كلاسيكيات السينما العربية: “أحلام المدينة”: دمشق من عين طفل
حسام علي العشي 1
لماذا «أحلام المدينة» اليوم؟
ليس من السهل استعادة فيلم «أحلام المدينة» (1984) للمخرج السوري محمد ملص بوصفه مجرد عمل ينتمي إلى الماضي فقط. فالفيلم، على الرغم من انغراسه الواضح في خمسينيات القرن العشرين، يظل عملًا حيًّا، مفتوحًا على الحاضر، وقادرًا على إثارة أسئلة تتجاوز حدود الزمان والمكان: كيف يُشكّل الفقد وغياب الأب تجربة الفرد الأولى مع المدينة؟ كيف تتحول الذاكرة الشخصية إلى أداة لفهم تاريخ جماعي غير مكتوب؟ وكيف تظل العلاقة بين الإنسان والمدينة، بين الحلم والواقع، موضوعًا مفتوحًا للتأمل النقدي والفلسفي؟
“أحلام المدينة” لا يقدّم حكاية بطولية، ولا يعتمد على أحداث استثنائية أو تصعيد درامي تقليدي. الفيلم يذهب إلى ما هو هامشي، إلى التفاصيل اليومية الصغيرة، إلى عين طفل يرى العالم لأول مرة ويصطدم به دون أن يمتلك لغة تفسيره. هنا، كل حركة في الشارع، كل نظرة من الكبار، وكل ضوء في الغرفة، تصبح مؤشراً على تجربة أوسع تتجاوز حدود الفرد. الطفل “ديب” ليس مجرد بطل فيلم، بل هو مرآة لصورة الإنسان في المدينة، تجربة أولية تتشكل فيها مفاهيم القوة والضعف، الحلم والفشل، الصمت والمقاومة. ومن هذا المنطلق، يظل الفيلم راهنًا، لأن المدن العربية اليوم ما تزال تقدم تحديات مشابهة، وما تزال العلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الإنسان والمكان، مليئة بالتوترات التي تكشف هشاشة الإنسان ومرونته في الوقت نفسه.
يمثل الفيلم، في سياق السينما السورية، أحد أبرز منجزات هذا الفن، ليس فقط لفرادته الجمالية، بل لأنه أسّس لما يمكن تسميته «سينما الذاكرة». هذه السينما لا تركز على الحكاية التقليدية، بل على كيفية إعادة بناء الزمن والتجربة الإنسانية، على الشكل الذي تتحرك فيه الذاكرة بين الماضي والحاضر، على الطريقة التي يشهد فيها الطفل على الحياة من موقع هشّ، وعلى الفجوات التي يتركها الغياب والغياب المؤثر للشخصيات المحورية. دمشق هنا ليست مجرد ديكور، ولا خلفية محايدة، بل كيان حيّ، صامت، يمارس سلطته على كل من يعيش فيه. الأزقة، البيوت، المدرسة، أماكن العمل، كلها تصبح شخصيات ضمنية تتحكم في تجربة الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه، كما لو أن المدينة نفسها معلم تعليمي صارم، يمتحن صبر الفرد وقدرته على التكيف منذ سن مبكرة.
راهنية «أحلام المدينة» اليوم تتجلّى أيضًا في قدرة الفيلم على فتح حوار مع التجارب المعاصرة: ما يزال الطفل أو المواطن في المدن العربية يواجه تحديات شبيهة، سواء عبر العشوائية، أو غياب العدالة، أو بسط السلطة على الحياة اليومية، أو حتى من خلال التجربة الفردية للحرمان والاغتراب. ما كان يبدو في ثمانينيات القرن الماضي تجربة طفولة محددة أصبح اليوم إطارًا لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية المعقدة، ولإدراك كيف يمكن للفقد، سواء كان شخصيًا أم جماعيًا، أن يعيد تشكيل الوعي والإدراك، وكيف يمكن للذاكرة الفردية أن تتحول إلى مرآة لفهم واقع اجتماعي أوسع.
