الوثائقي “قصة صداقة”.. إعادة تشكيل الوعي

في عالم يزداد انقساماً وتطرفاً، تبرز السينما الوثائقية بوصفها أداة توحد المشاعر عبر قصص تمسّ الإنسانية المشتركة، إذ لا شيء يُحرّك المشاعر الإنسانية مثل السينما عندما تلامس القلوب بقصص حقيقية، وفيلم “قصة صداقة”  A Story of Friendship الصادر عام 2025، فيلم وثائقي يتتبع قصة الشاب الذي تحدى إعاقته، ليتحول إلى أرشيف حي يُعيد تشكيل وعي المجتمع تجاه المختلف. المخرج ليام جالفين، المعروف بأعماله التي تبحث في زوايا الإنسانية المهمشة، يقدم هنا عملاً يمسّ المشاهد في صميم إنسانيته، ليس عبر المؤثرات البصرية أو الحوارات المبتكرة، بل عبر صدق اللحظة وقوة القصة. 

الفيلم يتتبع حياة دانييل مولوني، الشاب الذي خاض 30 عملية جراحية لإزالة كيسة ضخمة من وجهه، نموذج حي للشجاعة والتحدي. يغوص الفيلم أيضاً في علاقته بوالده، ولا يكتفي بسرد المعاناة الجسدية. ويليام يمثل تجسيداً للحب الأبوي غير المشروط، وفي صداقته المفاجئة مع أنجيلو، ذاك الغريب الذي أصبح داعماً أساسياً في حياته. يأتي السؤال: كيف تنجح السينما في تحويل هذه القصة إلى تجربة مشاهدة تذوب فيها الحدود بين الشاشة والواقع؟

الفيلم يذكرنا بأعمال سينمائية مؤثرة مثل “الرجل الفيل” The Elephant Man أو “قدمي اليسرى”My Left Foot، حيث يتحول الأرشيف الشخصي إلى منصة لإعادة تعريف “الطبيعي”. لكن ما يفعله هذا الفيلم بشكل فريد هو كسر الحاجز الرابع بين الموضوع والمشاهد عبر الدراما والشفافية المطلقة في عرض الألم والأمل. 

على العكس من المعتاد، يبدأ الفيلم بقصة إنسانية عن التعايش مع الاختلاف وليس عن السيرة المرضية. منذ ولادته، واجه دانييل نظرات الفضول والقسوة، لكن إرادته وحب والده حوّلا مساره من الضحية إلى البطل. السرد هنا يعتمد على المونولوجات الصادقة لوالده، الذي يروي كيف واجه اليأس عندما أخبره الأطباء أن حالة ابنه غير قابلة للعلاج، وكيف تحول هذا اليأس إلى إصرار عندما التقى بالطبيب السيد راسل، الذي منح دانييل فرصة للحياة. المشاهد الأكثر إثارة هي تلك التي يظهر فيها دانييل في موقع بناء، يعمل بكل طاقته رغم عائق الفتحة الرغاميّة في حلقه. الكاميرا تلتقط تناقضاً مؤلماً بين جسده المكسور وروحه التي ترفض الانكسار.

يعتمد المخرج على أرشيف العائلة، مثل لقطات لدانييل طفلاً بعد العمليات، وتسجيلات لصوت والده وهو يروي لحظات اليأس. شهادات الأطباء أيضاً، حيث التسجيلات الصوتية النادرة تظهر كيف كان الطب نفسه عاجزاً أمام حالة دانييل، مما يعكس قصور الأنظمة أمام الإعاقة، ويوميات أنجيلو، الصديق الإيطالي الذي يربط بين معاناة دانييل ومعاناته الشخصية مع العزلة. الفيلم يكتسب عمقاً إضافياً مع دخول أنجيلو، الرجل الإيطالي الذي عانى من العزلة في طفولته، ليجد في دانييل مرآة لمعاناته. المَشاهد بينهما تظهر كيف أن الصداقة يمكن أن تولد من رحم الألم المشترك. أنجيلو، الذي هرب من بلده بسبب التنمر، يرى في دانييل نموذجاً للقوة، بينما يجد دانييل في أنجيلو الصديق الذي يفهمه دون كلمات. 

كون الفيلم منخفض الميزانية لا يقلل من قوته، بل على العكس، اللقطات الطبيعية لدانييل وهو يلعب الهورلينج (رياضة أيرلندية) أو يجلس مع والده في الحقول تخلق شعوراً بالحميمية. الموسيقى التصويرية الخفيفة تعزز الإحساس بالهدوء الممزوج بروح المقاومة، هذا التعدد يخلق نسيجاً سردياً يجبر المشاهد على رؤية الإعاقة كقضية مجتمعية تتطلب فهماً جماعياً وليست مشكلة فردية. 

يتنقل المونتاج بين الماضي، لقطات دانييل في المستشفى محاطاً بالأسلاك مع صوت تنفسه الصناعي، والحاضر، وهو يلعب الرياضة أو يعمل في البناء، مع موسيقى هادئة ترمز لانتصار الحياة. هنا المونتاج صنع ليكون عاطفياً وليس تقنياً بحتاً، هذا التباين يوضح كيف أن الوقت لا يشفي الجروح، لكنه يعلّمنا التعايش معها. يُظهر المونتاج العاطفي تزامن الأصوات، صوت الطبيب الذي يشخص حالته بغير قابلة للعلاج، مع ضحكات دانييل الحالية.

قد لا يكون الفيلم تحفة تقنية، لكنه بالتأكيد تحفة إنسانية تثبت أن السينما ليست بحاجة لميزانيات ضخمة، بل إلى قلب كبير وقصة تستحق الرواية. الفيلم لا ينهي قصته بنهاية درامية، عندما نرى دانييل في إيطاليا، جالساً بين المنازل المخروطية في ألبيروبيلو، ندرك أن الفيلم يحقق ما تطمح إليه الحركات الاجتماعية، تحويل التعاطف إلى فعل وندرك أن السينما يمكن أن تكون جسراً بين العالمين: عالم الأصحاء وعالم ذوي الإعاقة.

Visited 1 times, 1 visit(s) today