مسلسل “بلوربوس”..  بين الفردية والجماعية

يدور مسلسل الخيال العلمي “الكثرة” Pluripus ” للمخرج فينس غيليغان، عما حدث للبشرية بعد تفشي فيروس الالتحام بينهم، والذي شخصت أعراضه بالتنازل عن الفردية، والإرادة الحرة، وانتشار ما يسمى (بالتلاحم)؛ ليسود مبدأ الجماعة اللاغي لتفرد الإنسان عن أخيه الإنسان، ويختفي ضمير(الأنا) وينتشر ضمير(نحن) بين الجميع.

فينس غيليغان الذي اشتهر بالعديد من مسلسلاته الناجحة مثل” Breaking Bad” انتقل في هذا المسلسل من عالم الجريمة والدراما الواقعية إلى آفاق الخيال العلمي الفلسفي.

تبدأ أحداث المسلسل بوصول شيفرة حمض نووي فيروسي لكوكبنا، ليتم تصنيعه لاحقا في المختبر، فينتقل الى البشر، ويصيبهم جميعا ما عدا ثلاثة عشر شخصا في العالم.

تروى قصة المسلسل من وجهة نظر الناجية كارول التي تدرك خطورة ما حدث، إن المصابين سعداء بالفيروس الذين صبغت حياتهم بالسلام و السعادة والرضا عن كل ما في هذه الحياة، ثم تتوالى الأحداث؛ ليتطور معها الصراع تدريجيا، فنجد كارول تنقسم عن باقي الناجين، محافظة على مسؤوليتها في إنقاذ البشرية، وتستمر القصة لنرى تغير رأيها تجاه الملتحمين، لنطرح العديد من الأسئلة: هل حصولنا على بعض الفوائد يجعلنا نتنازل عن إرادتنا الحرة؟ وهل سيدفعنا الشعور بالوحدة للانضمام إلى مجموعات لا نتقبلها؟

تجلت البيروقراطية في التكافل بين الملتحمين أثناء أدائهم لمهامهم اليومية، فهذا النظام يقوم بإذابة الخصوصية والفردية والحدود بين أفراده؛ لصالح بناء الوحدة بينهم؛ ولزيادة الكفاءة. ماكس فيبر الذي صاغ هذا المفهوم كشف عن بذرة فنائه، فعندما تتطرف البيروقراطية ينكشف الستار عن جانبها المظلم الذي سماه (القفص الحديدي) الذي يسلب الإنسان روحه وتفرده وإبداعه لإرضاء كافة النظام، وما صرخة كارول- الكاتبة المبدعة في مجالها- في وجهه إلا محاولة منها للحفاظ على تفردها وأصالة روحها.

يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة تطورت مع الوقت، فالأنظمة السلطوية الحديثة تقوم بتشكيل الأفراد، وتحديد كيف يفكرون ويتصرفون؟ ولم تعد الطاعة تفرض بالقوة، فالرقابة التي فرضها الالتحام من خلال العين التي ترى كل شيء في كل زاوية، هي رقابة دقيقة، وهي إحدى طرق فرض الانضباط؛ لتشكيل الأفراد وجعلهم مطيعين، فالسلطة هنا ليست سلطة قمعية بشكل مباشر بل تستخدم أسلوب المراقبة؛ لتشكيل الأفراد وتجنيدهم لتحقيق أهدافها، ما يدفعنا للتساؤل عن هوية من يقف وراء الفيروس؟ وماذا أراد من فرض سلطة الالتحام؟

في عمله الجديد، ومن خلال نظريتي الفعل الاجتماعي لـ(لماكس فيبر) والتضامن الآلي لـ(لدوركايم) يدفعنا المخرج إلى التأمل المتعمق حول ما سيحصل إذا تحول الإنسان من كائن ذي فعل اجتماعي واعٍ حر، الى فردٍ ضمن قطيعٍ محكوم بالتضامن الآلي القاهر.

