فيلم “3000” ليلة: من الكهف إلى الوعي

في فيلم “3000 ليلة” (2015)، للمخرجة مي مصري لا يظهر السجن فقط كمكان مغلق أو كخلفية للأحداث، بل كحالة تفرض على الشخصيات وتؤثر في طرقة تفكيرها وتعاملها مع الواقع. وهذا ما دفعني إلى محاولة قراءة الفيلم من زاوية فلسفيةـ وتحديدا من خلال أفكار أفلاطون ولا سيما أسطورة الكهف التي تطرح سؤال الحقيقة والتحرر بطريقة تتقاطع مع ما يقدمه الفيلم بصريا وإنسانيا.

يروي الفيلم حكاية أسيرة فلسطينية تعتقل ظلما وتكتشف داخل السجن أنها حامل ثم تنجب طفلها خلف الجدران. هذا التلخيص السريع للأحداث، لا يشكل جوهر الفيلم بقدر ما يشكل مدخلا لفهم زاوية النظر التي تعتمدها المخرجة مي مصري، فالفيلم لا يراهن على تطور الحبكة أو تصاعد الصراعـ بل ينطلق من اعتبار المشاهد شريكا واعيا قادرا على التقاط المعنى من خلال البناء البصري والإيقاع الهادئ.

في أسطورة الكهف يصف أفلاطون مجموعة من البشر المقيدين داخل الكهف لا يرون سوى ظلال تنعكس على الجدارـ بل يمتد إلى الوعي نفسه حيث يصبح الوهم واقعيا مقبولاـ وعند إسقاط هذا التصور على 3000 ليلة يمكن النظر إلى السجن بوصفه كهفا حديثاـ لا يعزل الشخصيات مكانيا فقطـ بل يفرض عليها نمطا من العيش والتفكير قائما على التكرار والتكيف.

الحياة داخل السجن في الفيلم تسير وفق روتين يومي شبه ثابت ما يجعل الزمن يبدو متشابها ومفرغا من أي تطور حقيقي. هذا الإحساس بالزمن الدائري يذكر بزمن الكهف حيث لا يوجد تغيير يذكرـ بل تكرار ينتج نوعا من الاعتياد على القيد ومع مرور الوقت يصبح هذا الواقع وكأنه الحالة الطبيعية الوحيدة الممكنةـ وهو ما يجعل الخروج عنه صعبا نفسيا قبل أن يكون صعبا جسديا.

يرتبط هذا الوضع بثنائية الجسد والنفس في فلسفة أفلاطون حيث ينظر إلى الجسد على أنه قيد يمكن أن يحد من تحرر النفسـ في الفيلم يظهر الجسد الأنثوي في البداية خاضعا لمنطق السجنـ الحركة محدودةـ الخصوصية غائبة والعلاقة مع المكان قسريةـ لكن هذا الجسد لا يبقى في حالة خضوع ثابتةـ بل يبدأ بالتغير مع تطور التجربة داخل السجن.

ومن جهة أخرى يشكل الحمل نقطة تحول واضحة في مسار الفيلمـ فوسط زمن جامد ومغلق يفرض الحمل مسارا مختلفا لا يمكن للسلطة التحكم به من هناـ لا يبدو الحمل مجرد حدث عاديـ بل بداية وعي جديد بالعلاقة مع الجسد والزمنـ حيث يمكن النظر إلى هذه اللحظةـ من منظور أفلاطونيـ باعتبارها بداية التشكيك في حقيقة الواقع المفروض تماما كما يبدأ أحد أسرى الكهف بالتساؤل حول الظلال التي اعتاد رؤيتها.

أما الولادة داخل السجن تقدم بهدوء واضح دون مبالغة عاطفية أو محاولة لصناعة مشهد انتصاريـ هذا الخيار يجعل الحدث أكثر واقعيةـ ويمنحه دلالة أعمقـ إذ تتحول الأمومة إلى تجربة داخل القيد لا خارجهـ هنا لا يكون التحرر جسدياـ بل معرفيا ونفسياـ وهو ما ينسجم مع التصور الأفلاطوني الذي يرى أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل.

أما على المستوى البصري، فالفيلم يعتمد على إضاءة خافتة وكادرات ضيقةـ ما يعزز الإحساس بالانغلاق الذي يقارب فكرة الظلال في فلسفة أفلاطون، أما عن شخصيات الفيلم فهي لا ترى العالم كاملا بالطبع بل أجزاء محدودة جدا منهـ مما ينعكس على علاقتها بالمكان وبأنفسهاـ و على صعيد اخر تظهر بعض العناصر التي توحي بوجود عالم اخر خارج هذا القيدـ مثل العصفور الذي يمكن اعتباره تذكيرا دائما بوجود  حقيقة أخرىـ وإن بقيت بعيدة المنال.

وفي نهاية الفيلم يخرج الجسد من السجن لكن التجربة لا تنتهي عند هذا الحدـ فاللقاء بين الأم وابنها يأتي هادئاـ دون احتفال وكأن الفيلم يؤكد أن الخروج من الكهف لا يعني نسيان الظلال بل العيش بوعي جديد تجاههاـ وهذا ما يجعل النهاية أقرب إلى انتقال في الوعي منها إلى خلاص كامل.

في ضوء هذه القراءةـ يمكن القول إن فيلم 3000 ليلةـ لا يقدم قصة عن التحرر الجسدي فقطـ بل يطرح سؤالا فلسفيا حول طبيعة الحرية نفسهاـ فالفيلم كما في أسطورة الكهف يوحي بأن التحرر الحقيقي لا يتحقق فقط بكسر القيود الماديةـ بل بالقدرة على إعادة النظر في الواقع وفهمه خارج منطق القيد والظلال.

Visited 1 times, 1 visit(s) today