من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى قراءة «أحلام المدينة» بوصفه فيلمًا عن تشكّل الوعي، وعن المدينة بوصفها قوة خفية، وعن السيرة الذاتية حين تتحول إلى خطاب سينمائي غير مباشر. الهدف ليس مجرد إعادة التذكير بما قام به محمد ملص في ثمانينيات القرن الماضي، بل استكشاف كيف يظل هذا العمل حاضرًا وفاعلًا، وكيف يمكن للسينما أن تكون أداة لفهم الواقع اليوم، فضلاً عن قدرتها على التأمل النقدي في الماضي. الفيلم يقدّم مثالاً على أن التفاصيل الصغيرة واليومي يمكن أن تكون أكثر صدقًا وتأثيرًا من الأحداث الكبرى، وأن الصمت، حين يُوظف بوعي، يكشف أبعادًا من الحقيقة تفوق أي خطاب مباشر أو شعارات عامة.
محمد ملص وسينما السيرة غير المباشرة

ينتمي محمد ملص إلى جيل من السينمائيين العرب الذين تعاملوا مع السينما بوصفها فعلًا ثقافيًا، لا مجرد أداة سرد. دراسته السينمائية، واطلاعه الواسع على السينما العالمية، جعلاه يميل إلى بناء لغة خاصة، قائمة على الاقتصاد، والتأمل، والابتعاد عن الخطابة. في «أحلام المدينة»، لا يقدّم ملص سيرته الذاتية بشكل مباشر، بل يعيد تفكيكها وإعادة تركيبها عبر وسيط سينمائي شديد الحساسية.
السيرة هنا ليست اعترافًا، ولا حنينًا صافياً إلى الطفولة، بل محاولة لفهم تلك الطفولة في سياق اجتماعي وسياسي أوسع. الطفل «ديب» لا يمثّل المخرج فقط، بل يمثّل جيلًا كاملًا وجد نفسه في مدينة أكبر من أحلامه، وأقسى من قدرته على الفهم. يتقاطع الخاص مع العام دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما يمنح الفيلم طابعه الإنساني العميق، ويحرّره من الوقوع في فخ النرجسية أو النوستالجيا السطحية.
من الحكاية إلى التجربة: سرد يومي يصنع المعنى
تدور أحداث «أحلام المدينة» حول الطفل «ديب» الذي يجد نفسه، إثر وفاة والده، مجبرًا على مغادرة الريف والانتقال مع والدته إلى دمشق. هذا الانتقال، في ظاهره، يبدو استجابة ضرورية لظرف قاسٍ، لكنه في عمقه يمثل لحظة اقتلاع وجودي، وانكسارًا أول للحلم. فالمدينة التي كانت تُرى من بعيد بوصفها وعدًا بالحياة والعمل والاستقرار، تنكشف منذ اللحظة الأولى كفضاء معقّد، قاسٍ، لا يرحّب بالغرباء، ولا يمنحهم سوى اختبارات متتالية.
لا يستقبل الفيلم هذا التحوّل بمشاهد درامية صاخبة، بل عبر تفاصيل صغيرة: نظرات الطفل، صمته، ارتباكه في الشارع، شعوره الدائم بأنه زائد عن الحاجة. المدينة لا تقول «لا» بشكل مباشر، لكنها تمارس إقصاءها بصمت. المدرسة، التي يُفترض أن تكون مساحة للتعلّم والحماية، تتحول إلى مكان للانضباط القاسي، ولترسيخ الفوارق الطبقية. العمل، الذي يُدفع إليه الطفل مبكرًا، لا يمنحه كرامة، بل يضعه في مواجهة مباشرة مع سلطة الكبار، ومع عالم لا يرى فيه سوى يدٍ عاملة رخيصة.
تتوالى الأحداث دون حبكة تقليدية: يوميات، مشاهد متفرقة، لحظات عابرة، لكنها تشكّل في مجموعها تجربة مكتملة. لا يوجد صعود درامي ولا ذروة واضحة، بل تراكم بطيء للإحساس بالضيق. هذا الاختيار السردي ليس عجزًا عن بناء قصة، بل موقف جمالي وفلسفي؛ إذ يبدو أن محمد ملص يرفض اختزال تجربة التكوّن الإنساني في حدث واحد، مفضّلًا تقديمها كمسار طويل من الاحتكاك اليومي بالعالم.

