تحفة كونتشالوفسكي من 1997: معالجة سينمائية بديعة لـ”الأوديسة”

أعمال سينمائية كثيرة ظهرت عن ملحمة هوميروس “الأوديسة”، أحدثها بالطبع- فيلم كريستوفر نولان المثير للعين وللفكروللخيال، مع كل ما أدخله من تعديلات وتغييرات وتقنيات حديثة، لكي يجعل الملحمة اليونانية التي تعود إلى 2700 عاما مضت، تتفق مع رؤيته للعالم.

ومن أفضل ما ظهر عن “الأوديسة” قبل فيلم نولان بثلاثين عاما، وأكثر هذه الأفلام اتساقا مع السردية الأصلية، وما يتمتع به من رونق وسحر رغم، سواء من مشاهده الضخمة المبهرة، أو ديكوراته التي صممت ونفذت بالأحجام الطبيعية، ومناظره الطبيعية التي صورت في تركيا ومالطا، هو فيلم “الأوديسة” The Odyssey الذي أخرجه للتليفزيون على جزئين، المخرج الروسي الكبير أندريه كونتشالوفسكي (89 سنة) في الولايات المتحدة حيث عمل هناك لمدة عشر سنوات. وقد عرض الفيلم عام 1997، على شاشة شبكة NBC وحقق إقبالا كبيرا، واعتبر في زمانه أيضا أكثر عمل درامي صور للشاشة الصغيرة، تكلفة بعد أن بلغت ميزانيته 40 مليون دولار.

كونتشالوفسكي (89 سنة) هو شقيق المخرج الروسي الكبير أندريه ميخالكوف، وقد عمل مساعدا مع تاركوفسكي في فيلميه: “طفولة إيفان” و”أندريه روبليف”، واشتهر منذ فيلمه الأول “المدرس الأول” (1965)، وأخرج بعده أفلاما كثيرة، آخرها “الرفاق الأعزاء” الذي عرض عام 2020 بمسابقة مهرجان فينيسيا، وكتبت عنه في حينه واعتبرته تحفة سينمائية كبرى، وبل وأفضل أعمال مخرجه إلى جانب الثنائية السينمائية البديعة “سيبيرياد”.

في “الأوديسة” يعيد كونتشالوفسكي إحياء فكرة تصوير عمل ملحمي كبير مستمد هذه المرة من الملحمة اليونانية الخالدة، على جزئين، وإن كان يمكن مشاهدتهما حاليا في فيلم واحد، أرى أنه لم يفقد شيئا من سحره القديم رغم ما تحقق من تقدم كبير في تقنيات الخدع السينمائية واستخدام الـCGI  والذكاء الاصطناعي.

يتميز الفيلم أولا بالانسيابية والتدفق الزمني الطبيعي في بناء سردي كلاسيكي، مع لقطات قصيرة يتذكر خلالها بطل الملحمة “أوديسيوس” زوجته وابنه.  وهو يروي الأحداث من أول مولد ابنه بليخاموس، ثم اضطراراه للرحيل وترك ابنه مع زوجته استجابة لنداء أجاممنون، للمشاركة في الحرب ضد طروادة، إلى حين عودته وقيامه بالتنكيل بالخطباء الأوغاد الطامعين في وراثة ملكه وقصره، الذين أقاموا لسنوات في باحة القصر، أساءوا كرم الضيافة، وأهانوا ولده، وحاصروا زوجته.

يصور الفيلم جزئيا، رحلة الابن بليخاموس بعد أن يكبر، للبحث عن أبيه وذهابه إلى اسبرطة، ثم عودته بناء على نصيحة ملك اسبرطة الذي بدا واثقا من موت أوديسيوس، ولكن الرحلة الأساسية تظل رحلة أوديسيوس نفسه الذي يواجه الأهوال. ومع ذلك يمكن الإحساس من خلال تدفق الأحداث، باننا أيضا، أمام قصة حب نادرة: زوج يتوق للعودة الى أحضان زوجته الفاتنة، وزوجة تعاني وتقاوم كل الضغوط والإغراءات، يكمن في داخلها يقين خفي بأن زوجها مازال على قيد الحياة رغم تعاقب الزمن.

 شاء كونتشالوفسكي أن يستخدم بحذر شديد وتدقيق واقتصاد، السرد الصوتي من خارج الصورة- بصوت بطلنا- وهو يروي بعض تفاصيل محنته الطويلة خلال رحلة العودة من طروادة إلى إيثاكا، مرورا بكل الأهوال التي تصادفه أو توضع في طريقه عمدا من جانب بوسيدون، إله البحر الغاضب الذي تحداه أوديسيوس بغروره وصلفه وشعوره بالقوة وبأنه قادر على أن يفعل ما يشاء من دون أي اعتبار للآلهة، بعد أن زعم أن النصر الذي تحقق في طروادة يعود إليه وحده لا إلى أي من الآلهة.

وهو خلال الرحلة الشاقة التي تستغرق عشر سنوات، يتعذب ولكن من دون أن يفقد اعتزازه بنفسه وثقته بقوته، على العكس من بطل فيلم نولان يعاني معاناة الندم والألم الذي نتج عن إدراكه بأنه خالف الأعراف وأغضب الآلهة وخرق قانون زيوس، وبالتالي يقبل بأن يدفع الثمن ويتقبل بالعقاب، عله يكفر عن خطيئته، من دون أن يتحلى عن رغبته في العودة. لقد أدرك أيضا أن العالم ليس في حاجة إلى العنف بل إلى السلام والحب.

