فيلم “بوغونيا” رؤية مرعبة لعصرنا وللمستقبل
أمير العمري
أول ما يخطر على البال عند مشاهدة فيلم “بوغونيا” Bugonia (2025) وهو الفيلم الروائي الطويل العاشر لمخرجه اليوناني يورغوس لانثيموس، أنه مجرد عمل آخر يتلاعب بالأفكار في سياق من الالتواءات من أجل الزعم بأنه يريد أن يقول لنا شيئا.
هذا دون شك، أكثر أفلام مخرجه وضوحا وسهولة في الفهم قياسا إلى أفلامه السابقة، فهو يقع ضمن بناء كلاسيكي، يتكون من بداية وذروة ونهاية، مع وحدة في المكان والزمان، بل إنه يبدو أقرب إلى مسرحية تتكون من مدخل وثلاثة فصول. والشخصيات في الفيلم محدودة للغاية، لا تزيد عن أربع شخصيات. والأماكن محدودة أيضا، والحوار يكشف الكثير، وأداء الممثلين هو العنصر الأكثر بروزا وقوة. لكن هل هذا كل شيء؟
المشاهدة الثانية للفيلم (شاهدته أول مرة في مهرجان فينيسيا 2025) تكشف أننا أمام عمل سينمائي أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح، عمل متعدد المستويات، يمكن أن يُستقبل على المستوى الأول، كفيلم من أفلام التشويق والإثارة، ولكن على مستوى أعمق، سنجد أنه يدور حول قضايا فكرية وفلسفية تتعلق بعصرنا وبمستقبل كوكبنا الأرضي ومصير البشر. هل هو إذن فيلم عن الحاضر أم عن المستقبل؟ بل هو في الحقيقة، عن كل من الحاضر والمستقبل. إنه عمل “خيالي”، لكنه يستند على معطيات واضحة على أرض “الواقع”.

في خضم الحبكة، هناك عنصر يتعلق بالدور الاستغلالي الذي تمارسه الاحتكارات الرأسمالية في المجتمعات الصناعية والتي تهيمن على عالمنا في عصر “العولمة”، وكيف أصبحت بممارساتها التي تكشف عن نهم لا ينتهي للربح، مصدر خطر على الكوكب الأرضي كله.
هناك أيضا ذلك الرعب الذي يمكن أن ينتج عن الولع بنظريات المؤامرة، وما يمكن أن يكتشفه المرء خلال بحثه المضني داخل شبكة الإنترنت “المظلم” العميق، وهناك المخاطر التي تتعرض لها الطبيعة نتيجة الاستخدام الفظ للمواد الكيميائية المدمرة بلا حساب سوى لما تجنيه الشركات الرأسمالية من أرباح. وهناك أخيرا ذلك الفقدان الخطير للتوازن الاجتماعي، والخلل الفادح داخل المجتمعات الصناعية بعد فشل اليسار في فرض أجندة الإصلاح، وجنوح اليمين إلى الهيمنة الفاشية وحماية الاحتكارات.

كلها أفكار تنتج عن التأمل العقلاني في نسيج الفيلم وما ينبع من داخله ومن العلاقات التي ينسجها السيناريو الجيد الذي كتبه “ويل تريسي” (في تصرف كبير عن الفيلم الكوري “انقذوا الكوكب الأخضر- للمخرج يانغ هون هوان- 2003). ولكن بينما كان الفيلم الكوري من النوع المعروف بـ”الخيال العلمي”، ليس من الممكن اعتبار “بوغونيا” مجرد فيلم من أفلام الخيال العلمي. قد يكون عملا مستقبليا بعض الشيء، ولكنه لا يبتعد كثيرا عن عالمنا في الوقت الحالي: عالم الشركات العملاقة، الريف الذي فقد الكثير من رونقه بعد تدمير الحياة الطبيعية وما لحق من أضرار بالبيئة، هناك مثلا غياب كامل للزراعة والحيوانات، والصورة العامة لمجتمع يكاد يخلو من السكان!
لا يبتعد المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس كثيرا في هذا الفيلم عن الأفكار التي تميل إلى التشاؤم التي حفلت بها أفلامه السابقة، بخصوص “المصير الإنساني”، وما يمكن أن ينتهي إليه بسبب الجهل والجشع والغباء وما يرتكبه البشر من جرائم ضد الطبيعة وضد الإنسان. كما تشيع في الفيلم أجواء السخرية السوداء، مع نزوع واضح نحو الغرابة وبعض المشاهد السوريالية المرعبة.
