كاميرا “هيني سرور” تعيد للنساء اعتبارهن
منية كواش
يبدو أن تجربة المخرجة السنيمائية اللبنانية النسوية هيني سرور لا تزال تستدعي الاهتمام، فها قد تم تكريمها واستضافتها في مهرجان فيلم المرأة “بعيونهن” في تونس من 3 إلى 7 أكتوبر 2026، لتجد نفسها من جديد في الواجهة، بالرغم من انقضاء أكثر من نصف قرن على مغامرتها السينمائية الأولى، باعتبارها واحدة من المخرجات العربيات اللواتي ما زالت أسئلتهن حول المرأة والحرية والتاريخ والمقاومة قادرة على محاورة الحاضر ومساءلة التاريخ.
دخلت هيني سرور تاريخ السينما العربية من بوابة مهرجان كان فقد شاركت سنة 1974 بفيلمها ” ساعة التحرير دقّت” لكنّ ما يميزها أكثر ويبرز هويتها هو فكرها التقدمي ورؤيتها النسوية التحررية ونضالها من أجل العدالة والحرية.
لقد تداخلت لديها القضايا النسوية مع قضايا التحرر الاجتماعي ومقاومة الاستعمار من أجل ارجاع الحق الى أصحابه فأبرزت في أفلامها نضال النساء وذاكرتهن المغيّبة، وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ظلت صاحبة «ساعة التحرير دقت» و«ليلى والذئاب» تنظر إلى السينما باعتبارها وسيلة لمساءلة التاريخ وكشف ما حجبه السرد الرسمي من حقائق عن النساء وعن دورهن في التحولات السياسية والاجتماعية.
من بيروت إلى السوربون
ولدت هيني سرور في بيروت سنة 1945، ودرست علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، كما عملت في الصحافة والتدريس خلال سنوات دراستها. ثم انتقلت إلى فرنسا لدراسة الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة السوربون، حيث تتلمذت على عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا “مكسيم رودنسون”، وفي فرنسا اقتربت أكثر من السينما الواقعية، وخصوصا بمتابعتها لتجربة المخرج وعالم الاثنوغرافيا الفرنسي “جان روش” فتعلمت منه مبادئ سنيما الحقيقة والتقاط اللحظة الحية، بالنزول الى الميدان لتوثيق الواقع كما هو دون تزيينه أو تحريفه مما دفعها للتنقل الى صحراء وجبال منطقة ظفار لتعيش مع الثوار وتوثق حضور النساء ومشاركتهن في معارك التحرير بالصوت والصورة.
لم تكن السينما بالنسبة إلى هيني سرور خيارا مهنيا منفصلا عن تجربتها الشخصية النسوية والفكرية، فقد انشغلت بقضايا النساء في سن مبكرة وأسست وهي في السابعة عشر من عمرها مجموعة نسوية في لبنان، في وقت كانت فيه مشاركة المرأة العربية في النقاش العام والسياسي ما تزال محكومة بقيود اجتماعية وثقافية قوية، فقد صرّحت هيني سرور في مناسبات عديدة أنها اضطرت إلى خوض معارك شخصية من أجل مواصلة تعليمها ومن أجل تجنّب زواج مرتّب، جعل تجربتها الحياتية تترك بصمتها على نظرتها اللاحقة عن استقلالية المرأة.
نساء عربيات حملن السلاح وحاربن

كان فيلمها «ساعة التحرير دقت» (1974) نقطة تحول حاسمة في مسيرتها وهو فيلم عن ثورة ظفار في سلطنة عُمان، ركزت خلاله وبصورة خاصة على حضور النساء ومشاركتهن في حركة المقاومة وفي التحولات الاجتماعية فصورتهن وهن سافرات دون نقاب أو حجاب، يحملن السلاح و يخضن المعارك وبينت أن مشاركاتهن كانت بنفس حجم مشاركة الرجل.
وللوصول اليهن خاضت هيني سرور وطاقمها رحلة شاقة عبر الصحراء والجبال، امتدت مئات الكيلومترات تحت ظروف أمنية بالغة الخطورة وقضت حسب ما صرّحت به ثلاثة أشهر من السياحة الثورية، تعرضت خلالها الى الجوع وامتلكها الخوف الشديد. ورغم معاناتها، لقي مشروعها الاستخفاف والرفض واتهمت بالجنون والكذب.
