر)، وجيل الابنة “أماندا” (جوليت بينوش) التي بلغت منتصف العمر، واضطرت مؤخرا إلى قطع عملها كمدرسة جامعية في مدينة نيوكاسل، وجاءت إلى لندن لرعاية أمها “ليزلي” التي تفاقمت حالتها المرضية خصوصا وأنها تعيش مع زوجها “مارتن” في منزل صغير ذي درج ضيق للغاية، هو وسيلة الصعود إلى الطابق الثالث حيث توجد غرفة النوم.

وأخيرا هناك جيل شباب اليوم الذي يتجسد في “سارة”، ابنة أماندا المراهقة الوافدة حديثا إلى لندن، تحاول العثور على ذاتها في المدينة الكبيرة، وتشعر في الوقت نفسه بالأسى جراء انفصال أمها عن والدها الذي ذهب للتدريس في كندا، وخصوصا أن الأم تقول لها بوضوح وحسم إن عودتهما للعيش معا صار أمرا مستحيلا.
أما موضوع الفيلم الرئيسي فهو باختصار: كيف يمكن التعامل مع حالة الخرف عندما تصيب أعز الناس وأقربهم إلينا؟ كيف نوفر لهم الحماية، هل من خلال النظام الصحي القائم، أي العزل داخل منزل للمسنين، أم من خلال الرعاية المباشرة التي يوفرها زوج نشك في أن لا أمان له، وأنه يستغل خرف زوجته المسنة، لممارسة ما لا يجوز معها؟ هل تملك السلطات حل المشكلة أم أن تدخلها قد يفاقم منها ومن آثارها وتداعياتها؟
هذه التساؤلات لا يجيب عنها الفيلم، فوظيفة الأفلام ليست تقديم إجابات سهلة جاهزة للمتفرج الكسول، بل إثارة الأسئلة ووضعها أمامه، وترك مهمة التفكير في الحلول له، وهو ما يفعله هذا العمل البديع الذي ينتمي إلى سينما الهمس والشعر والكشف التدريجي عن عمق المشاعر.
هذه التساؤلات هي نفسها أيضا، التي تجسد مأزق “أماندا” التي تشعر أن الأمور ربما تكون قد خرجت عن نطاق السيطرة، فهي تصعد في أولى مشاهد الفيلم- مع ابنتها ساره- الدرج الضيق داخل منزل والدتها ليزلي (التي تزوجت من مارتن قبل 18 عاما بعد وفاة والد أماندا) لتفاجأ ونفاجأ نحن المشاهدون معها، بأن مارتن (يقوم بدوره الممثل العملاق توم كورتناي) وهو في نحو الثمانين من عمره (كورتناي في الواقع في الـ88 من عمره)، يعتلي ليزلي (تقوم بالدور الممثلة المخضرمة “آنا كالدر- مارشال”- 79 عاما). أي أنه يمارس معها الجنس، فتنهره أماندا بكل قوة. وسرعان ما نفهم أنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، وأن مارتن يخالف عمدا، تعليمات طبيب “ليزلي” الذي نصح بالكف تماما عن ممارسة الجنس مع السيدة المسنة المريضة كون حالتها العقلية لا تجعلها مهيأة للشعور بأي متعة أو رغبة من الأصل. أما مارتن فهو يجادل بالقول إن العكس هو الصحيح، فطبقا لما أجراه من أبحاث على شبكة الإنترنت، هناك من الأطباء النفسانيين من أن “الجماع” يدخل الراحة والسعادة والهدوء النفسي على المرأة المصابة بالخرف. وهو بالتالي مدفوع بالرغبة في مساعدة زوجته لا باستغلالها.

“أماندا” التي يبدو أنه قد فاض بها الكيل مما تعتبره “اعتداء” شائنا من جانب مارتن على والدتها على هذا النحو، تقوم بإبلاغ الشرطة، ثم يتدخل الأخصائيون الاجتماعيون، ويصدر قرار بإبعاد مارتن عن منزل ليزلي، ولكن أين يمكنه أن يذهب.
أماندا، لا تجد مفرا من وضع أمها في منزل لرعاية المسنين رغم معارضة مارتن الشديدة، وهناك تمر بفحوص تفصيلية لمعرفة ما إذا كانت قد تعرضت للاغتصاب من جانب مارتن.
يصبح مارتن مهددا بالفضيحة والعار من جهة، وبفقدان صحبة زوجته التي يعرف جيدا أنها تحتاج إلى وجوده بجانبها من جهة أخرى. إلا أن السيناريو البارع لا يلجأ إلى الحلول السهلة والتفسيرات البسيطة، بل يقوم بتعقيد المشكلة أكثر وأكثر، أمامنا و”أمام أماندا”، فمارتن الذي يصر من البداية، على أن ممارسة العلاقة الحميمية مع ليزلي تكون بناء على رغبتها واستجابة للمبادرة من جانبها، الأمر الذي ترفضه أماندا، سرعان يثبت أنه محق عندما نرى كيف تبادر ليزلي نفسها داخل منزل المسنين، فتداعب رجلا من نزلاء المنزل، ويكاد الأمر يتطور لولا أن تكشف الكاميرات ما يحدث فيتدخل المشرفون ويحولون بين ليزلي والرجل. وعندما يتم إطلاع مارتن وأماندا على ما وقع، تقرر أماندا إعادة والدتها إلى منزلها.
والآن أدركت أماندا أن وجود مارتن لا غنى عنه، بعد ان أصبحت على قناعة بأنه يحب ليزلي ويريد أن يساعدها، وخصوصا أنه تعهد الآن بعدم تكرار الأمر.
بعد أن كانت علاقة مارتن وأماندا علاقة شد وجذب، تصبح أماندا أكثر فهما لمارتن. لكن هل تستمر الأمور على هذا المنوال، أم سيقع ما ليس في الحسبان، ويجعل الموقف يتعقد أكثر؟ فالأزمة النفسية، يمكن أن تصبح أزمة وجود، مما يجعل الفيلم يقذف في وجوهنا بتساؤلات أخرى عن انسداد طرق المعالجة، وعجز مؤسسات المجتمع عن التعامل مع تلك الحالات.