ينتمي يورغوس لانثيموس من اليونان، وهي إحدى بلاد الحكمة القديمة. وقد ساهم ولايزال يساهم، مع مجموعة كبيرة من المخرجين الذين ينتمون إلى شعوب الحكمة القديمة، في تطوير هوليوود وجعل أفلامها أكثر عمقا وميلا لتناول حبكات تتجاوز مجرد “التسلية”، إلى مناقشة قضايا ذهنية وفلسفية ولو من خلال سياقات مثيرة مضحكة، وهنا يمكن أن نعود إلى ميلوش فورمان، ورومان بولانسكي، وسيرجيو ليوني، إلى كريستوفر نولان، والفونسو كوارون وغييرمو ديل تورو، وبونغ يون- هو.
لم يكن غريبا أن يطلق لانثيموس على فيلمه “بوغونيا” Bugonia وهي كلمة يونانية تشير إلى جثة الثور الذي كانوا يقدمونه قربانا للآلهة في اليونان القديمة، ومن هذه الجثة، كان يولد النحل، أي تنشأ الحياة الجديدة، فالنحل هنا هو “أصل الحياة”. و”بوغونيا” ليس بعيدا عن عالم النحل بل يبدأ الفيلم به وهو يتغذى على الأزهار، وينتهي به، على نفس اللقطات.
تربية النحل هو العمل الذي يقوم به “تيدي” (جيس بليمونز)، وهو شاب مهووس بفكرة وجود كائنات فضائية أرسلت إلى الأرض لتدمير الحياة. والواضح أنه قام ببحث شاق على مواقع الإنترنت، وقرا وأجرى الكثير من التجارب العملية بنفسه. ويتركز اهتمام “تيدي” على “ميشيل فولر” (إيما ستون) المديرة التنفيذية لشركة ” أوكسوليث” المتخصصة في تطوير التكنولوجيا الحيوية أي إنتاج العقاقير والمواد الكيميائية. وتيدي لديه أيضا دافع شخصي تجاه “ميشيل” كونها المسؤولة عن تطبيق تجربة نوع من العقار المستحدث على أمه التي كانت مدمنة أفيون، لكن العقار التجريبي فشل في شفاء الأم بل فاقم من حالتها الصحية، بحيث أصبحت ترقد الآن في المستشفى القريب، عاجزة عن الحركة.
يتفق تيدي مع ابن عمه “دون” (إيدان ديلبيس- ممثل مريض بالتوحد فعلا)، وهو فتى ضعيف الشخصية، متردد، فاقد الثقة بنفسه، يخضع تماما لتيدي الذي يقنعه أولا بضرورة الخضوع للإخصاء الكيميائي بالحقن بغرض التخلص من الشهوة والهواجس الجنسية وتجنب عدم التشتيت، والتركيز على المهمة الكبرى التي نذر تيدي نفسه لها، أي اختطاف “ميشيل” التي يعتقد اعتقادا جازما لا شبهة فيه، أنها كائن فضائي تنتمي إلى مجرة أخرى هي “أندروميدا”، وإجبارها على الاعتراف بحقيقتها واستدعاء السفينة الفضائية التي تحمل إمبراطور، للتفاوض معه على الرحيل وعدم تدمير كوكب الأرض، وبالتالي فتيدي يعتبر نفسه رسولا لديه مهمة عظيمة من أجل إنقاذ كوكب الأرض.

تظهر “ميشيل” في المشاهد الأولى من الفيلم. كنموذج عملي كلاسيكي لمديرة إحدى الشركات الاحتكارية، لا يقيم وزنا سوى للإنتاج والكفاءة وتحقيق المزيد من الأرباح، لكن هذا لا يمنع من أن يكون شعار الشركة العملاقة التي ترأسها “لنعالج الغد- اليوم”، وهي تتظاهر بأنها أكثر كرما وتعاطفا مع العاملين عندما تخبرهم بأنهم ليسوا مضطرين للعمل حتى الخامسة والنصف مساء.. “إلا لو كان يجب البقاء حتى إنجاز المهمة المكلف بها كل منهم” أي أن المسألة ليست كما تبدو من الظاهر. ولكن “ميشيل” أيضا تتدرب في منزلها الفخم على الرياضة العنيفة، وتتناول بعض المنشطات الطبية، كما لو كانت تستعد لخوض معركة ما، لكنها ستقول فيما بعد، إنها تريد هزيمة الشيخوخة.