أعجبت هيني سرور بتحركات جبهة التحرير ورأت أنها تجربة ديموقراطية ونسوية وعلمانية غير مسبوقة، لم يعشها العالم العربي من قبل فقد مارست هذه الجبهة التمييز الإيجابي لصالح النساء كما كانت تناضل من أجل مقاومة استعمار داخلي وآخر خارجي لاعتقادها بأن التحرر من الاستعمار الخارجي لا يتم الا بالتحرر من الاستعمار الداخلي وبالتمرد على السائد ومحاربة الفقر والجهل والأمية.
هذا وقد تم اختيار فيلمها” دقت ساعة التحرير” للمشاركة في مهرجان“كان“، فأصبحت هيني سرور أول مخرجة عربية يعرض فيلمها في هذا المهرجان العريق، وقد أكّد أرشيف المهرجان حضور الفيلم ضمن المسابقة الرسمية سنة 1974.

لم يكن وصولها إلى مهرجان“كان” السينمائي مجرد إنجاز شخصي، بل حمل معه رؤية جديدة عن المرأة العربية، وكسّرت من خلاله النمطية التي تحصر سنيما النضال والتحرير في أعمال المخرج دون المخرجة.
عبرت هيني سرور في أفلامها عن رؤيتها الخاصة وعن نظرتها للمرأة فهي لم تصور النساء على أنهن ضحايا أو شخصيات هامشية، لا أدوار لهن، بل أبرزت مشاركاتهن في العمل السياسي وفي المقاومة المسلحة وفي إعادة بناء المجتمع. فعرضت في أفلامها، شهادات حية عن نضال النساء وأنتجت سنيما نسوية عربية تقاوم وتناضل من أجل التحرر والحريات.
لذلك واجه فيلمها “دقت ساعة التحرير” المنع في عدد من الدول العربية بسبب جرأته وكشفه لحقائق مخفية، تحمل مضامينا نسوية وسياسية. فقد وجدت هيني سرور نفسها في مواجهة سلطة ذكورية وسياسية واجتماعية، يستفزها استقلال المرأة، ولا تقبل بها شريكة وندا وتخشى الخطاب الثوري فهما يمسان من مصلحتها، لذلك حاربتها كل القوى وجاءت ضدّ فيلمها بما فيها بعض التيارات اليسارية، مكذّبين ما روته من شهادات حية عن نضال النساء في معارك التحرير فاتهموها بالمبالغة في إبراز المسألة النسوية.
“ليلى والذئاب”.. استعادة التاريخ من ذاكرة النساء
بعد عشر سنوات تقريبا، عادت هيني سرور إلى السينما بعمل أكثر طموحا فقد أنجزت سنة 1984 فيلمها “ليلى والذئاب”. فبعد أن وثقت في فيلمها الأول “ساعة التحرير دقّت” حضور النساء في المعارك ومقاومتهن للاستعمار الداخلي والخارجي، خطت أشواطا أبعد في مساءلة التاريخ، في فيلمها “ليلى والذئاب من خلال قصص روتها النساء عن ذاكرتهن العربية، واستعادت في فيلمها عقودا من التاريخ اللبناني والفلسطيني، كاشفة عن أدوار نسائية تمّ تجاهلها ومحوها من الروايات السياسية والاجتماعية السائدة. فأعادت هيني اليهن الاعتبار ووثقت مشاركتهن في معارك التحرير، مازجة بين الوثائقي والفانتازيا والعادات ومجريات الحياة اليومية لتكشف بها عن الذاكرة الجماعية النسائية العربية.
كما صورت هيني في فيلم “ليلى والذئاب” نساء منقّبات، يلبسن جلابيبا سوداء ويجلسن على شاطئ البحر ما يعدّ غريبا عن واقع النساء في لبنان في تلك الفترة، مبرزة بهذا المشهد نظرتها الاستشرافية وقراءتها لتحولات المجتمع اللبناني قبل حدوثها.