فلسفيًا، يمكن قراءة الفيلم بوصفه تأملًا في علاقة الإنسان بالمكان، وفي الكيفية التي تصنع بها المدينة ذواتنا دون أن نشعر. الطفل «ديب» لا يملك خطابًا، ولا يعلّق على ما يعيشه، لكنه يتلقى العالم بكامله عبر الجسد: التعب، الخوف، الإهانة، الصمت. هنا، تتحول الطفولة من مرحلة براءة إلى مرحلة وعي قسري، حيث لا يتشكّل الإدراك عبر الشرح، بل عبر التجربة المباشرة. المدينة لا تُعلِّم الطفل كيف يحلم، بل كيف ينجو.
السرد في «أحلام المدينة» أقرب إلى عمل الذاكرة منه إلى الحكاية الخطية. الأحداث لا تُروى لأنها مهمة بحد ذاتها، بل لأنها تركت أثرًا. الذاكرة لا تتذكر كل شيء، بل تختار ما كان موجعًا أو مفصليًا. بهذا المعنى، يصبح الفيلم فعل تذكّر، لا تسجيلًا تاريخيًا. إنه لا يسعى إلى إعادة بناء دمشق الخمسينيات بقدر ما يسعى إلى إعادة بناء الإحساس بها، كما عاشه طفل وحيد، محاط بعالم أكبر من قدرته على الفهم.
المشاهد، بدوره، لا يُمنح مسافة أمان. فغياب الشرح والتفسير يدفعه إلى المشاركة في ملء الفراغات، إلى تأويل الصمت، وإلى قراءة ما لا يُقال. وهنا تكمن قوة الفيلم: في تحويل السرد البسيط إلى تجربة وجودية، وفي جعل اليومي، والعادي، والهامشي، مادةً للتفكير في أسئلة كبرى: كيف نصبح ما نحن عليه؟ وكيف تصنعنا الأمكنة بقدر ما نصنعها؟
المدينة كشخصية سينمائية: الفضاء الذي يُعيد تشكيل الوعي
بعد أن يتحول السرد في «أحلام المدينة» من حكاية إلى تجربة، تصبح المدينة هي العنصر الأكثر حضورًا وتأثيرًا في تشكيل هذه التجربة. دمشق في فيلم محمد ملص لا تُقدَّم بوصفها مكانًا تُروى فيه الأحداث، بل بوصفها قوة صامتة تُنتج الأحداث وتمنحها معناها. إنها ليست خلفية محايدة، بل بنية وجودية تضغط على الشخصيات، وتعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالعالم. بهذا المعنى، تتحول المدينة إلى شخصية سينمائية كاملة، تمتلك إيقاعها، ومنطقها، وسلطتها الخاصة.

لا يسعى الفيلم إلى تقديم صورة جمالية للمدينة، ولا إلى فضح قبحها، بل يعرضها كما تُعاش يوميًا: فضاءً خانقًا، مجزأً، ومربكًا. الأزقة الضيقة، البيوت القديمة، الصفوف المدرسية، وأماكن العمل، كلها فضاءات مغلقة أو شبه مغلقة، تعكس إحساسًا دائمًا بالاختناق. الكاميرا لا ترتفع لتُظهر المدينة في كليتها، بل تظل قريبة من الأرض، من الجدران، من الأجساد، كما لو أن المدينة لا تُرى إلا من داخلها، ومن موقع الهشاشة. هذا الاختيار البصري ينسجم مع منظور الطفل «ديب»، الذي لا يمتلك بعدُ المسافة الكافية لفهم المدينة، بل يعيشها بوصفها سلسلة من العوائق والاختبارات.
من الناحية الأسلوبية، تعزز الكاميرا الثابتة واللقطات الطويلة هذا الإحساس بثقل المكان. فالمدينة لا تمرّ سريعًا في الصورة، بل تفرض زمنها الخاص على السرد، وعلى المتفرج معًا. الإيقاع البطيء لا يعمل هنا كزينة جمالية، بل كترجمة سينمائية لتجربة العيش داخل فضاء يستهلك الوقت والطاقة دون أن يمنح في المقابل وعدًا واضحًا بالخلاص. غالبًا ما يبدو الطفل صغيرًا داخل الكادر، محاصرًا بالفراغ أو بالجدران، في صورة بصرية تختزل العلاقة غير المتكافئة بين الفرد والمدينة.
