“ميرامار” بين تسجيلية محفوظ ورمزية الشيخ

نهى سويد 

 

يتوافقُ النقادُ عموما، وقرّاءُ الفيلم السّينمائي خصوصًا، على مبدأ الفصل التحليلي التِقْني والفنّي بين المادّة الأدبية المكتوبة، والمعالجة البصريّة السينمائيّة لها، ذلك انطلاقًا من اختلاف طبيعة أدوات التناول والبناء والمعالجة والأثر لكلّ جنسٍ منهما واختلافه عن الآخر. ولكن هل هذا التوافق المبدئي سهل التطبيق!

إنَّ الكثيرَ من الأفلام السينمائيّة العربية والعالمية التي صوّرت رواياتٍ أو قصصًا وحكايات ونقلتْها إلى السينما وقعَت تحت ثِقَل المقارنة وطائل المقاربة بين الجنسين، إمّا بتلمّس فارق الأثر الحسي العاطفي، أو بالنظر إلى فارق التخييل المشهدي بين المقروء والمرئي البصري، بالنهاية كلّ قارئٍ  بغض النظر عن اختصاصه هو مُخرجٌ بذاته، يصوّرُ فيلمه الخاص وينتجه ويراه، يرسم تفاصيله ويبني معانيه في “سينماه الداخلية”، فإذا ما وقف أمام إخراجٍ آخر لذات الفيلم، سيذهب عمليًّا باتجاه المقارنة بين فيلمين وليس بين الرواية التي قرأها بمعناها المجرد والفيلم الذي رآه مأخوذًا عنها.

إذن متى يتخلَّص الفيلم السينمائي من حتميّة المقارنة مع المادّة الأدبيّة الروائية التي عالجها؟ خصوصًا إذا كان الراويُ عظيمًا!

الاستثناءات الفيلميَّة القليلة التي تجاوزت هذه الحتميّة جاءت تسبحُ في فضاءٍ معنويٍّ حسّي وجمالي واحد موازٍ ومتقارب مع العمل الأدبي الأمّ. فكانت النتيجة مرضيَّة للمتلقي.

في فيلم “ميرامار” للمخرج المصري كمال الشيخ، وبنظرة مُجملة إلى ما كُتِبَ حوله، أو على المواقف النقدية التي رافقت زمنَ عرضهِ، وصولًا إلى وقتنا الرَّاهن، نلاحظ اشتباكًا نقديًّا حادًّا وقراءاتٍ متعددة عاصفة، تكادُ لا تخلو واحدة منها من المقارنة مع ميرامار الرواية للكاتب والرّوائي المصري العالمي نجيب محفوظ، والتي عالجها الفيلم من خلال سيناريو ممدوح الليثي.

جدل بين النقاد

لقد اتفق النقاد والجمهور على ثقافة كمال الشيخ، وعلى موهبته الإخراجية، ولكنّهم اختلفوا بحدّة على فيلمه “ميرامار”. إنَّ الجدلَ والمواقف المتناقضة من قبل كبار النقاد المصريين حول الفيلم، من أمثال علي أبو شادي وكمال رمزي وآخرون، يفتح البحث على سؤال مشروع، من أين أتى التباين في هذه المواقف النقديّة؟

خصوصًا أنَّ تلك المواقف اتكأت في دفوعاتها ومبرراتها النقدية بمجملها على المقارنة، وعادت لتقرأ المعنوي في رواية محفوظ وليس على الفني أو البصري في فيلم الشيخ.

أعتقد من الموضوعية هنا أن نُشيرَ إلى استحالة قراءة فيلم “ميرامار” قراءة نقدية بصريّة حداثويّة راهنة ذلك بالنظر إلى زمن إنتاجه 1969 وإلى موقع السينما كصناعة في تلك الفترة، فهذا لن يكون منصفًا أو عادلًا لا للفيلم ولا إلى صنّاعه.

بين تسجيليّة محفوظ ووصفه الدقيق المستفيض لشخوصه وعوالمها وفضاءاتها النفسيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والإيديولوجيّة بطبيعة الحال، بالإضافة إلى تبنّيه موقف سياسيٍ نقدي لاذع لثورة يوليو1952 عبَّر عنه من خلال روايته ميرامار بشكل لا يقبل الشك، جاءت رمزية الشيخ كجرعةٍ نقديّة إضافية في تكثيفٍ حادٍّ للخريطة الاجتماعية السياسية للواقع المصري في مساحة ضيقة لأيديولوجيات ضيقة أيضًا، وفي بيئة واقعية تحمل توجهات سياسية مختلفة شديدة التناحر، كلّ هذا الإرباك أتى في ظلّ لحظةٍ زمنيّة من أقسى اللحظات العربية انكسارًا سياسيًا عسكريًا واجتماعيًا “نكسة حزيران 1967”

أعتقد أنَّ الخلافَ الأيديولوجي في الحياة العامة العربية والمصرية على وجه التحديد في تلك الفترة الزمنية الاستثنائية، كان السببُ الأبرزُ في خلق هذه المواقف النقدية الخلافيّة حول الفيلم، وكان قد عَبّر محفوظ في مذكراته عن ذلك صراحة عندما أشار بما معناه “إلى أن التناقضات الداخلية في النظام المصري ساهمت في سماحية عرض الفيلم” ما يعني مباشرة وبوضوح إلى أنّ الفيلم وضع على طاولة التقييم النقدي السياسي أولاً ومنذ لحظة ولادته الأولى.

