الكباريه في السينما وعلاقته بالسياسة الدولية
مرسلي لعرج *
1-الفضاء كسوسيولوجيا: بناء اجتماعي ومعنى
تعريف الفضاء سوسيولوجيا:
في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، لا يُنظر إلى الفضاء (Space) كمجرد فراغ جغرافي أو مساحة هندسية صماء، بل هو بناء اجتماعي نتاج للتفاعلات والعلاقات الإنسانية.
أبرز ملامح تعريف الفضاء من منظور سوسيولوجي:
1. الفضاء كمنتج اجتماعي
يرى عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر أن “الفضاء يُنتج اجتماعيًا”. هذا يعني أن المجتمع يشكل الفضاء بناءً على قيمه، واحتياجاته، وصراعات القوة فيه. الفضاء ليس “إناءً” نوضع فيه، بل هو مرآة تعكس طبيعة العلاقات الطبقية والثقافية.
2. الفرق بين المكان (Place) والفضاء (Space)
يميز السوسيولوجيون غالبًا بين المصطلحين:
- الفضاء: هو المفهوم الأكثر تجريدًا وحركة، المرتبط بالتدفقات والاتصالات والامتداد.
- المكان: هو جزء من الفضاء اكتسب معنىً وقيمة عاطفية أو تاريخية لدى الأفراد (مثل البيت، الحي، أو المقاهي الشعبية).
3. الفضاء والسلطة
الفضاء أداة للهيمنة والضبط الاجتماعي. فمن خلال تصميم المدن، تقسيم الأحياء، أو حتى توزيع المكاتب في الشركات، يتم ممارسة السلطة.
مثال: السجون أو المجمعات السكنية المغلقة (Gated Communities) هي أشكال من تنظيم الفضاء لفرض العزل أو المراقبة
أبعاد الفضاء عند لفيفر
لتبسيط الفكرة، وضع لوفيفر “الثالوث الجدلي” للفضاء:
| البعد | الوصف |
| الفضاء المدرك | الممارسة المادية اليومية (الطرق، التنقل، العمل). |
| الفضاء المتصور | فضاء المهندسين والمخططين (الخرائط والرؤى النظرية). |
| فضاء المتخيل | كيف يعيش الناس الفضاء فعليًا من خلال الرموز والفن والذاكرة. |
باختصارالفضاء سوسيولوجيًا هو “هندسة العلاقات الاجتماعية”؛ فهو يؤثر في سلوكنا (كيف نمشي، أين نجلس، مع من نتحدث) ويتأثر بقراراتنا وصراعاتنا كبشر.
- الكباريهات في السينما والسياسة العالمية
عدد كبير من الأفلام جرت أحداثها في الكباريهات وكان لها تأثير في الأحداث السياسية والديبلوماسبة العالمية والعلاقات الدولية، فهذا موضوع شيق جداً، فالسينما العالمية لطالما استخدمت “الكباريه” أو الملهى الليلي ليس فقط كمكان للترفيه، بل كـ مساحة محايدة تلتقي فيها الأطراف المتصارعة، وتُحاك فيها المؤامرات الدبلوماسية بعيداً عن أعين البروتوكولات الرسمية.
وهذه أبرز الأفلام التي جسدت الكباريه كمركز للثقل السياسي والدبلوماسي العالمي:
1. كازابلانكا (Casablanca -1942)
لا يمكن الحديث عن هذا الموضوع دون البدء بـ “حانة ريك” (Rick’s Café Américain). هذا الفيلم ليس مجرد قصة حب، بل هو وثيقة سينمائية عن الحياد السياسي واللجوء.

- السياق السياسي: تدور الأحداث في مدينة الدار البيضاء المغربية تحت حكم “فرنسا فيشي” خلال الحرب العالمية الثانية.
- التأثير الدبلوماسي: الملهى كان بمثابة “منطقة دولية” مصغرة يجتمع فيها الجواسيس النازيون، المقاومة الفرنسية، واللاجئون الفارين من أوروبا. مشهد غناء “نشيد المارسيليز” داخل الملهى للتغطية على الأغاني النازية يُعتبر من أقوى المشاهد التي تجسد المقاومة الثقافية والسياسية.
- الأثر الواقعي: ساعد الفيلم في حشد الدعم الشعبي الأمريكي للتدخل في الحرب وتغيير نظرة العالم لتعقيدات السياسة في شمال أفريقيا.