، تمارس المدينة سلطتها دون الحاجة إلى مؤسسات واضحة أو خطابات مباشرة. السلطة تتجسد في المدرسة عبر الانضباط القاسي، وفي العمل عبر الاستغلال، وفي العلاقات اليومية عبر التراتبية الاجتماعية الصارمة. إنها سلطة موزّعة، غير مرئية، لكنها فعّالة. الطفل لا يواجه «عدوًا» محددًا، بل شبكة من القوانين والعادات التي تُقدَّم بوصفها طبيعية. وهنا تكمن قسوة المدينة: في قدرتها على تحويل القمع إلى اعتياد، والحرمان إلى جزء من الحياة اليومية.
يمكن النظر إلى المدينة في «أحلام المدينة» بوصفها فضاءً يُنتج الوعي بقدر ما يحدّه. فالطفل «ديب» لا يتعلم من المدينة كيف يحلم، بل كيف يتكيّف، وكيف يعيد تعريف أحلامه بما يتناسب مع شروطها الصارمة. الأحلام لا تتحطم دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، مع كل تجربة عمل، وكل إهانة صامتة، وكل شعور بالاغتراب. المدينة لا تقتل الحلم بشكل مباشر، لكنها تختبره باستمرار، وتعيد صياغته ضمن حدود الممكن.
بهذا التصور، يقدّم محمد ملص قراءة مركبة للمدينة العربية، قراءة ترفض الرومانسية التي تجعل المدينة فضاءً للخلاص، كما ترفض الإدانة المباشرة التي تختزلها في موقع القمع. المدينة في «أحلام المدينة» كائن صامت لكنه فاعل، لا يتآمر، لكنه لا يرحم، ولا يمكن فهم مسار الشخصيات، ولا تشكّل وعيها، إلا من خلال علاقتها المتوترة والدائمة مع هذا الفضاء الذي يصنعها بقدر ما يستنزفها.
الطفولة، الفقد، وتكوّن الوعي

يُعدّ الفقد في «أحلام المدينة» البنية العميقة التي يقوم عليها الفيلم، لا مجرد محرّك درامي للأحداث. فغياب الأب لا يُقدَّم بوصفه حادثة مأساوية عابرة، بل كفراغ تأسيسي يعيد تشكيل علاقة الطفل بالعالم من جذورها. الأب الغائب ليس شخصية نفتقد حضورها فقط، بل هو غياب للنظام، للحماية، وللمعنى. ومع هذا الغياب، يُلقى الطفل «ديب» مباشرة في مواجهة مدينة لا تمنحه الوقت الكافي للحزن، ولا تسمح له بترف الطفولة.
الأم، بوصفها الحضور البديل، تحاول أن تؤدي دور الحامي، لكنها نفسها محاصَرة بشروط المدينة. تبدو علاقتها بابنها قائمة على الخوف أكثر من الطمأنينة، وعلى القلق أكثر من الأمل. هي شخصية محبة، لكنها عاجزة، ويمثل عجزها امتدادًا لعجز الفرد داخل منظومة اجتماعية واقتصادية أقوى منه. بهذا المعنى، لا يُصوّر الفيلم الأم بوصفها مصدر خلاص، بل بوصفها شريكة في الهشاشة، وهو ما يضاعف شعور الطفل بالوحدة.
تُنتزع الطفولة من «ديب» عبر العمل المبكر، لا بوصفه ضرورة اقتصادية فحسب، بل كآلية اجتماعية لإدماج الفرد قسرًا في عالم الكبار. العمل لا يمنح الطفل كرامة ولا استقلالًا، بل يضعه في موقع التبعية والاستغلال. هنا، يتحول الجسد الطفولي إلى أداة إنتاج، ويُختزل وجوده في قدرته على الاحتمال. هذه التجربة لا تُقدَّم بخطاب أخلاقي مباشر، بل عبر تراكم مشاهد يومية تُظهر كيف يصبح القهر جزءًا من العادي والمألوف.