وكانت الحرب الأهلية اللبنانية حاضرة أيضا أثناء إنتاج فيلم” ليلى والذئاب، فقد تم التصوير في لبنان وسوريا وبريطانيا، وفي مواقع كانت الحرب لا تزال قائمة فيها وقد روت هيني سرور أن فريق العمل تعرض أكثر من مرة لخطر القنص والموت، وأنها اضطرت لتصوير المشهد الختامي في أسواق بيروت المدمرة وفي ظروف بالغة الخطورة.
وتكمن أهمية فيلم ليلى والذئاب” اضافة الى صعوبة إنتاجه في زاويته ونظرته المختلفة عن التاريخ. فالمرأة عند هيني سرور ليست مجرد موضوعا للسينما، وإنما هي أيضا صاحبة ذاكرة وشريكة في صناعة التاريخ. وفي تصريح لها بمناسبة الذكرى الأربعين للفيلم، قالت هيني سرور، أن النساء يشاركن دوما في اللحظات التاريخية الحاسمة، لكن سرعان ما يتم تغييبهن بعد انتهاء مشاركتهن فيضطررن للعودة إلى أدوارهن التقليدية، دون اعتراف أو تثمين لأدوارهن ومشاركاتهن.
وترى هيني سرور أن النساء مع بداية العصر الحديث، أصبحن أكثر وعيا وفرضن وجودهن ورفضن أن يكنّ مجرد أدوات تستخدمها المشاريع السياسية ثم تستغني عنها متى انتهت الحاجة اليهن لذلك تنصحهن بألّا يفرطن في حقوقهن وألّا يقايضن من أجلها.
ضد “حصر” المرأة في قضاياها
عرفت هيني سرور بفكرها التقدمي وبرؤيتها النسوية العميقة فهي لا تنظر لقضايا المرأة بصفة منفردة ومنعزلة عن قضايا السياسة والتاريخ، ولا تختزل قضايا السينما النسوية في قضايا الأسرة أو العلاقات الشخصية فالنساء بالنسبة لها طرف، فاعل، وندّ للرجل، قادرات على لعب كل الأدوار بالكامل وعلى المشاركة في الحياة العامة وفي قضايا التحرر وبناء الوطن وفي الاقتصاد والسياسة وهي متأكدة من كفاءاتهن فقد خبرتهن ووثّقت حضورهن في المعارك وفي الثورات وفي قضايا تقرير المصير وضد كل أشكال الاستعمار الداخلي والخارجي من أجل الحرية والعدالة بحمل السلاح والتوعية والتربية والتعليم والعمل.
وبالرغم من اقتحامها مجال السنيما في عهد كانت فيه البيئة الفنية محافظة جدا وتحكمها منظومة أبوية، تجرأت هيني وطالبت من المخرجات أن يصنعن أفلاما عن النساء من أجل النساء فصدمت الوعي السائد بأفكارها التقدميّة.

وقد تجسد موقفها في بيان، صاغته سنة 1978 بالاشتراك مع المخرجة التونسية سلمى بكار والباحثة المصرية ماجدة واصف حول التعبير الذاتي للمرأة العربية في السينما. وأسست معهن صندوقا لدعم المخرجات العربيات ومساعدتهن على التعبير عن أفكارهن الذاتية.
الأغاني الشعبية تعكس نضال النساء
ومن الخصائص اللافتة في سينما هيني سرور اعتمادها على الأغنية والتراث الشفاهي. فهي ترى في الغناء وثيقة شفاهية، تعيد الاعتبار للنساء المهمشات والمغيبات من السرديات التاريخية الرسمية فالأغاني في ” ساعة التحرير دقّت عكست تحرر المرأة وفي “ليلى والذئاب” اعتمدت هيني على الأغنية لاستعادة الذاكرة الجماعية النسائية العربية بترديد الألحان الشعبية في سياقات مختلفة، تربط بين أحداث متباعدة زمنيا. وجعلت من الغناء أداة سياسية وثورية واجتماعية لحشد الهمم وبث الحماس ورفع الوعي.
