“المحطة” الفيلم اليمني في مهرجان كان: تجربة أولى جيدة

كثيرا ما يكون اختيار التعبير المجازي في الأدب والفن، اختيارا مقصودا لإتاحة أكبر قدر من التحرر والخروج عن قيود الواقع، والإفلات من تعقيداته المباشرة، لكنه قد يدفع أيضا إلى الوقوع في التبسيط، والصبغة التعليمية التي تقلل كثيرا من القيمة الفنية للعمل. لكنه يبقى بالطبع، اختيارا مشروعا ويمكن مع ذلك، أن ينتج أعمالا كثيرة متميزة، لو تمكن الفنان، صانع العمل، من الابتعاد عن النمطية والاستعارات الفجة المباشرة، وتجسيد صور شعرية دونما افتعال.  

كان فيلم “المحطة” The Station هو الفيلم “العربي” الذي عرض ضمن تظاهرة “أسبوع النقاد” بالدورة الـ79 لمهرجان كان. وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة اليمنية سارة إسحاق بعد اثنين من الأفلام التسجيلية هما “ليس للكرامة جدران” (2012) الذي رشح للأوسكار، و”بيت التوت” (2013).

اختارت سارة إسحاق موضوعا يتعلق بالوضع الراهن في اليمن، أي بالنزاعات المسلحة الممتدة والمستمرة منذ عقود في الداخل اليمني الذي تمزقه الحروب والصراعات الأهلية. غير أن “المحطة” ليس عن تلك الحروب، أسبابها وتفاصيلها وخلفياتها لكنها الخلفية الواضحة لأحداث الفيلم وحركة شخوصه.

وقد تكون هذه ميزة كونها تخلق مجالا للتعبير الحر عن الفكرة بعيدا عن الأشكال والتفاصيل التي تتكرر كثيرا في الأفلام التسجيلية، ولكنها من ناحية أخرى قد تجعل هناك فراغا ما في البنية السردية للفيلم.

هنا يتم تجريد وتبسيط النزاع، وحصره “نظريا ومجازيا” بين مجموعتين تطلق عليهما سارة: الصناديد والمغاوير، كما تجعل الأحداث تدور في معظمها، داخل محطة وقود في قلب الصحراء، بعيدا عن المدينة تماما، فلا توجد مدن محددة هنا، بل ما يشبه الواحة الصغيرة المحاطة بالأسوار، فهي محطة للتزود بالوقود مخصصة للنساء فقط، أي يحظر على الرجال دخولها، لكن من الواضح أن الرجال يفرضون سيطرتهم عليها من الخارج، ولو من خلال “أم عبد الله” زوجة ما يشار إليه بـ”الشيخ” الذي لا نراه أبدا لكن الواضح أنه يهيمن على المنطقة التي تقع داخل نفوذ “الصناديد”.

هناك على بوابة المحطة لافتة تقول بوضوح “ممنوع الرجال، ممنوع الأسلحة، ممنوع السياسة”. ويتعين على النساء اللاتي يدخلن خلع أي شارات تدل على الانتماء. وهذا جيد، ومقبول من جانب الجميع، فهي إذن منطقة محررة، لكن ليس تماما فهناك من يراقب ويتحكم.  

تدير المحطة امرأة شابة هي “ليال”. ونفهم أن الوقود أصبح هو العملة الصعبة في هذا العالم المتخيل. وهو مطلوب ليس فقط لقيادة السيارات التي تقودها النساء أيضا من دون قيود، ولكن للطهي والإنارة وكل شيء. وهناك ما يشبه التقاتل من أجل الحصول عليه وهو شحيح ويأتي بصعوبة إلى تلك المحطة.

لكن الأهم أن “المحطة”، رغم المحنة المستمرة، أصبحت واحة للحرية، تتجمع فيها النساء، يكشفن عن وجوههن، يدخن الشيشة، يتبادلن سلعا مثل أدوات التجميل وباروكات الشعر، وجميعهن يضحكن ويشتركن في الغناء والتعبير عن الذات حتى من خلال النكت والسخرية من الرجال، ولكن أين الرجال؟ لقد ذهبوا جميعا الى الحرب، وليال تخفي معها داخل المحطة شقيقها الصغير “ليث” (12 عاما) لأن جميع الأولاد في هذا السن يتعين إرسالهم إلى القتال، وهني لا تريد أن تفقده كما سبق أن فقدت شقيقها الآخر.