ومع ذلك، لا يقدّم محمد ملص الطفل بوصفه ضحية خالصة. فـ«ديب» ليس شخصية منفعلة بالكامل، بل شاهد صامت، يراقب العالم بعين مفتوحة على التناقضات. صمته ليس ضعفًا، بل شكل من أشكال المقاومة غير الواعية. إنه يسجّل، يتذكر، ويخزّن التجربة في ذاكرته، لتتحول لاحقًا إلى وعي. هذا الوعي لا يتشكّل عبر التعليم أو التوجيه، بل عبر الصدمة، والاحتكاك المباشر بالعنف الرمزي واليومي.

فلسفيًا، يطرح الفيلم تصورًا للطفولة بوصفها لحظة تأسيس للوعي لا لحظة براءة. الطفولة هنا ليست زمنًا خارج التاريخ، بل زمنًا مكثفًا للتاريخ الاجتماعي. الطفل لا يُحمى من العالم، بل يُدفع إليه بلا وسائط. ومن خلال هذا الدفع القسري، تتشكّل علاقة معقّدة مع السلطة، مع العمل، ومع المدينة نفسها. الوعي الذي يتكوّن ليس وعيًا نظريًا، بل وعي جسدي، شعوري، مشبع بالتجربة.
بهذا المعنى، تصبح الطفولة في «أحلام المدينة» مرآة لفهم الإنسان العربي في علاقته المبكرة بالقهر والاعتياد عليه. فالطفل الذي يتعلّم الصمت، ويتعلّم التكيّف، هو نفسه المواطن الذي سيتعايش لاحقًا مع شروط المدينة والسلطة. ومن هنا، لا يعود الفيلم حكاية شخصية، بل قراءة عميقة لكيفية إنتاج الوعي الاجتماعي منذ الطفولة.
اللغة السينمائية: الصورة، الإيقاع، الصمت
تتجلى قوة «أحلام المدينة» في لغته السينمائية التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومجرّدة، لكنها في العمق شديدة التركيب والدقة. محمد ملص لا يستخدم الكاميرا بوصفها أداة سرد فقط، بل بوصفها أداة تفكير. الصورة هنا لا تشرح، ولا تفسّر، بل تضع المشاهد داخل التجربة، وتفرض عليه الإيقاع النفسي ذاته الذي تعيشه الشخصيات.
تعتمد الكاميرا في معظم المشاهد على الثبات، أو على حركات بطيئة ومدروسة. هذا الاختيار لا يعكس نزعة جمالية مجردة، بل يترجم حالة السكون القسري التي يعيشها الطفل. الزمن لا يتسارع، والأحداث لا تتلاحق، بل تتكرر، كما تتكرر أيام العمل والمدرسة. الإيقاع البطيء لا يهدف إلى خلق ملل، بل إلى جعل المشاهد يشعر بثقل الزمن، وببطء العيش داخل مدينة لا تعد بالتغيير السريع.
الصمت يحتل موقعًا مركزيًا في الفيلم. الحوار قليل، وغالبًا ما يأتي مقتضبًا أو وظيفيًا. الشخصيات لا تعبّر كثيرًا بالكلام، بل بالنظرات، بالحركات، وبالانسحاب. الصمت هنا ليس فراغًا، بل لغة قائمة بذاتها. إنه صمت القهر، وصمت الاعتياد، وصمت من لا يملك حق الكلام. الطفل «ديب» لا يشرح ما يشعر به، لكن الكاميرا تلتقط ارتباكه، خوفه، وتردده، فتجعل الصمت أكثر بلاغة من أي حوار.
يُستخدم الضوء والظل بعناية كبيرة، حيث تهيمن الإضاءة الخافتة والفضاءات المغلقة. البيوت، الصفوف، أماكن العمل، كلها تبدو وكأنها تفتقر إلى الهواء. هذا الاختيار البصري يعزز الإحساس بالاختناق، ويجعل المدينة تبدو كامتداد داخلي للحالة النفسية للشخصيات. لا توجد موسيقى تصويرية مهيمنة، ولا محاولات لفرض انفعال معين على المتفرج. الموسيقى، حين تظهر، تكون خجولة، هامشية، كأنها صدى بعيد لحلم لم يكتمل.
هذه اللغة السينمائية ترفض الإبهار والتأثير المباشر. لا لقطات استعراضية، ولا ذروات ميلودرامية. بدلاً من ذلك، يعتمد الفيلم على تراكم الإحساس، وعلى بناء تجربة شعورية بطيئة. المشاهد لا يُقاد إلى نتيجة جاهزة، بل يُترك ليختبر الفيلم كما يُختبر الواقع: بالصبر، والانتباه، والتأمل.