2. كباريه (Cabaret -72)
هذا الفيلم يدرس كيف يمكن للمناخ الاجتماعي داخل الملاهي أن ينبئ بسقوط دول وقيام أنظمة دكتاتورية.
- السياق السياسي: برلين في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، خلال “جمهورية فايمار” وقبيل صعود الحزب النازي.
- التأثير الدولي: يصور الفيلم كيف كان المجتمع الدولي (عبر السياح والدبلوماسيين في برلين) يتجاهل صعود الفاشية بينما هم غارقون في صخب الملهى.
- الرسالة: الملهى هنا كان “مجهراً” سياسياً يوضح كيف تآكلت الديمقراطية الألمانية من الداخل، مما أدى لاحقاً إلى تغيير خارطة العالم السياسية بالكامل.
3. غاندي (Gandhi -1982)
رغم أن الفيلم سيرة ذاتية سياسية، إلا أن هناك مشهداً محورياً في ملهى/نادي اجتماعي في جنوب أفريقيا (نادي النخبة البريطاني).
- السياق الدبلوماسي: يبرز الفيلم كيف كانت “الكباريهات” والنوادي الخاصة مكاناً لترسيخ سياسات الفصل العنصري (Apartheid) واتخاذ القرارات الاستعمارية.
- التأثير: سلط الضوء على أن القرارات التي تُتخذ في هذه الأماكن الترفيهية المغلقة كانت هي المحرك للثورات الدبلوماسية والمقاومة السلمية التي غيرت وجه الهند والعالم.
4. ميونخ (Munich -2005)
في أفلام الجاسوسية الحديثة، يتحول الكباريه إلى ساحة لتنفيذ الأجندات السياسية السرية.
- السياق السياسي: تتبع أحداث ما بعد عملية ميونخ 1972 والصراع الاستخباري بين الموساد والمنظمات الفلسطينية في أوروبا.
- الدور الدبلوماسي: تظهر الحانات والملاهي الليلية في باريس وقبرص كأماكن أساسية لتبادل المعلومات بين العملاء الدوليين. الفيلم يوضح كيف تُدار “الدبلوماسية الموازية” (خارج الغرف المغلقة) عبر الاغتيالات والصفقات السرية في أماكن السهر.

ملخص التأثير السياسي لهذه المواقع في السينما:
| الفيلم | المكان | القيمة السياسية |
| Casablanca | المغرب | ملاذ للاجئين ومركز لجمع المعلومات الاستخباراتية. |
| Cabaret | ألمانيا | مرآة لصعود الأنظمة الشمولية وانهيار الديمقراطية. |
| The Third Man | النمسا | يصور تقسيم فيينا بين القوى العظمى في بداية الحرب الباردة. |
بهذا الجانب التحليلي للسينما، من خلال أبرز هذه الأفلام وكيف أثرت في المشهد السياسي والدبلوماسي: أفلام الحرب الباردة (بين عامي 1947 و1991) هي العصر الذهبي لاستخدام “الكباريه” كأداة دبلوماسية وسياسية، حيث كان العالم مقسماً بين معسكرين، وكانت الملاهي الليلية في المدن “المحايدة” أو “المقسمة” (مثل برلين، فيينا، وهونغ كونغ) هي الغرف الخلفية لرسم السياسات الدولية.
1. الرجل الثالث (The Third Man -1949)
يُعتبر هذا الفيلم “إنجيل” السينما السياسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.
- الموقع السياسي: فيينا المقسمة إلى أربعة قطاعات (أمريكي، بريطاني، فرنسي، وسوفيتي).
- دور الكباريه: تدور أغلب النقاشات الدبلوماسية والسرية في حانات فيينا المظلمة. الفيلم عكس حالة التوتر الدبلوماسي المبكر بين الحلفاء السابقين (أمريكا والاتحاد السوفيتي) حول من سيسيطر على أوروبا.
- التأثير: ساهم الفيلم في تشكيل الوعي الغربي حول “الستار الحديدي” وكيف أصبحت الجريمة المنظمة والسياسة الدولية وجهين لعملة واحدة في المدن المحتلة.
2. الملف الميت (The Ipcress File -1965)
في هذا الفيلم، نرى الجاسوس “هاري بالمر” (مايكل كين) يتحرك في عالم ملاهي لندن.
- السياق الدبلوماسي: الفيلم يصور كيف كانت بريطانيا تحاول الحفاظ على هيبتها الدبلوماسية بين القوى العظمى.