يقوم تيدي وابن عمه المتلعثم المتردد المسكين باختطافها من أمام منزلها، حيث تقاوم مقاومة شديدة ولكن تيدي يتغلب عليها في النهاية بعد حقنها بمادة مخدرة. ثم يقوم “دون” بحلق شعرها تماما بناء على أوامر تيدي، حتى لا تتمكن من التخاطب مع سفيهة الفضاء، ثم يحملها الاثنان ويقومان بوضعها في قبو منزلهما الواقع في منطقة ريفية شبه مهجورة. وبعد أن تستفيق، يبدأ تيدي في استجوابها، ويتدرج الاستجواب ليصل إلى ممارسة أقصى درجات العنف بواسطة الصدمات الكهربائية، رغم تردد دون، خشيته من أن تفقد المرأة حياتها.
التباين الواضح من البداية بين شخصية “دون” الضعيفة المترددة الخاضعة العاطفية، وشخصية “تيدي” المسيطرة، الواثقة، الأكثر ثقافة وذكاء، سيؤدي فيما بعد إلى وقوع ما لم يكن متوقعا أو منتظرا. ولكن المشكلة أن تيدي يريد أن ينتهي في أقرب وقت من استجواب ميشيل لأن الوقت أمامه ضيق، فخسوف القمر سيحدث بعد ثلاثة أيام، وهو الوقت المقدر لاقتراب سفينة الفضاء العملاقة التي يقودها إمبراطور مجرة أندروميدا من عالمنا االأرضي.

يوحي الفيلم بأن تيدي هو مجرد شاب مهووس متطرف، يعتنق نظرية المؤامرة، يتخيل أشياء ليس من الممكن تصديقها، مع إصرار “ميشيل” على إنكار اتهامه لها بأنها كائن فضائي، وسخريتها الشديدة منه، ثم رغبتها في احتوائه بالتظاهر بأنها فعلا كائن فضائي، لكنه لا يصدقها أيضا فهو يريد منها أكثر من مجرد الإقرار، بل المساعدة في التواصل مع “الإمبراطور الذي يدير المجرة الأخرى الخطيرة.
سوف تنجح هي في التلاعب بمشاعر “دون” الضعيف، ثم تسيطر على “تيدي” المضطرب وتقنعه بأنها يمكن أن تساعده أولا في شفاء أمه المريضة الموشكة على الموت. ثم تمضي الأحداث لكي يتلاعب الفيلم بالحبكة وبنا، ويأخذ مسارا آخر، إلى أن يكشف في الجزء الأخير منه، عن نظرية أخرى مضادة تماما لنظرية تيدي، عندما يجعل ميشيل” هي الرسول الحقيقي لإنقاذ البشرية والكوكب، وأنها أرادت أن تنقذ الجنس البشري من غبائه بعد أن كاد أن يدمر الكوكب، ولكن دون جدوى، فقد أصبح مقضيا عليه الفناء بسبب رفضه تصويب أخطائه.
لقد انقلبت الحبكة تماما، فلم يعد تيدي هو رسول إنقاذ البشرية، بل إنه أصبح فقط يأمل في إنقاذ نفسه، لكن المنقذ الحقيقي الذي يفشل في مهمته هو “ميشيل” نفسها.. وفي اللقطات الأخيرة، يأخذنا لانثيموس إلى عالم سوريالي من الصور الجامدة المذهلة لنهاية العالم والبشر في كل مكان، كما يتخيلها.
موسيقى الفيلم في معظمها هي موسيقى منذرة، محذرة، توحي بالتوتر وبالكارثة المحدقة التي توشك على الوقوع، لكن هناك أيضا توظيف لبعض الأغاني الشائعة خصوصا في مشهد تعذيب ميشيل بالصدمات الكهربائية حيث نستمع عبر جهاز التسجيل إلى أغنية ” Basket Case” التي تقول كلماتها ” هل لديكِ وقتٌ لتستمع إلى تذمّري؟ عن لا شيء وعن كل شيء، دفعةً واحدة.. أنا من أولئك الحمقى المُبالغين في ردود أفعالهم. عصبي حتى النخاع، لا شك في ذلك.. أحيانًا أشعر بالرعب.. أحيانًا يُخادعني عقلي.. كل شيء يتراكم. أعتقد أنني على وشك الانهيار”.