كنقطة سوداء على رقعة بيضاء، برزت كارول مجسدة بمقاومتها الواعية فعلاً اجتماعياً، عقلانياً ذا قيمة، رفض انصهار ذاتها مع القطيع، فهي ترى أن “الأنا” لا تتحقق إلا بتفردها وتميزها عن باقي الذوات، ليس بالجسد فقط، بل بالأفكار والمشاعر والإرادة الحرة أيضاً. فهي بفرديتها الواعية تواجه نظاما كاملاً يسير إلى وجهة مجهولة.

غيليغان بذكائه عكس لنا ثقافة القطيع المعاصرة من خلال الملتحمين الذين يتصرفون بتناغم مريب؛ ليمثل من خلالهم نظرية التضامن الآلي والفيروس الذي نشر الحتمية الاجتماعية المطلقة بينهم، وما سيحل لكل فرد لا ينقاد مع القطيع، وحالة الاغتراب التي سيعيشها من خلال لقطات تعكس كارول في عزلة وجودية وسط الملتحمين في موطنها، و أن الذوبان التام في المجموعة هو في جوهره إعلان عن موت الإنسان كفرد فاعل، وصاحب إرادة حرة.

في هرم الاحتياجات الإنسانية (لماسلو) يقع الاحترام في المستوى الرابع ضمن احتياجات التقدير، وحالة السلمية، والرقي الأخلاقي الطاغي في تعامل الملتحمين مع كارول أثر عليها إيجاباً؛ مما دفع بها لتقبلهم، والتوقف عن إطلاق الأحكام عليهم، في كل هذه الأجواء الرائعة التي يستعرضها المسلسل تكتشف كارول الاعتداء الخفي، والمبطن على أحد حقوقها الفردية لصالح الأغلبية، فالحقوق الفردية عند (رونالد دوركين) هي حدود أخلاقية وقانونية محصنة، ولا يمكن تجاوزها، وهي ورقة رابحة، ولها الأولوية على النفعية.

إن كل التساؤلات التي تقفز بشكل متتال إلى ذهن المشاهد تجعله يظن أن كارول اعتزلت أبناء جلدتها من الملتحمين؛ لعدم وجود روابط قوية وعميقة بين الطرفين، وهذا صحيح من منظور (دوركايم) في نظريته للعزلة الاجتماعية، ولكن بمجرد أن نعود لنرى القصة منذ البداية، نجد أن علاقاتها العميقة محصورة بصديقتها (هيلين) التي تزامن موتها الصادم مع انتشار الفيروس، لندرك ولو متأخرا حقيقة ما تمر به كارول، فالعزلة هنا حسب نظرية مراحل الحزن (لكوبلار- روس) سببها مرحلة الاكتئاب الناتج عن حزن الفقد لشخصية محورية في حياتها.

يجول المسلسل بذهن المشاهد في عدة أزمنة، مرة إلى الماضي في حالة الصمت التي تعم المدينة، عائداً به الى جائحة كورونا والحجر الصحي، ومرة الى اللحظة الراهنة؛ ليتأمل فيما يطبق من مبادئ دون وعي، ومرة يقفز به الى المستقبل؛ ليفكر ما الذي سيحدث لو أن فيروسا كهذا انتشر، وعن طرق الحماية، ولماذا أصيب الجميع؟ ولماذا نجا البعض؟ ولكن هناك أمراً غريباً فقد حدث الالتحام على مستوى الأفكار والمشاعر عند الناس، ولكن لماذا لم يحدث على مستويات أخرى كالشكل أو الجسد مثلا؟

لماذا لم يحدث الالتحام على مستوى الملابس؟ لماذا حافظ كل شخص ملتحم على فرديته وتفرده فيما يخص زيه ومظهره الخارجي؟ وفي ظل التوقف عن مبادلة السلع بالمال، هل يعني هذا انهيار النظام الاقتصادي؟ أم يعني أن الاقتصاد فقد سلطته كنظام على البشرية؟ وهل كان يوجد صراع على السلطة بين الفكرين، الاقتصادي والالتحامي؟ وهل كان الأمر يستدعي فيروساً لهذا؟ وفي هذه الزوبعة (البشرية الجديدة) إلى أين تتجه؟!!

Visited 3 times, 3 visit(s) today