- التأثير: كسر الفيلم الصورة النمطية “للرجل الدبلوماسي” الأنيق، وأظهر أن القرارات الدولية الكبرى تُتخذ في أماكن السهر الرخيصة والمشبوهة، مما أدى إلى تغيير نظرة الرأي العام لعملية صنع القرار السياسي.
3. الجاسوس الذي جاء من البرد (The Spy Who Came in from the Cold – 1965)

- السياق السياسي: جدار برلين وتصاعد حدة المواجهة بين الشرق والغرب.
- دور المكان: يستخدم الفيلم الحانات الرثة والملاهي كأماكن “لغسيل الأدمغة” وتجنيد المنشقين السياسيين.
- الأثر الدولي: الفيلم كان له تأثير دبلوماسي كبير لأنه كشف للعالم أن الصراع بين الديمقراطية والشيوعية ليس “أبيض وأسود”، بل هو صراع قذر يتم في الخفاء، مما أحرج الحكومات التي كانت تروج لمثالية أهدافها السياسية.
4. ثلاثة أيام للكوندور (Three Days of the Condor -1975)
رغم أنه فيلم تشويق، إلا أنه يبرز “السياسة الخارجية للولايات المتحدة” تجاه الشرق الأوسط والنفط.
- التأثير السياسي: يُظهر الفيلم كيف أن المخابرات (التي تمثل الذراع الخفي للدبلوماسية) تعمل خارج إطار القانون. المشاهد التي تجري في أماكن عامة أو ترفيهية كانت توضح كيف يتم التخطيط لقلب أنظمة حكم دولية لتأمين المصالح الاقتصادية.
لماذا كان “الكباريه” مكاناً استراتيجياً للدبلوماسية في هذه الأفلام؟
- الضجيج كغطاء: صوت الموسيقى الصاخب يسمح بتبادل الأسرار دون خوف من أجهزة التنصت (التي كانت بدائية آنذاك).
- تعدد الجنسيات: الكباريه هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه لمسؤول سوفيتي أن يلتقي بملحق عسكري أمريكي دون إثارة الشكوك.
- تبادل العملاء: كانت هذه الأماكن تُستخدم كـ “صندوق بريد” بشري لتبادل الصفقات الدبلوماسية السرية.
السينما المصرية كانت بارعة في استخدام “الكباريه” أو الملهى الليلي كرمز للسلطة، والفساد، والتحولات السياسية الكبرى. في هذه الأفلام، لم يكن الكباريه مجرد مكان للرقص، بل كان “برلماناً موازياً” تُصاغ فيه القرارات السياسية وتُحاك فيه المؤامرات التي غيرت تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية.
- كيفية تصوير “الجاسوس العربي” في الملاهي الأوروبية في أفلام الثمانينات، مثل فيلم “الصعود إلى الهاوية”؟
يعتبر فيلم “الصعود إلى الهاوية” (1978) حجر الزاوية في هذا النوع من السينما، فهو لم يكتفِ بتقديم قصة جاسوسية، بل قدم تشريحاً دقيقاً لكيفية سقوط “النخبة العربية” في فخاخ المخابرات الدولية داخل ملاهي باريس وأوروبا، وسنرى كيف لعب الكباريه والمناخ الترفيهي الأوروبي دوراً في تغيير مسار الصراع العربي الإسرائيلي عبر هذا الفيلم وأفلام مشابهة:
1. الصعود إلى الهاوية (1978)

الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية للجاسوسة “هبة سليم”، ويعد من أكثر الأفلام التي أظهرت “الاستلاب السياسي”.
- الكباريه كفخ دبلوماسي: تبدأ عملية تجنيد “عبلة” (مديحة كامل) في ملاهي باريس. هنا، لم يكن الملهى مجرد مكان للرقص، بل كان بيئة مصممة بدقة من قبل “الموساد” لعزل الشخصية عن هويتها الوطنية وإبهارها بالعالم الغربي.
- التأثير السياسي الدولي: الفيلم كشف كيف أن تسريب المعلومات التي تمت في جلسات سمر في أوروبا أدى إلى خسائر استراتيجية فادحة (مثل منصات الصواريخ).