بهذا الأسلوب، يضع محمد ملص نفسه في مواجهة مباشرة مع سينما السرد السريع والخطاب المباشر. «أحلام المدينة» يراهن على المتفرج، على قدرته على الإصغاء للصورة، وعلى تحمّل الصمت. وهي مراهنة نادرة في السينما العربية، لكنها ما تمنح الفيلم فرادته واستمراريته.
الزمن والذاكرة: بين الماضي والحاضر
“أحلام المدينة” هو في جوهره فيلم عن الذاكرة، لا بوصفها مخزنًا للماضي، بل بوصفها عملية إعادة بناء مستمرة. الزمن في الفيلم لا يسير بشكل خطي، ولا يُقدَّم على أنه تسلسل منطقي للأحداث، بل يتكشّف عبر مشاهد متقطعة، تشبه آلية عمل الذاكرة الإنسانية. ما نتذكره ليس كل ما حدث، بل ما ترك أثرًا.
لا يسعى محمد ملص إلى استعادة الماضي كما كان، بل كما يُعاد بناؤه في الوعي. لذلك، لا نجد تواريخ واضحة، ولا إشارات تاريخية مباشرة. الزمن التاريخي يذوب في الزمن الشعوري. خمسينيات دمشق لا تُستعاد كمرحلة سياسية، بل كتجربة معيشة، مليئة بالتوترات الصغيرة، والضغوط اليومية. هذا الاختيار يحرّر الفيلم من التوثيق، ويمنحه بعدًا إنسانيًا عامًا.
الذاكرة في الفيلم ليست حنينًا صافياً. لا توجد رغبة في تمجيد الماضي، ولا في البكاء عليه. على العكس، الذاكرة هنا مساحة للمساءلة. الطفل الذي عاش التجربة، والراوي الضمني الذي يستعيدها، يتقاطعان دون أن يلغيا بعضهما. هناك مسافة واضحة بين ما كان يُعاش، وما يُفهم لاحقًا. هذه المسافة هي ما يمنح الفيلم نضجه.
يمكن النظر إلى الزمن في «أحلام المدينة» بوصفه زمن التكوّن، لا زمن الحدث. ما يهم ليس ماذا حدث، بل كيف أثّر. الزمن لا يُقاس بالأيام والسنوات، بل بدرجة التحوّل الداخلي. كل تجربة صغيرة تُضيف طبقة جديدة إلى الوعي، وكل صدمة تُعيد ترتيب العلاقة مع العالم.
بالتالي، يصبح الفيلم فعل مصالحة مع الماضي، لا عبر نسيانه، ولا عبر تمجيده، بل عبر فهمه. الذاكرة لا تُستخدم للهروب من الحاضر، بل لفهمه. وهذا ما يجعل «أحلام المدينة» فيلمًا حيًا، قابلًا للمشاهدة في كل زمن، لأنه لا يقيّد نفسه بسياق تاريخي مغلق.
موقع الفيلم في السينما العربية: طريق ثالث خارج الاستقطاب
عند صدوره في منتصف الثمانينيات، جاء فيلم «أحلام المدينة» ليشكّل قطيعة هادئة، لكنها عميقة، مع السائد في السينما العربية آنذاك. ففي مرحلة كانت السينما العربية فيها منقسمة، في معظم تجلياتها، بين خطاب سياسي مباشر من جهة، وسينما تجارية قائمة على الميلودراما والنجومية من جهة أخرى، اختار محمد ملص أن يسلك طريقًا ثالثًا، أقل صخبًا، لكنه أكثر رسوخًا: سينما الذاكرة، والتجربة الفردية، والتفاصيل الصغيرة التي تُنتج معناها بصمت.