والآن تأتي أم عبد الله تطالب ليال إما بتسليم ليث لإرساله للحرب، أو دفع “الفدية” وهو مبلغ كبير لا تقدر عليه، فتتصل بشقيقتها “شمس” التي تقيم في منطقة أخرى (تحت نفوذ المغاوير) تطالبها برد نصيبها من الميراث، لكن شمس بددت المال.

العلاقة بين ليال وشمس متوترة، لأن شمس فشلت في حماية زوجها وشقيقها من الموت في الحرب بسبب أنانيتها وجشعها، ولكنها الآن أصبحت راغبة في التكفير عن ذنبها، وهي تعتزم مساعدة ليال بطرق أخرى. وسوف تتجه بسيارتها التي تضع فيها أوعية ضخمة من الوقود إلى “المحطة”، لكنها يتعين عليها حسب قوانين المجموعة المتحكمة “المغاوير”، الانتقال بصحبة “مرافق” أو رجل، ولكنه شاب مراهق صغير آخر هو “أحمد”، الذي سيرغم على الاختباء داخل المحطة مع ليث!

طبعا الفيلم يصور لنا كيف أصبح الأطفال وقودا للحرب، بل إن الحرب أصبحت هي الهاجس الأساسي الذي سيطر عليهم، بدعوى أنها يمكن أن تصنع منهم أبطالا.

لا يتطور السرد كثيرا، في النصف الثاني من الفيلم الذي يركز على عالم النساء من وجهة نظر نسائية واضحة وانحياز مباشر، يجعل النساء يشعرن بالسعادة والتحرر في غيبة الرجال رغم أن الفيلم يشير بوضوح إلى ما أدت إليه الحرب من مقتل الرجال بالآلاف كما نرى في اللقطة الأخيرة المعبرة من الفيلم، والتي تكشف عن آلاف المقابر الموزعة في الصحراء للذين فقدوا أرواحهم في النزاعات المسلحة التي يقول لنا الفيلم إنها نزاعات عبثية، لا طائل من وراءها.

ولكن مشكلة التجريد والتبسيط وكون الفيلم يبتعد عن لمس طبيعة الصراع، ولا يكشف شيئا عن تلك الحرب، بل وحتى تجريد المكان نفسه يجعل من الممكن أن تكون هذه الأحداث في أي مكان مماثل في العالم العربي، كما تصبح الرسالة المسبطة “التعليمية” مكررة وعمومية. إلا أن هذا التجريد هو اختيار مقصود لإبعاد الموضوع عن ملامسة الواقع، وحصره في تلك الرسالة البسيطة المثالية عن قدرة النساء على الاحتفال بالحياة رغم المآسي التي يتعرضن لها، وتأكيد فكرة التضامن النسوي الذي يجعلهن ينصهرن معا رغم كل الاختلافات، بما في ذلك أم عبد الله التي كانت تبدي شراسة وهيمنة كأداة منفذة للرجل، ثم تنحاز في النهاية إلى المساء وتقف معهن لمقاومة نفوذ الرجال الذين لا يظهرون في الفيلم سوى مرة واحدة فقط. وهي رؤية “طوباوية” في النهاية لا تنسج مع حقائق الأمور بل تبدو مفروضة قصديا، من خارج الفيلم.

لا بأس.. هي تجربة أولى تعكس حساسية خاصة في تناول الموضوع، وتصوير يكثف العزلة في قلب الصحراء، وكيف تصبح هذه العزلة نفسها مدخلا للتحرر والانطلاق، مع رؤية بصرية جيدة، وتوظيف ممتاز لأحجام اللقطات وزوايا التصوير، مع إدراك للطبيعة اللونية التي تميز المشاهد الخارجية، مع إضفاء أجواء شبيهة بأجواء الحلم في المشاهد الداخلية، وهو ما نجح فيه مدير التصوير المغربي أمين برادة.

سارة إسحاق

اعتمدت سارة إسحاق على عدد كبير من الممثلات، معظمهن من غير المحترفات، ونجحت في إدارتهن بشكل جيد، وفي اقتناص الكثير من لحظات التعبير التلقائي، كما نجحت في إشاعة جو من الانسجام فيما بين الجميع، في الأداء، وخلق مشاهد تفيض بالمرح والتعبير الرمزي المكثف كما في المشهد الذي نرى فيه النساء ينزعن أغطية الرأس، ويلقين بها من فوق البوابة لإجبار الرجال على التوقف عن اقتحام المحطة، حيث لا يجوز للرجال رؤية نساء عاريات الوجوه، غير محجبات!  

جرى تصوير الفيلم في الأردن نتيجة استحالة التصوير في اليمن، واشتركت في إنتاج الفيلم جهات عديدة: من اليمن والأردن وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج وقطر.