- الرسالة الدبلوماسية: وجه الفيلم رسالة حادة للدبلوماسيين والطلاب العرب في الخارج بأن “الحدود الوطنية تبدأ من سلوكك الشخصي في الخارج”، وأصبح الفيلم أداة توعية سياسية رسمية في ذلك الوقت.
2. إعدام ميت (5)
هنا ننتقل إلى الصراع الاستخباراتي المباشر حول “المشروع النووي”.
- الموقع: ملاهي ليلية في أوروبا تُستخدم كنقاط التقاء بين الجواسيس العرب والمشغلين الإسرائيليين.
- الدور السياسي: يبرز الفيلم كيف يتم استغلال “نقاط الضعف” البشرية داخل هذه الأماكن لانتزاع أسرار عسكرية تخص الأمن القومي العربي، مما يؤثر بشكل مباشر على ميزان القوى في الشرق الأوسط.
3. مهمة في تل أبيب (1992)
رغم طابعه التجاري، إلا أنه يركز على فكرة “التغلغل داخل العمق”.
- السياق: فنانة مصرية تعيش في باريس ويتم تجنيدها للعمل في قلب تل أبيب.
- التأثير: الفيلم يستخدم فكرة “الغطاء الفني” (العمل في الملاهي أو الوسط الفني) للوصول إلى كبار القادة السياسيين والدبلوماسيين في إسرائيل، مما يوضح أن “الكباريه” قد يكون أقصر طريق للوصول إلى طاولة المفاوضات أو غرف العمليات الحربية.
لماذا ركزت هذه الأفلام على “كباريهات أوروبا” تحديداً؟
- الإغواء الأيديولوجي: في فترة السبعينات والثمانينات، كان الكباريه الأوروبي يمثل “الحرية الزائفة” التي استُخدمت لإسقاط المعارضين أو أصحاب النفوذ.
- غياب الرقابة: خارج حدود الوطن، يشعر الشخص (دبلوماسياً كان أو طالباً) بالتحرر من القيود، مما يجعله صيداً سهلاً لعملاء المخابرات الذين يرتدون ثياب “رواد الملاهي” العاديين.
- صناعة “العميل المزدوج”: أغلب عمليات تبادل الأدوار السياسية والخيانات الدبلوماسية في السينما العربية بدأت بكأس أو سهرة في ملهى بـ (باريس، روما، أو لندن).
حقائق سينمائية/ سياسية:
في فيلم “الصعود إلى الهاوية”، كانت الجملة الشهيرة في النهاية: “هي دي مصر يا عبلة” (بينما الطائرة تقترب من المطار)، صرخة سياسية تؤكد أن العودة من عالم “الملاهي الدولية” إلى أرض الواقع السياسي غالباً ما تكون مؤلمة ومدمرة إذا كانت مبنية على خيانة.
- السينما المصرية واستخدام الكباريه
السينما المصرية كانت بارعة في استخدام “الكباريه” أو الملهى الليلي كرمز للسلطة، والفساد، والتحولات السياسية الكبرى. في هذه الأفلام، لم يكن الكباريه مجرد مكان للرقص، بل كان “برلماناً موازياً” تُصاغ فيه القرارات السياسية وتُحاك فيه المؤامرات التي غيرت تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية.
1. غروب وشروق (1970)

يعتبر هذا الفيلم من أهم الأفلام التي رصدت “نهاية حقبة” وبداية أخرى من خلال الملهى الليلي.
- السياق السياسي: تدور الأحداث في الفترة التي سبقت ثورة يوليو 1952، وتحديداً بعد حريق القاهرة.
- التأثير: يصور الفيلم كيف كان “رئيس القلم السياسي” (صلاح ذو الفقار) يسيطر على الدولة من خلال شبكة من العلاقات داخل أماكن السهر. الفيلم كشف كيف أن القرارات الدبلوماسية والسيادية كانت تُتخذ بناءً على نزوات شخصية وفضائح تُدار داخل هذه الأماكن.
- الرسالة: الملهى هنا كان رمزاً لـ سقوط النظام الملكي وتفكك نفوذ الاستعمار البريطاني الذي كان يرتاد هذه الأماكن.
2. ميرامار (1969)
رغم أنه يدور في “بنسيون”، إلا أن المشاهد المرتبطة بالسهر والحياة الليلية في الإسكندرية كانت جوهر الصراع السياسي.
- السياق الدولي: يعكس الفيلم الصراع بين التوجهات السياسية المختلفة (الوفدي، الإخواني، والاشتراكي) في مرحلة ما بعد الثورة.