يتبع الفيلم المونتاج المتوازي، حينما ينتقل من حالة أماندا ومارتن وليزلي، إلى حالة سارة، الابنة الشابة التي تبدو مترددة في الإقدام على علاقة عاطفية مع شاب تعرفت عليه في لندن، تعتزم إقامة علاقة جسدية معه، لكنها تخفي الأمر عن أمها، إلى أن تكتشف الأم الحقيقة فتوجه لها النصح. سارة هي التي تملك مفتاح جسدها، يمكنها أن تتحكم في مسار العلاقة، وهي هنا على النقيض من ليزلي التي فقدت القدرة على التحكم في جسدها. من ناحية هناك موت للمتعة، ومن ناحية أخرى، هناك صحوة للرغبة. هذه هي طبيعة الأمور، ودورة الحياة.
هل ستنقل أماندا عملها الجامعي إلى لندن، وهل ستقبل ساره بالانتقال وتواصل علاقتها بالشاب الذي بدأت علاقة عاطفية ليست واثقة من استمرارها، أم أنها ستستمر في التشبث بالعودة الى نيوكاسل رافضة بيع منزل الأسرة هناك كما تقترح أمها؟ نهاية مفتوحة تبقى حتى بعد الصدمة التي ستقع بين مارتن وليزلي والتي لا يجب أن نكشف عنها هنا، مع تساؤلات كبيرة أخرى بالطبع تبقى هائمة.
صحيح أن الفيلم يقوم على سيناريو مفعم بمشاعر الحب والرغبة، الحنان والتعاطف والصحبة والفقدان والتشبث بالأمل رغم الألم، كما يستمد قوته من الإخراج الرصين الواثق، الذي يعرف كيف يستفيد من كل إمكانيات المكان، ويجيد تحريك الشخصيات، والانتقال بين المشاهد والمواقف المختلفة، والكشف التدريجي عن العلاقات وتطورها مع وضعها في سياق محكم لا يخرج عن السيطرة أو يجنح في اتجاه المشاعر المفرطة، إلا أنه يعتمد أيضا وبدرجة كبيرة، على الأداء، على ذلك الحضور المدهش لمجموعة من الممثلين البارزين: جوليت بينوش التي تقوم بدور أماندا. هي تعاني من المشاعر المتضاربة، تنتقل من الحدة إلى الفهم، ومن المواجهة إلى التعاطف، تجيد الحديث بالإنجليزية باللهجة البريطانية كامرأة تنتمي أيضا إلى أم من الواضح أن لها جذورا فرنسية (نراها تخاطب ليزلي أكثر من مرة بالفرنسية)، وتوم كورتناي الذي يعود ليتألق في دور مارتن، بكل عنفوانه وصدقه وتعبيره عن التشبث بزوجته التي يحبها بكل مشاعره، ويريد أن يظل معها حتى النهاية. وهو يعرض وجهة نظره ويدافع عنها، وهي وجهة نظر يجب أن تؤخذ في الاعتبار من دون أن تلغي وجهة النظر المعارضة.
أما معجزة الأداء في الفيلم فتكمن دون شك في أداء الممثلة البريطانية المرموقة “آنا كالدر- مارشال” التي قامت يدور “ليزلي”، فهي تعبر بالصمت وبالنظرات الحائرة حينا، الخائفة المذعورة حينا آخر، وبالتعبيرات التي ترتسم على وجهها الطفولي والتي تعكس عدم الفهم، أو ترفض وتنسحب، ثم تعبر عن اشتياقها للرفقة التي اعتادت عليها.
وفقت لجنة تحكيم مسابقة مهرجان برلين السينمائي حينما منحت كلا من آنا كالدر مارشال وتوم كورتناي معا، جائزة أفضل تمثيل ثانوي. وكان يمكن جدا أن تذهب جائزة أفضل ممثلة إلى مارشال، وأن ينال الفيلم الدب الذهبي. لكن لجان التحكيم لها حسابات وموازنات خاصة.
“ملكة في البحر” عمل مؤثر، يفيض بالمشاعر ويطرح تساؤلات صعبة مقلقة، ذات صلة بواقعنا وعالمنا، ولا شك انه سيبقى طويلا في الذاكرة.
