“قصة شائعة”: تجربة أولى مدهشة في “آفاق” فينيسيا
أمير العمري- فينيسيا
قصة شائعة” A Common Story هو أول تجربة في الإخراج السينمائي للممثلة الإيطالية أنا فوليتتا الذي عرض في قسم “آفاق” (أوريزونتي) المخصص عادة، للأعمال الأولى والثانية للمخرجين.
قامت أنا فوجليتا ANNA FOGLIETTA (47 عاما) ببطولة عدد كبير من الأفلام الإيطالية في السينما والتليفزيون، وشاركت في عدد آخر، كممثلة رسخت قدميها منذ أن بدأت مشوارها الفني في عام 2006، واكتسبت خبرة كبيرة من العمل مع مخرجين متنوعين، وخصوصا التعامل مع الممثلين، وهو ما يبدو بوضوح مبهر في فيلمها الأول “قصة شائعة”.
هذا فيلم ليس من الممكن أن يكون له وجود يفرض نفسه، وتأثير كبير على عقل ونفس كل من يشاهده، لولا ذلك الأداء المدهش من جانب فريق الممثلين كله، وبوجه خاص بالطبع، الممثلين الرئيسيين: ألبا رورفاتشر، وجويدو كابرينو اللذان يقومان بدوري الزوجين إريكا وماورو.
يعيش الزوجان في بلدة ريفية هادئة، لا تعرف أي ملامح لصخب المدينة وما تعكسه من صخب وحيوية وتحديات. إريكا تعمل في قبض المال من المشترين في أحد المتاجر، وماورو يعمل مع أبيه في أعمال البناء والترميم. الحياة الزوجية روتينية وهادئة، ليس فيها ما يخرج عما هو معتاد: الذهاب إلى العمل، العودة إلى المنزل، إعداد الطعام، تناول الطعام، غسيل الملابس ونشرها، الفرجة أحيانا على التليفزيون، احتساء بعض المشروبات، ممارسة الحب. الزوج والزوجة منسجمان تماما، علاقتهما يشوبها الحب والتقدير والاحترام، لكن تحت السطح يكمن الكثير الذي سيكشف عنه الفيلم خلال السرد.
المشكلة التي تكشف المكبوت والمسكوت عنه، هو أن الابنة الوحيدة للزوجين، “إيرين” ذهبت لاستكمال دراستها في الجامعة في ميلانو، ومنذ ذلك الحين أصبح منزل الأسرة باردا، يفتقد للحيوية والحياة، فكل شيء اعتيادي، مألوف، الروتين اليومي هو ما يسود ويطغى.
ماورو نشأ مع والده المتعسف المتجبر المهيمن القاسي، وارتبط بالعمل معه منذ أن كان مراهقا يافعا، وأصبح بالتالي يعتمد عليه في تدبير أمور حياته، لكن مارو أيضا يعمل أحيانا مدربا لأشبال فريق كرة القدم في نادي البلدة، وفجأة يخبره والده أنه باع الدكان وتخلى عن تجارته، وبالتالي يفقد ماورو عمله. ويصاب بخيبة أمل وصدمة شديدة تجعله حتى عاجزا عن إخبار زوجته بهذا المأزق. لكنه يوالي الخروج يوميا للبحث عن أعمال صغيرة يقوم بها هنا وهناك. وعندما يخبرها أخيرا، تستشيط إيريكا غضبا، وتبدأ في مراجعة حياتها كلها، وتتأمل في حياة الفراغ التي تعيشها، وتكافح لإيجاد معنى لحياتها.
أما ماورو، فهو يحاول التغلب على الفراغ، ولكن سرعان ما تنفجر المشاعر وتطفو على السطح بعض الجروح القديمة والرغبات المنسية، لكن من دون أن يتأثر الحب. لكن ما يحدث أن كلاهما يدركان أخيرا أنهما يجب أن يتعلما رؤية وفهم بعضهما البعض من الداخل، والتعبير الصادق عما يحبانه ويرغبانه في الحياة دون مداراة، ومن ثم إعادة بناء علاقتهما واستعادة حبهما.
هناك بالطبع شخصيات رئيسية تدعم وتسلط الضوء بل وتعمق من فهمنا للشخصيتين الرئيسيتين، مثل شخصية والدة إيريكا وجدتها، ووالد ماورو، وزملائه في العمل.