فالانقسام السياسي واختلاف الرؤى والمشاريع والتيارات كانت حاضرة بقوة داخل النظام السياسي المصري نفسه، وكانت انعكاساتها على الشارع والحياة العامة مباشرة ومن جنسها تمامًا فتجلّت في التعدديّة والاختلافات والمناكفة والصدام.

أدب الاحتجاج

هذا ليس عيبًا أو مأخذًا على الفيلم فيما أظنُّ، خصوصًا وأنَّ الاهتمام بالحياة السياسية والشأن العام كان الاهتمام الأوّل لكلّ الفئات الاجتماعية والشرائح الطبقية الشعبية والأكثر حرارة في الشارع العربي بوجهٍ عام، وجزءٌ كبيرٌ من هذا الاهتمام كان يمرُّ ويُمارس ويُعبَّر عنه من خلال الحياة الثقافية على مختلف أشكالها، هذه الصبغة لم تكن حكرًا على الحياة الثقافية المصرية، فقد فتح ذاك الظرفُ بابًا أدبيًا وفنيًا واسعًا  لتصنيفٍ ثقافي كبير سُمِّي عربيًّا أدب الاحتجاج أو أدب النكسة، وهذا أيضًا ما حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وأسّس لظهور تيار اللامعقول والعبث.

عليه فإنَّ معظمُ النتاج الثقافي لتلك المرحلة عربيًا، ومنه السينما بالتأكيد كان يسلكُ هذا المعبر المنطقي الطبيعي في زمانه ومكانه، ابتداءً من الفكرة وصولًا إلى النقد وما بينهما من مراحل إنتاج، وكان يقع بين رقيبين لا يرحمان مطرقة السلطة وسندان الشارع.

على كلّ حال وفي نهاية المطاف لم يُلحق هذا الواقع الضرّر بالفيلم بل على العكس من ذلك فقد أفادته التناقضات وقدمت له فرصةً دعائيّة مثيرة، سيما أنَّ الفيلم قدّم وبشكلٍ مكثَّف عبر شخوصه المتنوعة جميع تلك التباينات الطبقية واختلاف المنهجيات والسلوكيات والأهداف.

بالمقابل سلك الشيخ في فيلمه منطقًا نقديًا حادًا من سلوك السلطة وممارساتها والتي ترمّزت وتجلّت في انتهازية ونفعية سرحان البحيري (يوسف شعبان)  واستنفاعه جرّاءَ عضويته في الحزب الاشتراكي الحاكم، كما وفي ذات الوقت أظهر معارضة السلطة المتمثلة بـ”منصور باهي” (عبد الرحمن علي ) بالسلوك الجبان متوهّم النضال، فقد كان إصرار منصور باهي على تبنيه قتل سرحان البحيري وكأنّه يَشي برغبةٍ دفينة وربّما صادقة لكنّها مُعطَّلة غير قادرة على الفعل التنفيذي الواقعي الحقيقي، فالمعارضة هنا ترغب فتتوهم، وتعيش أحلامها النضالية بلا جدوى تُذكر، بالتالي كان يحمّلها أيضًا نصيبَها من المسؤولية عن حالة التردي والتخبط والخسارات، فأصاب كمال الشيخ بذلك طرفي المعادلة السياسية، وصوّرها في وضعية التساوي في المسؤولية عن الكارثة الحاصلة، عدا عن الإضاءات التي سلطها نحو أنماط  متعددة من الشخصيات الملوّنة فمنها الرجعي ومنها الفارغ والمستهتر ومنها الرمادي المنسحب من مساحة الأثر العام.

مركز الثقل

شكلت شخصية زهرة (شادية) في الفيلم المرآة التي انعكست عليها الملامح الداخلية النفسية والحياتية السلوكية لكلّ شخصيات الفيلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أظهر لنا الشيخ من خلال هذه الشخصية القويّة الطّموحة المثابرة المتمرّدة على واقعها رغم شعبويتها وعفويتها الواضحة، قفزة نحو مذهب الواقعية الجديدة بما تحمل من أملٍ وتفاؤل واستمرار محاولات التقدم والتطور رغم الصعاب والخذلان، جاءت هذه القفزة على الرغم من أن الأسلوبية الفنية البصرية التي اعتمدها الشيخ لفيلمه “ميرامار” كانت أسلوبية تقليدية بعيدة عن منطق التجريب.

لربما كانت هذه الشخصية النسائية هي مركز ثقل الفيلم أو المحور الأقوى الذي قام عليه، وفي هذا السياق من غير المنصف أن نتجاوز تظهير الفيلم لدور المرأة والأبعاد الحياتية والاجتماعية لها من خلال أنماط مختلفة لنساء الواقع حيثُ حملْن أيضًا معظم صفات المرحلة الزمنيّة العصيبة.

ميرامار فيلمٌ ذو كثافة أيديولوجيّة سياسيّة اجتماعية عالية، سقطت منه التفاصيل السينمائيّة البصرية الدقيقة بالمعنى الرّوائي، مقابل تلخّيص أقرب للتوثيق الدرامي لمرحلة اجتماعية وسياسية غاية في الأهمية والتعقيد.

قام المخرج كمال الشيخ وصنّاع فيلمه ميرامار بفتح النار على الجميع، على السلطة الحاكمة وعلى الأحزاب المعارضة وعلى المجتمع، وهذه مغامرة فيها الكثير من الشجاعة الفنية أولاً والسياسية ثانياً على حدّ سواء.

  • ناقدة من سورية تقيم في فرنسا