وتفسر سرور اعتمادها على الأغاني التراثية في أفلامها بأنها وسيلة إعلام بديلة للفئات المحرومة، قادرة على منح الذاكرة الجماعية صوتا ووجودا. وبهذا الاختيار كشفت عن تصورها للسينما باعتبارها مزيجا بين الصورة والصوت والذاكرة الشعبية، تنقل الوقائع بصدق وأمانة لا مجرد رواية تقليدية للأحداث.
الغناء والسنيما فعلين مقاومة
لم تقتصر تجربة هيني سرو عن متابعة القضايا الكبرى كفلسطين ولبنان. بل أنجزت أيضا سنة 1991 فيلما عن “الشيخ المغني”، وهو فيلم قصير عن الفنان المصري الضرير الشيخ إمام عيسى بصفته ظاهرة غنائية ثورية في العالم العربي، مبرزة كيف أصبحت أغانيه سلاحا لمواجهة أنظمة القمع الأبوي فالفن عندها لا ينفصل عما يحدث في الشارع، لذلك التقت اختياراتها السنيمائية باختياراته الغنائية واهتمت بأغانيه السياسية لارتباطها بالاحتجاج والنقد الاجتماعي ومعارضة السلطة. وقد اكتسب الفيلم أهمية خاصة ورواجا اذ كانت هيني سرور من القلائل الذين تمكنوا من تصوير الشيخ إمام في محيطه الشخصي وصوروا مشاهد عن حياته.
وفي منتصف التسعينيات عادت سرور إلى قضايا النساء ومشاركتهن في الحروب من خلال “Vietnam”، فصورت تجارب نساء فيتناميات شاركن في الحرب وقاومن الاستعمار، ثم واجهن بعد الحرب التحديات الاجتماعية الثقيلة المرتبطة بإرث الطاعة المفروضة والتهميش. كما أنجزت أعمالا وثائقية أخرى مثل “عيون القلب” و”إضراب النساء العالمي 2000″.
ما يجعلنا نستخلص من أفلامها التي لا تخفي وحدة مشروعها القائم على دور المرأة وتواجدها على جميع الأصعدة وفي كل الجبهات فقد صورت في أفلامها تواجد النساء في قلب الحدث وفي الصفوف الأولى، وهن يواجهن الاستعمار ويحاربنه، مبيّنة تنكر السلطة الأبوية الذكورية لهن وعدم اعترافها بأدوارهن وابعادهن بعد انتهاء الحاجة إليهن. فكشفت من خلال نوعية أفلامها واعتمادها على السينما كأداة فاعلة، عن حقائق تاريخية طمسها الرجال لأنها تظهر مشاركتهن الحاسمة في معارك التحرير.

أفلام قليلة.. وأثر نوعي.
قد تبدو حصيلة هيني سرور السينمائية محدودة قياسا الى طول مسيرتها، لكن قلة الأفلام لا تعني محدودية المشروع. فقد استغرق منها فيلم “ساعة التحرير دقت” سنوات طويلة من العمل، وسنوات أخرى لترميمه وصيانته كما احتاج إنجاز فيلم “ليلى والذئاب” سنوات عديدة بسبب صعوبات التمويل والإنتاج والحرب.
كشفت مسيرة هيني سرور أيضا عن مشكلة عميقة تتعلق بإنتاج السينما العربية المستقلة، وخاصة السينما التي تتقاطع فيها السياسة والنسوية. وقد تحدثت سرور في مقابلاتها عن الصعوبات المالية وعن اضطرارها إلى البحث المستمر عن التمويل، فلم يعترف جيلها بقيمة أعمالها ولم يثمّن جهودها فعانت من الرفض وعدم الانصاف ورغم ذلك لم تتوقف عن البحث عن ممول، متمسكة برؤيتها الفنية والسياسية.