ويميل أسلوب التصوير إلى الإضاءة الساطعة في المشاهد الخارجية، خصوصا في مشهد المطاردة واختطاف ميشيل، وهرولة تيدي على دراجته الى المستشفى لإنقاذ أمه بحقنها بمادة أقنعته ميشيل أنها الترياق الشافي على عكس ما هو مكتوب عليها (مادة مضادة للتجلط) بحيث ينتهي الأمر بمصرع الأم. أما في المشاهد الداخلية فيغلب عليها الإضاءة الداكنة التي تلقي بالظلال على المكان بديكوراته التي تشي بالفوضى والاضطراب والفقر.
يختار لانثيموس مع مدير تصويره “روبي ريان” اللقطات بعناية كبيرة: الزوايا المنخفضة لتصوير هيمنة “تيدي” على “ميشيل” أثناء استجوابه لها، والزوايا المنخفضة لوجه ميشيل وهي تحدق بعينيها الواسعتين ورأسها الحليق كما لو كانت إحدى الكائنات الفضائية التي نراها في الأفلام الخيالية. وهذا التقاطع بين اللقطات يجسد حرفيا ما يقوله “تيدي” لـ”دون”: الآن أصبحنا نحن من يسيطر، بعد أن كان قد ذكر له في البداية أن السيطرة ليست لنا الآن!

في أحد أهم وأفضل مشاهد الفيلم، يطرق ضابط الشرطة “كايسي” منزل تيدي. إنه يعرفه جيدا وقد جاء للتحقيق في اختفاء “ميشيل” فربما كان “تيدي” قد رأى أو لمح شيئا. وهو يأتي في وقت شديد الحساسية عندما كان تيدي يقوم باستجواب ميشيل في القبو. وقد كلف دون بتصويب بندقية تجاهها ومنعها من الحديث بعد أن ضربها بقوة فأفقدها وعيها. لكن المشهد الذي يدور بين نيدي وكايسي، هو مشهد استرخائي تماما على العكس من المشهد السابق مباشرة، فالشرطي البدين (يقوم بالدور ببراعة “ستافروس هالكياس” (من أصل يوناني)، لا يتشكك في “تيدي”، بل هو مهتم أكثر بتبادل الحديث والثرثرة معه بل كما يرحب كثيرا بتناول قطعة من الكعكة التي يسيل لعابه لها عندما يلمحها على طاولة المطبخ. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك وراء رغبته في الثرثرة. صحيح أنه يشير إلى اللوحة التي علقها تيدي على جدار المطبخ والتي تقول “إننا نهتم”.. لكنه يود الآن أن يخفف من وقع ما ارتكبه في الماضي في حق “تيدي”، عندما كان يقوم بمهمة “جليس الأطفال” مع تيدي وهو صغير، والواضح انه تحرش به جنسيا، ولكنه يعتذر الآن مبررا ما حدث بأنه تهور الشباب. من جهى أخرى، هو كشرطي – حسب سيناريو ويل تريسي- وإخراج لانثيموس، وأداء هالكياس العبقري، شرطي كسول، ضعيف، لا يتمتع بأي ذكاء، بل يكتفي بتوجيه أسئلة روتينية، تجسيدا لنظرة لانثيموس في أفلامه إلى السلطة البليدة، العقيمة، التي لا دور لها سوى حماية “الكبار”.
بطبيعة الفيلم نفسه، هناك فارق كبير واضح بين عالمين: عالم الاحتكار الدوائي التكنولوجي الضخم وأصحابه، بديكوراته الهائلة ومساحاته وأسقفه العريضة المتسعة، التي تتجول فيها الكاميرا لمسافات طويلة، تتابع دخول ميشيل في البداية ثم خروجها بكل أريحية بحذائها ذي الكعب المرتفع كثيرا عن الأرض بحيث تبدو كملكة غير متوجة، تظهر صورها على أغلفة المجلات الشهيرة، وبين منزل تيدي الفقير شبه المهدم الواقع في الضواحي، الذي يفتقد حتى الى شاشة تليفزيون حديثة، بل ومازال مصدر الاستماع للموسيقى فيه جهاز تسجيل من الطراز العتيق. هذا التباين يجسد الفروق الطبقية في المجتمع الأمريكي الحديث الذي تدور فيه أحداث الفيلم.
