“الميكرودراما” أو كيف يمكن اختزال زمن تصوير المسلسلات
منى عمر
ظهرت ظاهرة الميكرودراما أو ما يُعرف بالدراما العامودية في الصين بوصفها شكلا جديدا من أشكال السرد القصصي المخصص لمنصات الهواتف الذكية على الرغم من وجود محاولات سابقة لهذا النوع إلا أنها استطاعت أن تفرض نفسها كنوع درامي مستقل خلال الفترة 2020-2022 وخاصة بعد أن اعتمدتها الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون في الصين ومنحت تراخيص لانتاجها.

لا يمكن تفسير الانتشار الواسع للمايكرودراما بقصر مدتها فقط التي لا يتجاوز الثلاث دقائق للحلقة الواحدة، بل لأنها تعكس تحولًا ثقافيًا في طريقة استهلاك الجمهور للمحتوى، حيث أصبحت السرعة والإشباع الفوري عناصر أساسية في تجربة المشاهدة الرقمية وايضًأ انتشار المنصات الرقمية مثل TikTok و Instagram جعلت المحتوى القصير هو الشكل الأكثر تداولًا واستهلاكًا،حتى اختلاف عادات المشاهدة فأصبح الكثير يتصفحون المحتوى ويشاهدونه في المواصلات او الاستراحات وقبل النوم فبدلًا من الجلوس امام التلفاز لساعة او ساعتين يشاهدون فيها فيلم او مسلسل اصبحت الحلقات القصيرة اكثر ملائمة لنظام حياتهم .
استهدفت فئة الشباب ومستخدمي المنصات الرقمية، لذلك تعتمد هذه الأعمال على الإيقاع السريع والتشويق المستمر للحفاظ على انتباه المشاهد.
تتميز المايكرودراما بأنخفاض تكاليف انتاجها مقارنة بالمسلسلات والأفلام التقليدية، اذ انها قادرة على تصوير عشرات الحلقات خلال 7 الى 10 ايام وبتكاليف اقل بكثير من الانتاجات التلفزيونية المعتادة.
يعد الزمن المهيمنة الرئيسية في دراسة ظاهرة المايكرودراما اذ يقوم هذا النوع من السرد الدرامي بضغط الزمن السردي واختزال الاحداث داخل حلقات قصيرة ولا يقتصر ذلك فقط على مدة الحلقة وانما على بناء القصة وتطور الاحداث مما يؤدي الى خلق ايقاع سردي متسارع يميز المايكرودراما عن اشكال الدراما التقليدية فتقدم الاحداث بصورة مباشرة ومكثفة.
وبذلك عنصر الزمن هو العنصر الرئيسي المهيمن على الطريقه التي تُبنى وتُعرض بها الاحداث داخل هذا القالب الدرامي ولا تنعكس هذه المهيمنة فقط على البناء الدرامي بل تمتد الى مختلف عناصر اللغة السينمائية.
اثرت المهيمنه بشكل مباشر ورئيسي في عناصر اللغة السينمائية ويظهر ذلك بشكل واضح في زمن اللقطة والايقاع والمونتاج فالايقاع يتميز بالسرعة والتكثيف نتيجة قصر مدة الحلقة مما يفرض انتقال متواصل بين الاحداث دون التوقف او التمهيد لفترة طويلة كما تتاثر اللقطة زمنيًأ بتلك المهيمنة اذ تميل الى اللقطة الوظيفية بحيث تؤدي كل لقطة دورًا معينًا يدفع الاحداث الى الامام دون اضافة لقطات لا تأثير لها على البناء الدرامي.
أما على مستوى المونتاج فيعتمد هذا النوع على القطع السريع واختصار الزمن السردي من خلال حذف التفاصيل الثانوية والتركيز على الخط السردي الرئيسي للعمل وبذلك تندمج عناصر اللغة وتتشكل وفقًا لمنطق التكثيف والاختزال بما ينسجم مع طبيعة المشاهدة السريعة عبر مواقع التواصل الرقمي.

احدثت الميكرودراما على المستوى الدلالي تغييرًا كبيرًا اذ اتجهت نحو مبدأ الاقتصاد بالعلامة – لاسباب درامية لها علاقة بالبناء الدرامي وبذلك تنتقل الدلالة من كونها نتيجة لمسار تطوري ممتد إلى كونها معطى شبه فوري يتشكل منذ اللحظات الاولى للعمل ويؤدي هذا التحول إلى تقليص المسافه بين العلامة ومعناها وهذا الامر الذي يجعل الخطاب الدرامي اكثر مباشرة واقل اعتمادًا على التأويلات المتعددة بما ينسجم مع طبيعة التلقي السريع في الفضاء الرقمي.
نتيجة لهذه التحول اصبحت مساحة التأويل اكثر محدودية داخل الخطاب الدرامي فتميل المايكرودراما الى انتاج دلالات مباشرة وواضحة يسهل على المتلقي ادراكها دون الحاجة الى قراءات رمزية معقدة فتصبح العلاقة بين الدوال ومدلولاتها اكثر استقرارًا مقارنة بالسينما والتلفزيون التقليديين اللذين يسمحان بتعدد القراءات والتأويلات فالشخصية الثرية تُقدمَم غالبًا عبر علامات بصرية جاهزة مثل الملابس الفاخرة والسيارات والمنازل الضخمة بينما تُقدم شخصية الضحية من خلال علامات مقابلة يمكن للمشاهد فك شفرتها فورًا دون الحاجة إلى بناء ء دلالي طويل.
فتتخذ العلامه (الدال-المدلول) وظيفة سردية وتداولية على حساب الوظيفه الجمالية للعلامة لصالح تطور وتسريع الاحداث وتستخدم العلامات اساس لنقل المعلومات فتصبح قيمة العلامة مرتبطة بقدرتها على اداء وظيفة درامية مباشرة داخل السرد لا بقدرتها على توليد مستويات مركبة من المعنى فتستخدم الصورة كوسيلة مباشرة لايصال المعنى بدل الاعتماد على الرموز والدلالات المعقدة التي تحتاج وقت اطول للتفسير.
تنتقل الشيفرة في المايكرودراما من الاعتماد على التحول التدريجي للشخصيات اللى الاعتماد على الحدث فيصبح الحدث المفاجئ او الكشف الدرامي هو المصدر الرئيسي المنتج للمعنى بدل من المسار لطويل لتحول العلامة في الدراما التقليدية.
على الرغم من النجاح الكبير الذي حققته المايكرودراما في الاونه الاخيره الا انني أرى ان اعتمادها المفرط على سرعة الحدث وعنصر المفاجأه جعلها تفقد جزءًا من العمق الفني الذي يميز الأعمال الفنية السينمائية والدرامية فتركيزها على جذب انتباه المشاهد بطريقة مستمره قلل من فرص بناء الشخصيات وتطورها كما حد من مساحة التأويل وانتاج المعاني المركبة ومع ذلك تبقى المايكرودراما ظاهرة مهمة لفهم التحولات التي طرأت على السرد الدرامي في البيئة الرقمية المعاصرة.