أوديسيوس في ملحمة كونتشالوفسكي، غاضب، يخاطب بوسيدون في مشهد يتجلى له فيه وجه إله البحر على صفحة مياه البحر المضطربة التي ابتلعت رفاقه جميعا: ماذا تريد مني؟ ألم تكتفي؟ فيجيبه بوسيدون: أنا لا أريد أن أقتلك. هذا ليس هدفي. بل أريدك أن تتعذب وأنت عاجز إلى الأبد عن العودة إلى وطنك.  

يتميز الفيلم بطاقم من نجوم كبار نجوم التمثيل في عصره: أرمان اسانتي (صاحب دور نيتشة في “عندما بكى نيتشة”) في دور أوديسيوس، جريتا سكاتشي (بنيلوبي)، إيزابيلا روسيلليني (أثينا)، إيريان باباس (أنتيكليا والدة أوديسيوس)، جيرالدين شابلت (أوريكليا خادمة بينيلوبي)، بيرناديت بيترز (سيرسي)، فانيسا وليامز (كاليبسو)، كريستوفر لي (تيريسياس).. وعشرات الممثلين الآخرين.

استعان كونتشالوفسكي أيضا بمدير التصوير الروسي- الأمريكي المرموق سيرجي كوزلوف الذي انتهج مع كونتشالوفسكي، نهجًا عمليًا وطبيعيًا للغاية ورفض الخضوع للاعتبارات التقليدية التي تمليها عادة ستديوهات هوليوود، ملتزما بواقعية الصورة في تصويره للمناظر الطبيعية الخيالية، مما منح العمل طابعا ملحميًا بديعا. كما برع في استنطاق مناظر البحر ​​الحقيقية رغم تصوير بعض المشاهد داخل خزان ضخم للمياه في ستديوهات مدينة السينما بروما، واستخدم ضوء الشمس الطبيعي، والتكوينات الصخرية الوعرة، والمياه الكثيفة التي لا يمكن التنبؤ بما يكمن في أعماقها، لإضفاء الطابع الملحمي المغموس في لمسات من الغموض. وهكذا أصبحت رحلة أوديسيوس وكأنها صراع حقيقي ضد عوامل الطبيعة التي تتحكم فيها الآلهة.

ومما يميز الفيلم أيضا ما استخدمه كونتشالوفسكي مع كوزلوف- من عناصر مصنوعة يدويًا، ونماذج صممت لمخلوقات غريبة قام بتصممها فريق جين هانسن صاحب الاستديو الشهير لصنع الدمى والنماذج والأقتعة ـ كما استخدم كوزلوف أيضا الإضاءة الطبيعية من مصادر النار الحقيقية والمشاعل، لإخفاء الصور التي تم تخليقها بواسطة الكمبيوتر (CGI).

تركز التعبير البصري باللقطات القريبة تحديدا على تعبيرات وجه أوديسيوس المتقلبة، ومشاعر بينيلوبي الهادئة، مع شعورها الكامن بقدر من اليأس تحت وطأة عشرين عاما من غياب زوجها.

في الفيلم كل ما يمكنك تخيله من كائنات خرافية أسطورية من العملاق (بوليفيموس) ابن بوسيدون، الأعور الذي يحاصر أوديسيوس ورفاقه داخل كهف أغلقه عليهم، ويلتهم عازف الناي، والوحش ذو الرءوس الستة الذي يلتهم عددا من رفاق أوديسيوس، ومدينة الموتى المشعلة بالنار التي يتعين عليه عبورها حيث يلتقي بأمه التي رأيناها قبل ذلك وهي تلقي بنفسها في خضم مياه البحر رغم تضرع بنيلوبي لها بألا تفعل، حزنا على ابنها، ويأسا من عودته، ثم إله الريح الذي يمنح أوديسيوس كيسا ضخما من مملوءا بالريح القوية، ويحذره بألا يفتحه قبل وصوله إلى إيثاكا، لكن رفاقه سيفتحونه ويتسببون بالتالي في موتهم جميعا غرقا.. والإلهة الساحرة سيرسي التي تحول رجال أوديسيوس إلى حيوانات متنوعة والتي سيقيم معها لفترة، وهناك بالطبع كاليبسو التي تحتجز أوديسيوس في جزيرتها لسنوات، وتعده بالأبدية والشباب الدائم شريطة أن يهب نفسه لها، لكنه يفضل العودة إلى إيثاكا، ول ترضخ سوى بعد ان يأتيها ملاك موفدا من قبل إلهه الريح بأن تتركه وشأنه، وهناك بين وقت وآخر، تظهر له الآلهة أثينا التي تلهمه خلال الطريق دائما، وتتولى حمايته وهي الوحيدة التي يتضرع لها ويؤمن بها ويستدعيها عندما تشتد أزمته.

هناك متعة لا شك فيها في مشاهدة هذا الفيلم رغم اختلافه الكبير عن فيلم نولان، ورغم غياب التقنيات الحديثة التي جعلت الآن، المستحيل بصريا، ممكنا قابلا للإقناع، لكن هذا الفيلم يظل جزءً من تاريخ السينما، ومن تاريخ العلاقة بين السينما وتلك الأسطورة اليونانية القديمة.

يمكنك أن تقضي معه نحو ثلاث ساعات (نفس زمن فيلم نولان) من دون أن تشعر قط بالملل أو الإرهاق.