أشرنا من قبل إلى عنصر الأداء الذي يرتفع بالفيلم كثيرا ويجعل المشاهد يتحمل مشاهد العنف والتعذيب القاسية، بل ومشهد اكتشاف ميشيل معملا خاصا أقامه تيدي في منزله، يحتفظ فيه بأجزاء من الأعضاء البشرية محفوظة داخل أوعية، بما يوحي بأنه قام بأبحاث عملية لكشف وجود شيفرات خاصة للاتصال مع الكائنات الفضائية الأعلى داخل أدمغة بعض من يشك في كونهم من الكائنات الفضائية. وسوف يثبت لنا أنه لم يكن جامحا ولا بعيدا عن الحقيقة.. ولكنني لم أشأ أن أكشف تداعيات باقي الأحداث لكي لا أفسد متعة المشاهدة لمن لم يشاهدوا الفيلم بعد.

تواصل “إيما ستون” في فيلمها الرابع مع لانثيموس، تألقها الكبير في أداء دور “ميشيل فولر” وهي شخصية متعددة الأوجه، بحيث تحافظ على ثباتها وبرودة نظرتها وملامحها الحازمة والواثقة، وفي الوقت نفسه، قدرتها على التلون والانتقال من دور “الضحية” التي تقاوم قسوة الاستجواب الفظ العنيف، لتستعيد دور الشخصية المهيمنة، التي تفرض أجندتها الخاصة للخروج من المأزق. إيما ستون التي ضحت بشعرها من أجل أداء الدور، تتمتع هنا أيضا بطاقة بدنية كبيرة، وقدرة على المراوغة واستخدام عبارات الحوار المكتوب جيدا بحيث يطابق ملامح الشخصية، بكل حنكة وسيطرة. إنها تسخر لكن سخريتها تأتي على ملامح جادة للغاية، وتلتوي وتنفي وتستنكر لكننا نشك في أنها ربما كانت بالفعل تخفي حقيقتها، وعندما تقر وتعترف تبدو كما لو كانت فقط “تساير تيدي أو تأخذه على قدر عقله”- كما يقال، إلى أن تجد الفرصة للفرار، وعندما تصل إلى القول بكل ثقة: لا تحاول فسوف أتغلب عليك دائما لكوني أعلى وأرقى منك بحكم الطبيعة” هنا يكبر لدينا الشك في أنها يمكن بالفعل أن تكون قادمة من الفضاء، أو كما قال لها تيدي في مرحلة متقدمة بعد أن تحملت التعذيب الذي يفوق طاقة البشر، إنه يدرك الآن أنها ليست مجرد كائن فضائي عادي بل “أميرة” تنتمي للعائلة الملكية، ابنة للإمبراطور، وأنه كان ينبغي أن يمنحها معاملة خاصة!
وإذا كانت إيما ستون المرشحة لأوسكار أفضل ممثلة (حصلت على الجائزة مرتين) تمنح الفيلم إيقاعه، بحركتها والتوائها ومراوغتها البارعة وتلاعبها بالموقف، فإن “جيس بليمونز” (وهو مرشح لأوسار أفضل دور ثانوي) في دور “تيدي”، هو الدينامو المحرك للفيلم، الذي يمنحه قوة دفعه، ويجعل المشاهد يتردد، ثم يرتبك، ويفكر، ويتشكك، قبل أن يصل إلى اليقين. إنه يرتفع بالأداء إلى ما يتجاوز كل ما سبق أن حققه في أفلام سابقة تفوق فيها مثل “سطوة الكلب” The Power of Dog ، “أنواع اللطف” Kinds of Kindnes، و”قتلة ظهرة القمر”.
“بوغونيا” يعكس نظرة قاتمة إلى مستقبل عالمنا، لكنه لا يدعو، كما قد يبدو، إلى اليأس، بل إلى اليقظة، وإلى كبح جماح الجشع والانتباه إلى وحشية النظام الطبقي وهيمنة الاحتكارات، وضرورة الكف عن تدمير البيئة. وهو ما يجعله فيلما ينتمي بقوة إلى عصرنا.
