جيم هانسون رجل الأفكار

لأفلام السيرة الذاتية الوثائقية قدرة فريدة على صياغة وإعادة صياغة قصص حياة الأشخاص، ومع التركيبات الفنيّة المتداخلة من موسيقا ومونتاج ورسوم متحركة واختيار نوعيّة مونتاج محددة، يصبح الفيلم وثائقياً كان أو روائياً قصة المخرج عمن يريد أن يروي سيرته الذاتية أو قصة حياته، حتى ولو كان هذا الشخص مشاركاً مباشراً في العمل، تبقى للمخرج اليد العليّة في صياغة الشكل العام للعمل.

عام 2024 قرر المنتج والمخرج وكاتب السيناريو والممثل الأمريكي الشهير ويليام هوارد (1954)، الحاصل على جائزتي أوسكار ولديه أكثر من مائة وخمسون إنتاج ومثَّلَ في أكثر من 90 عمل، أن يتفرغ لصياغة عمل عن شخصية توازيه في مجالات فنيّة وتتفوق عليه في أخرى، هذه الشخصية هي جيم هانسون، مبتكر ما يعرف في العالم العربي بشارع سمسم، وهو أحد العباقرة الذين عملوا في مجالات فنيّة شتى، وأبدع رموزاً فنيّة بقيت في لاوعي جماهير عريضة.

Jim Henson Idea Man الفيلم الصادر عام 2024، عُرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي ويُبث على Disney+، يرثي بلطفٍ ودماثة محرك ومصمم الدمى الأشهر في العصر الحديث، ذلك عبر إعادة صياغة ما يزيد عن 70 عامٍ من بداية ظهور هانسون على الساحة الفنيّة مروراً بأعماله التجاريّة والتجريبيّة وصولاً إلى تأسيسه لشركة  Muppets, Inc..

عبر وثائقي يمتد لـ 108 دقائق نشاهد سيرةً ذاتيةً مزدوجة، سيرة هانسون في طبيعة الحال، ومعها بالتوازي سيرة الدمى الأكثر شهرة كالضفدع الأخضر كيرمت، وبدر وأنيس (في اللغة العربية) المتشائم والمتفائل، ومئات الدمى والشخصيات الفريدة التي ولدت ونضجت على يد هانسون وتوسع عالمها باستمرار مع انتشار محطات البث التلفازيّة والألعاب والأفلام.

يتضمن هذا الفيلم الوثائقي مقابلات مع محبي أعمال هانسون ومعاونوه السابقين وأسرته، تتخللها لقطات من أعماله والمقابلات التي أجراها وكان أشهرها مقابلته مع أورسون ويلز عند ظهوره هو ومجموعة من الدمى في عرضه الأسبوعي الشهير The Orson Welles Show، مع عدم إغفال تأثير أسلوب إخراج وتمثيل أورسون ويلز على أعمال كثيرة نفذها هانسون.

يغطي العمل جميع فترات حياته بلا تجميلٍ أو تبخيس، منذ ولادته في ولاية ميسيسيبي، إلى اختبارات الأداء مع الدمى، إلى لقاء زوجته جين في الكلية؛ يغطي الفيلم مصادر إلهامه المبكرة للدمى المتحركة، ورحلته المفصليّة إلى أوروبا المتقدمة بفن تحريك الدمى، ولم يتجاهل اهتمامه بقوة التلفزيون والسينما. نتابع أيضاً أساليبه المختلفة في التصوير بال Stop motion والأفلام التجريبية والتمثيل المسرحي والرسوم المتحركة، وإعجابه بتكنولوجيا توليد الصور عبر الحاسوب، ذلك كله يصب في مشروعه الأساسي تحريك الدمى.

ما كان غافلاً عن الجمهور بسبب نمط عمل آلية التسويق المالي والتجاري هو الخط الفني التجريبي الذي كان يعمل هانسون عليه بشغف، فبينما كان عظماء هوليوود الجدد مثل جورج لوكاس وستيفن سبيلبيرج يشقون طريقهم إلى القمة، كان هانسون يجرب تأثيرات المونتاج السوفييتي على مشاهد من الحياة اليوميّة القلقة لليافعين في نيويورك كفيلمه Youth 68 ويحاول بناء مفاهيم جديدة لعلاقة الانسان مع المخدرات ومع الصورة والزمن جميعهم داخل نطاق موسيقا تقليلية في ملهى ليلي ابتدعه هو نفسه وسماه Cyclia، وقد نفرد كتابة أخرى لنرى ما يمكن أن يبقى لنا من إعماله لو وقعت تحت مقص الصوابيّة السياسيّة .

في لحظة فارقة في حياة هانسون، يقابل في لندن اللورد المليونير ليو غرايد ومنذ اللحظات الأولى يكتشفان أنهما يتشاركان بطموحات لا محدودة، وينطلق بعدها البرنامج التلفزيوني شارع سمسم الذي يصنف من أكثر العروض مشاهدة في التاريخ والذي يمثل النواة الأولى لإمبراطورية الدمى وملايين الدولارات التي ستغير نمط حياته بالكامل.

من السهل على المشاهد تخمين شكل الفيلم من ناحية السرد القصصيّ وطبيعة المقابلات والحوارات مع المشاركين والأرشيف المضمن في مونتاج العمل التقليدي، وهذا كان قراراً واعياً من المخرج بهدف تشجيع المشاهد على إعادة استكشاف حياة هذا العبقري وأعماله غير المشهورة وتجاربه المكتملة وغير المكتملة وصولاً إلى وفاته المبكرة عن عمر يناهز 50 عاماً بسبب التهابٍ رئويّ، ووصيته التي تضمنت نصاً مفصلاً حول شكل جنازته الذي يريده وعروض الدمى المتحركة التي ستعرض وألوان ملابس المشاركين ونقل ملكيّة شركة الدمى خاصته لأولاده ليكملوا الطريق من بعده، وهذا ما حدث.

https://www.imdb.com/name/nm0000165