مدخل جديد لفهم الفيلم: أم كلثوم من كوكب الشرق الى “الست”
أكرم الآغا
عندما أُعلن عن مشروع فيلم “الست” للثنائي مروان حامد وأحمد مراد، كان السؤال الذي تردد في الأوساط الفنية هو: “ماذا تبقى ليُقال؟”. لقد تشبعت الذاكرة العربية بتفاصيل حياة كوكب الشرق، وباتت صورتها في الوعي الجمعي أيقونةً ناجزةً ومكتملة لا تقبل الإضافة وكذلك النقصان. لكن مروان حامد لم يكن معنياً بإعادة رواية السيرة كما نعرفها، ولا بتحريفها، بل كان معنياً بشيء أقل تعقيداً: استحضار روح الشخصية في عصر الصورة السائلة.
لفهم كيف نجح الفيلم في استقطاب الجيل الجديد من الشباب، أو كيف توجه إليهم على الأقل، وهو جيل في الأغلب لا تعني له السرديات القديمة شيئاً كبيرا، علينا أن نستعير نظارة فلسفية معاصرة جداً، وهي نظرية الميتاموديرنيزم، أو (ما بعد بعد الحداثة).
ولكن ما هي الميتاموديرنيزم ” ما بعد بعد الحداثة”؟
يمكن ان نطلق عليها (نظرية التأرجح) فهي تشبه البندول الذي يتأرجح باستمرار بين قطبين، ولكي نفهم طبيعة هذا التأرجح، علينا أن نعود إلى الماضي، وإلى الوراء أكثر؛ تحديداً إلى القرن العشرين لنفهم القطبين اللذين نتأرجح بينهما.
الماضي الأبعد أو الحداثة التي بدأت مع التطور الصناعي والنمو الحضري في المدن الكبرى، وتميزت بالمثالية والجدية المطلقة والإيمان بالرموز الكبرى.
والماضي القريب أو ما بعد الحداثة التي جاءت لاحقاً مع دخول التكنولوجيا واستقرار البنى التحتية في المجتمعات الغربية، لتشكك في كل شيء، وتميزت بالسخرية والعدمية وتفكيك الرموز، أي القول بأن (كل شيء مزيف ومصنوع).
ولتقريب الفكرة للقارئ بشكل ملموس، دعنا نأخذ شخصية تاريخية أيقونية مثل الأميرة ديانا ونرى كيف ستتناولها كل مدرسة سينمائية بشكل مختلف عن الآخر. في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الحداثة، سنرى الأميرة- القديسة؛ حيث يقدم الفيلم سردية كبرى وجادة، نراها كأميرة حقيقية ورمز للخير والعطاء. والهدف هو ترسيخ الأسطورة، حيث نخرج من الفيلم ونحن نؤمن بأنها ملاك لا يخطئ. وهذا يشبه تماماً مسلسل أم كلثوم القديم، حيث “الست” هي الهرم الرابع المعصوم من الخطأ.

أما في المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما بعد الحداثة، سنرى الصورة المفككة أو “السلعة”؛ حيث يشكك الفيلم في كل شيء، ويسخر من التقاليد الملكية الجامدة أو من تسليع هوليوود للمرأة. سيقول لنا الفيلم: انظروا، هذه البروتوكولات مجرد مسرحية سخيفة، أو هذه النجمة مجرد منتج بلاستيكي. والهدف هنا هو “المؤرخ الضد” الذي ينتقم من التاريخ ويفككه.
ونصل إلى المرحلة الثالثة، وهي الميتاموديرنيزم حيث نواجه الإنسان المتأرجح، وأفضل مثال على هذه المرحلة فيلم “سبنسر” عن الأميرة ديانا، أو فيلم “بلوند” عن مارلين مونرو، اللذين تناولا الشخصيات بأسلوب يشبه فيلم الست. حيث لا يهتم الفيلم بالتاريخ كما في الحداثة، ولا يهتم بالسخرية كما في ما بعد الحداثة، بل يهتم بالحالة الشعورية. نرى البطلة تعاني من الاضطراب النفسي والوحدة، ونرى التأرجح بوضوح؛ حيث تظهر وهي ترتدي أفخم الفساتين وفي اللحظة التالية تنهار نفسياً. و مرة نراها محاطة بالجماهير والمعجبين، ثم نجدها في المشهد التالي تشعر بوحدة قاتلة.
المؤرخ الانطباعي
وإذا كانت الحداثة قدمت لنا “المؤرخ الرسمي” الذي يكتب ملاحم الأبطال، وما بعد الحداثة قدمت لنا “المؤرخ الضد” الذي ينتقم من الملاحم و الأبطال بالسخرية منهم، فإن أحمد مراد السيناريست هنا يصلح أن نطلق عليه “المؤرخ الانطباعي”.