- الأثر الدبلوماسي: الفيلم (المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ) كان جريئاً في نقد “الاتحاد الاشتراكي” وتأثير السياسات الداخلية على مكانة مصر الدولية، مما أثار جدلاً سياسياً واسعاً عند عرضه وتطلب تدخلاً من القيادة السياسية للسماح به.
3. كشف المستور (1994)
هذا الفيلم هو “الأخطر” فيما يتعلق بالعمل الدبلوماسي وأجهزة المخابرات.
- السياق السياسي: يتحدث عن تجنيد النساء في الستينات والسبعينات للقيام بعمليات “دبلوماسية ناعمة” أو جاسوسية لصالح أجهزة الدولة.
- الدور السياسي للملهى: الفيلم يوضح كيف تم استخدام الملاهي الليلية والوسط الفني للإيقاع بمسؤولين ودبلوماسيين أجانب للحصول على تنازلات سياسية أو أسرار دولية.
- التأثير: أحدث الفيلم ضجة هائلة لأنه كشف عن “الجانب المظلم للدبلوماسية” وكيف يمكن أن تُدار علاقات دول بابتزاز يُحاك في غرف الملاهي المغلقة.
4. الراقصة والسياسي (1990)

فيلم يجسد المواجهة المباشرة بين “القوة الناعمة” (الفن/الكباريه) و”القوة الصلبة” (السياسة).
- السياق: صراع بين راقصة شهيرة وسياسي مرموق كان يرتاد ملهى ليلياً في الماضي.
- الأثر: الفيلم يطرح تساؤلاً سياسياً عميقاً: من يملك التأثير الأكبر على الجماهير؟ وكيف يمكن للماضي “الترفيهي” للسياسيين أن يهدد مستقبلهم الدبلوماسي ومكانة دولتهم.
مقارنة سريعة: الملهى بين السينما العالمية والعربية
| وجه المقارنة | السينما العالمية (كازابلانكا/ميونخ) | السينما العربية (غروب وشروق/كشف المستور) |
| الوظيفة | مركز استخبارات دولي وتبادل لاجئين. | أداة سيطرة داخلية وابتزاز سياسي. |
| الرمزية | منطقة محايدة في صراعات كبرى. | مرآة لفساد السلطة أو تغيير الأنظمة. |
| الشخصية المحورية | الجاسوس أو الدبلوماسي المتخفي. | الضابط ذو النفوذ أو الفنانة المجندة. |
- السينما الحديثة وتغيير النظرة لهذه الفضاءات
تغيرت نظرة السينما الحديثة (بعد عام 2000) لهذه الفضاءات، حيث أصبح “المستثمر الدولي” أو “رجل الأعمال العابر للحدود” هو بطل المشهد في الملهى بدلاً من الجاسوس التقليدي؟
في السينما الحديثة (ما بعد عام 2000)، تغيرت قواعد اللعبة السياسية. لم يعد “الكباريه” مجرد وكر للجواسيس بملابسهم الواقية من المطر، بل تحول إلى صالة عرض للقوة المالية والعولمة. في هذه الأفلام، أصبح الملهى الليلي هو المكان الذي تلتقي فيه “الحكومات الخفية”: رجال الأعمال، تجار السلاح، والمستثمرون العابرون للقارات، وسنتطرق إلى كيف جسدت السينما الحديثة هذا التحول وتأثيره على العلاقات الدولية:
1. ذئب وول ستريت (The Wolf of Wall Street – 2013)
هذا الفيلم لا يتحدث عن الجاسوسية، بل عن “الإرهاب المالي” الذي لا يقل خطورة.
- الدور السياسي: تظهر الملاهي الليلية في نيويورك وسويسرا كساحات تُنتهك فيها القوانين الدولية. هنا يتم غسيل الأموال وتهريبها خلف الستار الترفيهي، مما يؤدي إلى هزات اقتصادية عالمية.
- الأثر: الفيلم يوضح كيف أن “الفساد الأخلاقي” داخل هذه الأماكن هو المحرك الحقيقي لسياسات السوق التي تؤثر على معيشة الملايين حول العالم.
2. سريانا (Syriana -2005)
فيلم معقد جداً يشرح كيف تُدار سياسات النفط الدولية.
- الموقع: الملاهي والمجالس الخاصة في الخليج وأوروبا.
