“بعد التخرج”: فيلم قصير يعبر عن هموم الجيل الضائع
شهاب بديوي
قدم المخرج مروان طارق فيلمه القصير الجديد “بعد التخرج”؛ بعد عدد من الأفلام القصيرة التي أخرجها وتعبر عن همومه واهتماماته التي تتعلق بشكل ملحوظ بجيله من الشباب. وأظن أن هذا ما يميز مروان: أن له صوتًا خاصًا يستخدمه في التعبير عن قلقه وهمّه، وهمّ جيل كامل من الشباب التائه الحائر في الأرض.
وعند تتبُّع الأفلام التي أخرجها مروان طارق (نوبي، أنا كبرت، عايز أنام، قناوي، بعد التخرج…)، نجد أن ثمة أسلوبًا معيّنًا يفضّله مروان في سرد حكايته، مثل اعتماده الدائم على الـVoice Over؛ أو التعليق الصوتي نم خارج الصورة، حيث نسمع صوت الأبطال كأنهم يشاركوننا أفكارهم بصوت داخلي، كأنهم يُفكرون معنا بصوت عالٍ.
إضافة إلى ذلك، يمكننا أن نثبت الأحلام، والاغتراب، والقلق كهواجس لا تفارق ذهن مروان، وهي غالبًا ما تكون واضحة في أفلامه، ويعاني منها أبطاله.
مروان ليس مهتمًا فقط، بل مهموم بهموم جيل كامل من الشباب يعاني في حياته من التيه والقلق والحيرة. ففي فيلمه نوبي، يحكي قصة صعود شاب في مجال الراب بعد عودته من الخليج، وهي قصة تشبه واقع كثير من الشباب الآن. وفي فيلم قناوي، نرى شابًا من مدينة قنا يحاول أن يصبح مصورًا محترفًا، فيشعر بالاغتراب بين أهله وناسه. أما في فيلم أنا كبرت؟، فيعبّر مروان عن مخاوفه وكوابيسه التي تزوره في عيد ميلاده، وعن مشاعره تجاه التقدّم في العمر الذي يلمسه في الشيب الذي بدأ يغزو شعره، وفي الأطفال الذين صاروا ينادونه “عمو”، وعن خوفه من أن يستكين لحياة لا يرضى عنها، ويخذل نفسه ويتخلى عن أحلامه. (أظن أن هذا الفيلم ” أنا كبرت ” متعلق بشكل كبير بفيلم ” بعد التخرج”).
من الواضح إذًن أن لمروان مشروعًا له ملامح واضحة، ولغة خاصة يريد التحدث بها. وهذا ما يجعلنا نتنبّأ له بمستقبل يحمل الكثير من النجاحات. فـمروان لديه مهارة في اختزال القصص الاجتماعية المعقدة داخل قالب الفيلم القصير، كما يتميّز باختياره الذكي للموسيقى في كل أعماله.

أما “بعد التخرج”، فيقوم ببطولته الممثل الشاب أحمد رمزي؛ وهو صانع محتوى يقدم فيديوهات قصيرة كوميدية -غالبًا- ولديه عدد كبير من المتابعين على منصّتي يوتيوب وفيسبوك.
ويُعد هذا الفيلم خطوة جريئة لأحمد بعد أن اعتاد عليه الجمهور في الأدوار الكوميدية الخفيفة، لكنه هنا يقدّم تجربة درامية تحمل الكثير من المشاعر والمعاني، مما يضعه في اختبار حقيقي لموهبته. كما شارك رمزي في كتابة الفيلم مع المخرج مروان طارق.
تخرج أحمد، من الجامعة ليواجه عقبات الحياة التي لا تنتهي، بدءًا من ملهاة البحث عن وظيفة، مرورًا بنظرة الأهل له وهو جالس في البيت بلا عمل. يصبح أمام أحمد الوظائف المتعارف عليها بين الشباب في مصر (مندوب مبيعات – كول سنتر – كاشير…)، ويضطر أحمد لقبول إحداها بدلًا من البقاء عاطلًا.
يغلف مروان مشاعر أحمد بصوت داخلي (Voice Over)، كعادته، وكأن صوت الشخصيات الذي نسمعه دون أن نراها يزيد وقع الألم، ويُقربنا من مشاعر البطل، ويجعله أكثر صدقًا وعمقًا.
وبسبب ضغوط الحياة، يرضخ أحمد لنصيحة العائلة ويتقدّم لخطبة ابنة خالته (في فيلم “أنا كبرت؟” يقول البطل: “فكرت أتجوز بنت خالتي وخلاص”)، وكأن ما نراه الآن هو تكملة لنفس المسار ومحطة جديدة في حياة البطل ذاته.
ثم، ومن جديد، وبسبب قسوة الحياة، يبحث أحمد عن عمل مسائي (شيفت إضافي) إلى جانب عمله الصباحي، حتى يستطيع تلبية متطلبات الحياة الزوجية الجديدة.
تستمر حياة أحمد في نمط متكرر ومرهق حتى تأتي الفاجعة الكبرى: خبر حمل زوجته، لتكون الذروة الدرامية للفيلم، حيث يصل البطل إلى نقطة اللاعودة في حياة تستهلكه، وتُجهض أحلامه، وتبتلعه ببطء دون أن يشعر.

ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم رغم حكايته البسيطة والمألوفة الطريقة التي يعيد بها المخرج عرض هذا الواقع اليومي وكأنه نداء مكتوم أو صرخة هادئة. أحمد ليس مجرد شاب بعد التخرج، بل هو مرآة لعدد لا يُحصى من الشباب الذين خرجوا من عباءة الجامعة ليجدوا أنفسهم عالقين في مسارات لا تشبههم، ويُدفعون إلى اختيارات لا تنتمي لأحلامهم. في كل استسلام صغير: وظيفة لا يحبها، زواج اختاره الهروب، شيفت إضافي، يُراكم مروان طارق الإحساس بالاختناق، حتى ينفجر الحدث الأخير- خبر الحمل – لا بوصفه فرحة، بل بوصفه الصدمة الكبرى التي تُغلق أبواب الانفراج. الفيلم لا يحكي عن أحمد وحده، بل يلمس جذرًا في جيل كامل يواجه سؤالًا مؤلمًا: ماذا بعد الحلم؟
هل استطاع أحمد رمزي إثبات نفسه من خلال هذا العمل؟
هذا سؤال مبكر. فرغم ما قدمه من محتوى على اليوتيوب، وما رأيناه في هذه التجربة، تؤكد لنا موهبته الواضحة؛ إلا أن الموهبة وحدها لا تكفي. الطريق ما زال طويلًا، وأمامه الكثير ليُثبت نفسه كممثل درامي حقيقي.
عادة يكون الفيلم القصير في مصر دائمًا مظلومًا، ولا يأخذ حقه من النقاش أو العرض، لكن هناك كثير من هذه الأفلام القصيرة ما يستحق النقد والإشادة أيضا، ومنها بالتأكيد هذا الفيلم.