لم يكن «أحلام المدينة» فيلمًا سياسيًا بالمعنى الشائع، لكنه كان سياسيًا في اختياراته الجمالية. فبينما راهنت أفلام كثيرة في تلك المرحلة على الحدث الكبير، أو على الصراع الواضح، أو على الرسالة المباشرة، ذهب ملص إلى ما هو هامشي ويومي: طفل، مدينة، عمل، مدرسة، صمت. هذه العناصر، التي بدت للبعض آنذاك متقشفة أو حتى «فقيرة دراميًا»، شكّلت في الواقع موقفًا نقديًا من فكرة أن السياسة لا تُقال إلا عبر الخطاب. الفيلم يقترح أن التجربة المعيشة، حين تُقدَّم بصدق، قادرة على كشف بنى القمع والاغتراب أكثر مما تفعل الشعارات.
يتجاوز أثر «أحلام المدينة» حدود السينما السورية، ليحتل موقعًا خاصًا داخل مسار السينما العربية المؤلفة. فقد فتح أفقًا جديدًا للتعامل مع السيرة الذاتية، ليس بوصفها اعترافًا شخصيًا أو استعراضًا للذات، بل بوصفها مادة تحليل اجتماعي وتاريخي. السيرة هنا تُروى من الأسفل، من موقع الطفل، ومن زاوية الهامش، وهو ما منح الفيلم طابعًا إنسانيًا عامًا، وجعله قابلًا للتلقي في سياقات عربية مختلفة.
يمكن وضع الفيلم في حوار غير مباشر مع بعض تجارب السينما العربية التي اشتغلت، في الفترة نفسها أو بعدها بقليل، على الذاكرة والذات. فهناك تقاطعات واضحة مع أعمال يوسف شاهين المتأخرة، خصوصًا في اشتغاله على السيرة الشخصية والذاكرة بوصفهما مدخلًا لفهم التحولات الكبرى، لكن دون الخطاب العالي أو النزعة الاستعراضية. كما يمكن مقارنته بتجربة الطيب في تونس، التي جعلت من المكان والطفولة أداة لقراءة المجتمع، مع فارق أن سينما ملص أكثر تقشفًا، وأقل ميلًا إلى الرمز المباشر.

ومع ذلك، يحتفظ «أحلام المدينة» بخصوصيته الواضحة داخل هذا السياق. فالفيلم لا يسعى إلى التنظير، ولا إلى بناء استعارات كبرى، بل يلتزم بتجربة محددة، ويترك لها أن تتكلم بنفسها. هذه الخصوصية نابعة من التزام جمالي صارم: اقتصاد في الحوار، إيقاع بطيء، ثقة في الصورة، واحترام لذكاء المتفرج. وهي عناصر لم تكن سائدة في السينما العربية، التي اعتادت غالبًا على شرح نفسها، وعلى توجيه المتلقي.
الأثر الذي تركه الفيلم يتجلى في إلهامه لجيل لاحق من السينمائيين العرب، الذين بدأوا الاشتغال على اليومي، وعلى التفاصيل الصغيرة، وعلى الشخصيات الهامشية. «أحلام المدينة» أثبت أن السينما لا تحتاج إلى أحداث كبرى لتكون سياسية، وأن الصمت، حين يُوظَّف بوعي، يمكن أن يكون أكثر بلاغة من الخطاب المباشر. لقد أعاد الفيلم تعريف العلاقة بين السينما والواقع، ليس بوصفها علاقة تمثيل أو تفسير، بل بوصفها علاقة تجربة وتأمل.
بهذا المعنى، لا يحتل «أحلام المدينة» موقعه في السينما العربية لأنه كان مختلفًا فقط، بل لأنه كان صادقًا في اختلافه. فيلم اختار أن ينصت بدل أن يصرخ، وأن يراقب بدل أن يحاكم، فبقي حيًا، وقادرًا على مخاطبة أزمنة لاحقة لم يعد الخطاب المباشر قادرًا على فهمها.
خاتمة: من الأحلام إلى الكوابيس
بعد أكثر من أربعة عقود على إنجاز «أحلام المدينة»، يظل الفيلم حاضرًا في الذاكرة السينمائية العربية بوصفه تجربة لا تُنسى، ليس لأنه يتنبأ بالمستقبل، بل لأنه يفهم الماضي بعمق، ويكشف عن آليات إنتاج الوعي الإنساني داخل المدينة. دمشق التي صوّرها محمد ملص لم تكن مجرد فضاء جغرافي أو خلفية للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها، تمارس تأثيرها بصمت على كل خطوة، كل نظرة، وكل حركة للطفل «ديب». هذا الفضاء لم يكن صديقًا للطفولة، بل اختبارًا دائمًا، يضع الفرد أمام شروط قاسية ويكشف هشاشة أحلامه.