- التأثير الدبلوماسي: يصور الفيلم كيف يتم عقد صفقات دمج شركات النفط العملاقة والتخطيط للانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث داخل أماكن السهر الفارهة. الملهى هنا ليس للرقص، بل هو “غرفة عمليات” لرسم حدود الدول بناءً على مصالح الطاقة.
3.ليلة هنا وسرور (2018)

تبدأ الأحداث بقصة حب تجمع بين سرور (محمد إمام) وهنا (ياسمين صبري). يقرر الاثنان الزواج، ولكن في ليلة زفافهما، تنقلب الأمور رأسًا على عقب.
يكتشف “سرور” أن هناك عصابة خطيرة تطارده بسبب “حقيبة” غامضة يدّعي الجميع أنها تحتوي على شيء ثمين للغاية. تتصاعد الأحداث عندما يجد العروسان نفسيهما في مطاردات مستمرة تبدأ من فندق الزفاف وتستمر طوال الليل، حيث يحاول سرور حماية هنا وفي نفس الوقت الهروب من رجال العصابة.
الشخصيات الرئيسية
- سرور (محمد إمام): شاب يدعي أنه رجل أعمال ناجح، لكنه في الحقيقة متورط مع عصابات دولية ويتمتع بمهارات قتالية عالية.
- هنا (ياسمين صبري): زوجة سرور الرقيقة التي تُصدم بالواقع المليء بالعنف والمطاردات في ليلة عرسها.
- عشاء (فاروق الفيشاوي): زعيم العصابة والمنافس الرئيسي لسرور في الفيلم.
- كرم جابر: يظهر بطل المصارعة الرومانية في دور أحد رجال العصابة الأقوياء الذين يطاردون سرور.
الثيمات الأساسية
- الكوميديا والمفارقة: يعتمد الفيلم على “كوميديا الموقف”، حيث توضع الشخصيات الرقيقة (مثل هنا) في مواقف عنيفة وخطرة.
- الأكشن السينمائي: تميز الفيلم بمستوى عالٍ من تصميم المعارك والمطاردات، خاصة مع استقدام خبراء أكشن أجانب.
- الغموض: تظل هوية “الحقيبة” وما بداخلها لغزًا يقود المحرك الأساسي للأحداث.
لماذا حقق نجاحًا؟
اعتمد الفيلم على “الكيمياء” الناجحة بين محمد إمام وياسمين صبري بعد تعاونهما السابق في فيلم “جحيم في الهند”، بالإضافة إلى مزجه بين الضحك والإثارة، مما جعله مناسبًا للجمهور العريض خلال موسم عيد الفطر.
في السينما المصرية الحديثة، تحول “رجل الأعمال الفاسد” إلى النسخة العصرية من “باشا” ما قبل الثورة.
- السياق: الملاهي الليلية في “دبي” أو “القاهرة” تظهر كمركز لـ مافيا دولية.
- التحول: السياسة لم تعد صراعاً على “أيديولوجيا” (شيوعية ضد رأسمالية)، بل أصبحت صراعاً على “نفوذ مالي”. الملهى الليلي في هذه الأفلام هو المكان الذي يوقع فيه “المستثمر الدولي” صفقات مشبوهة تؤثر على القرارات السيادية للدول.
كيف اختلف “كباريه القرن الـ 21” عن السابق؟
| الميزة | سينما الحرب الباردة (الماضي) | السينما الحديثة (الحاضر) |
| الهدف | سرقة “ميكروفيلم” أو سر عسكري. | توقيع صفقة بمليارات الدولارات أو غسيل أموال. |
| العدو | جاسوس من دولة معادية. | نظام بنكي مخترق أو رجل أعمال فوق القانون. |
| لغة الحوار | شفرات سياسية وأيديولوجية. | لغة الأرقام، البورصة، والعملات الرقمية. |
| الرمزية | الخيانة الوطنية. | الفساد المؤسسي العابر للحدود. |
الخلاصة:
السينما أخبرتنا أن “الكباريه” هو المكان الذي تخلع فيه السلطة رداءها الرسمي لتكشف عن وجهها الحقيقي. سواء كان جاسوساً في الأربعينات أو مضارباً في البورصة في 2026، يظل الملهى الليلي في السينما هو المختبر الذي تُصنع فيه التحولات الكبرى بعيداً عن صخب البرلمانات.
أستاذ بقسم علوم الإعلام والاتصال- جامعة وهران 1 – الجزائر