المؤرخ الانطباعي لا يعنيه التسلسل الزمني للأحداث، بقدر ما يعنيه الأثر الشعوري للحوادث. إنه يتعامل مع الذاكرة كما يتعامل رسامو الانطباعية مع الضوء. يلتقط لحظة “البولارويد” الخاطفة، نوبات الهلع، ونشوة المسرح الغامرة، دون أن يحاول ربطها في سياق سببي صارم. بالنسبة له، التاريخ ليس نهراً متصلاً من الحقائق، بل هو ومضات متقطعة من المشاعر.
من السردية الكبرى إلى الذاتية المفرطة، كان الجيل القديم يرى أم كلثوم جزءاً من مشروع قومي، أما الجيل الجديد فيفضل ان يتعلم ويشكل وعيه من خلال تجربة شعورية. الفيلم استوعب ذلك بذكاء؛ فلم نشاهد فيلماً عن تاريخ مصر السياسي، بل شاهدنا فيلماً عن فتاة ريفية طموحة تواجه العالم. انه ببساطة قصة نجاح. التركيز على الأنا لدى أم كلثوم، ورغبتها في النجاح الفردي، وتضحيتها بحياتها الشخصية في سبيل فنها، يمثل زاوية (ما بعد بعد حداثية) بامتياز، حيث يُقرأ التاريخ كحوادث منفصلة وليس كأحداث مترابطة.
التأرجح بين الأسطورة والهشاشة
في فيلم “الست”، نرى تطبيقاً حرفياً لمبدأ التأرجح. المشهد الواحد يحمل النقيضين: نراها تقف بشموخ مرعب على المسرح (لحظة حداثية مقدسة)، وفي اللقطة التالية نراها في الكواليس تعاني من نوبة هلع وتكاد تختنق من الوحدة (لحظة تفكيكية). هذا الجمع هو جوهر (الميتاموديرنيزم)؛ الفيلم لا يطلب من الجمهور تقديسها، ولا يطلب منهم احتقار ضعفها، بل يضعهم في مساحة التفهم. هذا الطرح يلمس وتراً حساساً لدى جيل الشباب الذي يهتم بفكرة الهشاشة والتواضع كعامل مهم في تكوين الجنس البشري.

وهنا تكمن أهمية استخدام مؤثرات “البولارويد” اللونية كمعادل للفلاش باك التقليدي بالأبيض والأسود. فالذاكرة البصرية لهذا الجيل لم تعد بالأبيض والأسود كما كانت عند أسلافهم؛ فعندما يفتح شاب من الجيل الحالي ألبومات عائلته القديمة ليرى صور والديه في شبابهم، هو لا يرى صورهم بالابيض والأسود، بل يراهم عبر ألوان البولارويد والكوداك: تلك الألوان الدافئة، المشبعة، والتي تشوبها بعض العيوب اللونية، فالجيل الجديد يرى الأبيض والأسود كمتحف للتاريخ يعود إلى زمن الأجداد، بينما يرى في ألوان البولارويد المشوشة والمشبعة ذاكرة حية تحاكي ذكريات والديه أيام الشباب. لقد استخدم الفيلم الألوان لرواية حوادث التاريخ، والأبيض والأسود لرواية الاحداث التاريخية.
البودكاست السينمائي وحفلة الجاز البصرية
وبما أننا نكتب نقدنا هذا مستعيرين نظارة ما بعد بعد الحداثة، فعلينا نحن أيضاً أن نمارس هذا التأرجح في حكمنا النهائي على العمل. فإذا كانت هذه النظرية تقوم على تفتيت السرديات الكبرى المتصلة إلى حوادث منفصلة وشعورية، فإن هذا يقودنا بالضرورة إلى استنتاج بنيوي جديد وشديد المعاصرة حول شكل الفيلم. إن ما صنعه مروان حامد قد لا يكون فيلماً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هو تجسيد بصري لما يمكن تســـــميته “البودكاست السينمائي”.
صُمم الفيلم ليكون أليفاً مع تشتت الانتباه؛ فلو شردت بذهنك قليلاً أو تفحصت هاتفك، لن يفوتك السياق، لأن السياق هنا هو “الحالة” وليس “الحبكة”. وبهذا المعنى، نحن لا نشاهد فيلماً بالمعنى التقليدي، بل نشاهد “محتوى” فاخراً؛ حيث يتحول الشريط السينمائي من سيمفونية متكاملة البناء، إلى “حفلة جاز بصرية” تعتمد على تجربة المشاهد الذاتية خلال المشاهدة.
وهكذا، يتركنا فيلم الست في أرجوحته، تماماً كطبيعة النظرية التي بُني عليها. فنحن نتأرجح بين القبول والرفض. إنها ذائقة جيل جديد لم يعد يستقبل الفن ككتلة واحدة صلبة، بل كموجات متقطعة نغرق في جمالياتها لحظة، ونطفو على سطح خفتها لحظة أخرى.