إعادة النظر في الفيلم اليوم تفرض علينا إدراك أن هذه المدينة التي شاهدها الملص في ثمانينيات القرن العشرين لم تعد مجرد مساحة للتجربة الفردية، بل تحوّلت، في الواقع الاجتماعي والسياسي، إلى فضاء يمثّل، للأسف، كوابيس متكررة. الأحلام التي حملها الطفل، والصور البسيطة ليومياته، أصبحت، بفعل الاستبداد والعشوائيات، وبسطوة القرارات العشوائية للسلطة، وكأنها تعيش انكسارًا جماعيًا. المدينة التي كان يفترض أن تمنح الفرص، أو على الأقل تشارك الفرد معايشة واقعه، أصبحت في تجارب لاحقة رمزًا للضغط المستمر، للتهميش، وللخوف اليومي.
الكوابيس التي يحاكيها الواقع السياسي والاجتماعي تعكس بشكل مؤلم الانفصال بين الحلم والواقع. فالحياة اليومية، التي قد تبدو في الفيلم بسيطة ومحدودة، أصبحت اليوم مساحة من الصراع مع سلطة لا تُحترم فيها الحقوق، ومع تنظيمات عشوائية تستبد بالحيز العام، ومع انعدام الكيانات المؤسساتية التي تضمن للأفراد حدًا من الأمان أو العدالة. المدينة التي كانت صامتة، لكنها فاعلة، تحوّلت إلى كيان مستبد ومتحكم، يضغط ليس على الطفل وحده، بل على المجتمع بأسره، في تكرار مؤلم لتجربة «ديب» بشكل موسع ومؤسّسي.
في هذا السياق، يكتسب فيلم محمد ملص بعدًا سياسيًا لم يكن ظاهرًا عند صدوره، لكنه يصبح واضحًا اليوم. الصمت الذي استخدمه الطفل في الفيلم، والصمت الذي وظفته الكاميرا، لم يكن مجرد خيار جمالي، بل تحذير ضمني عن هشاشة الإنسان أمام قوى أكبر منه، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، أو سياسية. ويبدو أن الفيلم قد تحوّل إلى مرجع لفهم كيف يمكن للسلطة والكتاتورية، ومع غياب العدالة، أن تصنع كوابيس من المدن، وأن تحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من القيود والاختبارات القسرية، كما حدث مع الطفل “ديب”.
مع مرور الزمن، يبقى «أحلام المدينة» شاهدًا حيًا على قدرة السينما على توثيق التجربة الإنسانية بصدق وعمق، بعيدًا عن الخطاب المباشر، وقريبًا من الإنسان ذاته. الفيلم يعلّمنا أن المدينة ليست مجرد مبانٍ أو شوارع، بل هي منظومة علاقات، هي بنية تؤثر على الوعي، على الحلم، وعلى الصمت. وفي ضوء الواقع الحالي، يصبح هذا الدرس أكثر وضوحًا: كلما تغلّبت السلطة والكتاتورية على فضاء الحياة، تحوّل الحلم إلى كابوس، وتصبح المدينة أداة ضغط مستمرة على الفرد، تمامًا كما اختبره الطفل «ديب»، ولكن على نطاق جماعي واسع.
في النهاية، يبقى الفيلم أداة للتأمل والمساءلة، ليس فقط عن ماضٍ مضى، بل عن حاضر مستمر ومستقبل محتمل. يحثنا على التفكير في العلاقة بين الإنسان والمدينة، بين الحلم والواقع، وبين الفرد والسلطة. «أحلام المدينة» لم يكن مجرد فيلم عن طفولة ضائعة أو مدينة قاسية، بل أصبح، مع مرور الزمن، مرجعًا نقديًا لفهم كيف يمكن للسلطة أن تفسد الحياة اليومية، وكيف يمكن للمدينة، التي تمنح الحياة، أن تتحول إلى كوابيس، إذا غابت العدالة وامتدت يد السيطرة بلا ضابط أو رادع.
1 ناقد ومخرج سينمائي من تونس