ومن الملفت للانتباه أن أفلامها عادت في السنوات الأخيرة إلى واجهة المشهد السينمائي الدولي من خلال عمليات ترميم وعروض جديدة، لما وثقته من حقائق وما كانت سباقة اليه لذلك أعيد ترميم «ليلى والذئاب»، كما أعيد تقديم «ساعة التحرير دقت» في عروض وبرامج سينمائية دولية، مما أتاح لجمهور جديد اكتشاف تجربة هذه المخرجة السنيمائية النسوية، التي سبقت عصرها بفكرها التقدمي وبتحدّيها للسائد في قطاع السنيما وفي المجتمع فقد ناضلت بأفلامها من أجل العدالة ولإرجاع الحق الى أصحابه بإظهار الحقائق وتوثيق الشهادات الحية فأعادت كتابة التاريخ من منظور واقعي حقيقي يرد الاعتبار للنساء ويخدم القضايا العدالة.
استعادة الذاكرة النسوية العربية
تبدو هيني سرور اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إسما بارزا في تاريخ السينما العربية، فقد كانت شاهدة على مرحلة سنيمائية عربية صعبة، واجهت فيها المخرجات صعوبات جمّة وكن مطالبات بخوض مسار طويل من البحث والتفاوض والمجازفة والنضال لإنتاج أفلامهن.
لقد اختارت هيني سرور أن تغامر من أجل عملها السنيمائي ومن أجل مبادئها النسوية وايمانها بالقضايا العادلة فجازفت ودخلت مناطق الصراع وقضّت بها فترة زمنية لتوثق الحقيقة وتعاين الأدوار التي لعبتها النساء وتم طمسها ولم يذكرها التاريخ. فذهبت اليهن وصورتهن وهن يناضلن ويحملن السلاح ويساهمن في معركة التحرير من الاستعمار الداخلي والخارجي معا.
ومن “ساعة التحرير دقت” إلى “يلى والذئاب” ونساء فيتنام، وكذلك فيلمها عن الشيخ إمام حافظت هيني سرور عن هويتها وطرحت السؤال نفسه بأشكال مختلفة: من يكتب التاريخ؟ ومن يملك حق الظهور فيه؟ ومن يقرر ما الذي يستحق أن تحفظه الذاكرة؟ لتبرز بذلك أن من كتب التاريخ العربي هم غالبا من الرجال لذلك نسبوا انتصاراتهم لأنفسهم وغيبوا المرأة وطمسوا دورها.
هيني سرور لا تحرر للوطن دون حرية المرأة
تكمن قوة هيني سرور الأساسية في عدم فصلها بين الفن والمواقف العامة. فهي لا تقدم السينما بوصفها خطابا فنيا محضا بل ترى أنها أداة للبحث والاحتجاج وإعادة النظر في الروايات الجاهزة، ما ميزها وجعل حضورها مؤثرا كلما عادت أفلامها إلى الشاشات، ليكتشف المتفرج أفكارها المعاصرة واستشرافها لما يعيشه العالم العربي في الوقت الراهن فلم يضع الزمن حدا لأسئلتها، فمنحها جمهورا جديدا قادرا على اكتشافها من جديد.
تعاملت هيني سرور من خلال أعمالها: “ساعة التحرير دقت” إلى “ليلى والذئاب”، مع الكاميرا باعتبارها وسيلة للذهاب إلى قلب الحدث لتوثق التجربة الإنسانية. لذلك كانت عودتها إلى المشهد السينمائي العربي، من بوابة تونس ومهرجان فيلم المرأة “عيونهن”، مناسبة لاستعادة واحدة من التجارب التي أثبتت مبكراً أن السينما النسائية العربية ليست جنساً سينمائياً منفصلاً، وإنما هي تجربة سينمائية نسوية وسياسية وتاريخية وفنية، أساسها ولبّها السؤال عن المرأة كمدخل إلى أسئلة المجتمع بأسره.
بتكريم هيني سرور، لا يحتفي مهرجان فيلم المرأة “بعيونهن” بمخرجة عربية رائدة فحسب، بل يستعيد جزءاً من ذاكرة السينما العربية نفسها؛ ذاكرة امرأة اختارت، منذ البداية، أن تحمل الكاميرا إلى الأماكن الصعبة، وأن تضع النساء في قلب الصورة، وأن تسأل من يكتب التاريخ، ومن يملك حق روايته. وأن تظهر الحقائق المطموسة عن نضال النساء ودورهن في معارك التحرير.