ربما لا تكون هذه “القصة” الاعتيادية هي أكثر ما يلفت أنظارنا كمشاهدين في هذا الفيلم البديع، الذي لا يدعي ولا يغالي أو يجنح في اتجاه الميلودراما قط رغم الإغراء الكامن في السياق. فأهم ما يتميز به هو الأسلوب، هنا يصبح الأسلوب هو الفيلم، هو المضمون ذاته، وهو أسلوب خافت، يخفي أكثر مما يفصح، فالمخرجة بالتعاون مع مدير التصوير البارع “أندريا بنيامين بانينتي”، تحاصر باستمرار شخصية إريكا بوجه خاص، تحبسها داخل كادرات ضيقة، قد تظهر فقط جانبا من وجهها، دون أن تكشف عما يحيط بها، ومن الذي تخاطبه في الفضاء الواقع خارج الكادر، تنقلها كما يقول مدير التصوير، “إلى الحواف” وكذلك في تصوير ماورو.. وأحيانا تصوير الشخصية من ظهرها، فالمقصود من وراء هذه اللقطات التي تستغرق زمنا أطول مما هو معتاد في السينما التقليدية، ليس تصوير العلاقات، بل تأمل تعبيرات الوجه، التنفس، واستخدام الصمت نفسه بحيث يصبح معادلا للانكفاء على الذات وإعادة التفكير ومراجعة النفس.
ومن جهة أخرى، الفيلم يهتم بالتركيز على الزمن، على ملامح مرور الزمن، كما ينعكس على الوجوه، في الذكريات، في الخاتم الذي تهديه والدة إريكا لها، وتقول إنه كان لجدتها، في ذلك الاشتياق إلى السكينة الروحية وقسوة الانتظار الطويل، وضياع الزمن في ذلك الانتظار.
يستخدم المصور كثيرا الحواجز والألواح والمرشحات والعدسات المشوهة للمنظر بعض الشيء، التي تخلق ما يشبه الحاجز بيننا كمشاهدين وبينهم، لكي يجعلنا باستمرار في حالة “تأمل” وليس “انفعال” لحظي، فالدراما كامنة هنا، تدور في الداخل، ولا تتحول إلى مشاهد صاخبة، باستثناء مشهد واحد أو مشهدين عندما تثور المشاعر بين الزوجين وينفجران في تبادل الاتهامات ولكن من دون تجاوز حدود العلاقة، فالحب موجود عن يقين، لكن العثور على الطريق هو المشكلة التي لن يصلا إليها في النهاية سوى بعد مواجهة الذات بكل صراحة ووضوح واعتراف حتى بجوانب الضعف.
هذه دراما نفسية عن أسرة عادية، بسيطة، تعيش وتنجرف في تيار الحياة، لكن في لحظة ما في مسار تلك الحياة الروتينية الرتيبة، يبرز الميل نجو التأمل في معنى الوجود، ومغزى الزواج، والحب، ومعنى أن تكون أباً أو أماً، وما الذي قدمته لنفسك قبل ما قدمته للآخرين.

مخرجة الفيلم
من الواضح أن الفيلم لم يكن تجربة سهلة في الإخراج والعمل مع الممثلين، خصوصا مع استخدام اللقطات الطويلة الثابتة القريبة للوجوه، التي تتطلب منم الممثلين التعبير بحرص ودقة عن المشاعر من خلال خلجات الوجوه والعينين وارتعاشة الجفنين. والفيلم في نهاية الأمر، رغم كل رتابة الموضوع، وسياق السرد الذي لا يخرج عن ما هو مألوف، عمل مبهر بصريا، بفضل الابتكارات في التصوير، واختيار المواقع، والديكورات الداخلية التي تعكس حالة السجن التي يعيشها الزوجان، من دون ترك مساحات كبيرة للحركة.
تقول المخرجة: “لقد أردت أن أصنع فيلمًا عن الارتباط، والنقصان، حيث يكون البطل الحقيقي هو الروح. فيلم خالٍ من اللفتات الدرامية، مبني على الانتظار، على أصغر الحركات، على طقوس يومية تتحول ببطء إلى عادة، وفي النهاية، إلى قدر. كانت فكرتي هي التنقيب في الخلافات الداخلية للشخصيات لاستكشاف تلك الحقائق، وتلك الشكوك وتلك المخاوف الصامتة التي غالبًا ما نختار عدم ذكرها، خوفًا من إخراج حياتنا من حالة من الفوضى – وشعرت بالحاجة الملحة إلى طرح سؤال واحد فضلا عن أي سؤال آخر: هل مازلنا نعرف كيف نعبر عما نرغب”؟
