الفيلم الإيراني «طاقة نور» في مهرجان لندن السينمائي

أمير العمري – لندن

 

بعد عرضه ضمن المسابقة الدولية في مهرجان فينيسيا السينمائي، وصل الفيلم الإيراني «طاقة نور» (A Bit of Light) إلى مهرجان لندن السينمائي السبعين، الذي يتيح لجمهور هذه المدينة الكبيرة، عادةً، مشاهدة مختارات من أفضل الأفلام التي عُرضت في كبرى المهرجانات السينمائية حول العالم. وهكذا، تسنح الفرصة لمشاهدة أفلام لم نتمكن من مشاهدتها، أو فاتتنا مشاهدتها في كان وفينيسيا وبرلين وغيرها، بسبب كثرة الأفلام وازدحام البرنامج اليومي.

«طاقة نور» من إخراج علي عسكري، الذي سبق أن شاهدنا له فيلمه البديع «آيات أرضية» في مهرجان كان السينمائي عام 2023، وهو الفيلم الذي أثار غضب السلطات في بلاده بسبب جرأته الكبيرة. ثم شاهدنا له «كوميديا إلهية» في مهرجان فينيسيا العام الماضي، حيث واصل توجيه الانتقادات السياسية من خلال أسلوب فني غير مباشر. ولا يزال عسكري يعمل داخل إيران، رغم ما يتعرض له من متاعب مع الرقابة والسلطات، ويواصل توجيه النقد السياسي، وإن كان ذلك على نحو مستتر بعض الشيء.

بدأ علي عسكري تصوير فيلمه الجديد في إيران، ثم اضطر إلى الانتقال إلى تركيا بسبب اشتعال الحرب بين بلاده والولايات المتحدة، حيث استكمل تصوير بعض المشاهد الداخلية، مستعينًا بعدد من الممثلين الإيرانيين المقيمين في الخارج.

يدور الفيلم حول طبيب في منتصف العمر يُدعى «آراش»، يعتزم إنهاء حياته بالانتحار، بعد أن اعتُقل بسبب تقديمه العلاج لعدد من المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجًا على الأوضاع القائمة في البلاد، وذلك قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما على النظام الإيراني. لكن الفيلم لا يصوّر أجواء المظاهرات، على نحو ما فعل محمد رسولوف، مثلًا، في فيلمه الرائع «بذرة التين المقدسة». ومع ذلك، أغلقت السلطات عيادة آراش، وسحبت ترخيص مزاولته مهنة الطب، وحرمته بذلك من حقوقه الطبيعية، كما ألقت القبض عليه.

يبدأ الفيلم بعد أن يكون آراش قد خرج لتوّه من السجن، وقد ظهرت عليه علامات الاكتئاب الشديد. ويدفعه شعوره بالعزلة والاكتئاب إلى اتخاذ قرار بالانتحار، لكنه يجد أنه من الضروري إخبار أفراد عائلته، وهم شقيقه الأصغر «مازيار» وشقيقتاه مهسا وماسي، فضلًا عن أمه المسنّة التي تقيم وحدها.

يجوب آراش المدينة بسيارته، لكي يترك لشقيقتيه أواني الزهور والنباتات التي كانت لديه، كما يترك قطته لشقيقه الأصغر مازيار، كي يرعاها بعد رحيله الوشيك عن الحياة. ويدور الفيلم كله خلال يوم واحد، يجد آراش نفسه فيه أمام مواقف إنسانية تستدعي تدخله، حتى لو اقتضى الأمر نزع الشمع الأحمر الذي وضعته السلطات على باب عيادته لإغلاقها رسميًا. فهو لم يعد يبالي بما يقوله زميله الذي يلومه على المتاعب التي تسبب فيها لهم جميعًا.

لكن وجود آراش، في نهاية اليوم، وسط أفراد عائلته الذين يحاولون، دون جدوى، ثنيه عن قراره، ثم اجتماعهم على العشاء في منزل أمه، التي يتردد كثيرًا في إطلاعها على قراره بإنهاء حياته، يشير في خاتمة الفيلم إلى أنه لا بد أن يتخلى عن فكرة التخلص من حياته، وأن يعاود الإقبال عليها بعد أن انفتحت أمامه «طاقة نور». وتتجلى هذه الطاقة في الحب المتبادل بين أفراد الأسرة، والرغبة في التضامن والاستمرار في العيش معًا، وإدراك أن في الحياة الكثير مما يدفع المرء إلى مواصلة العيش. وهكذا، ينتصر الفيلم للحياة، رغم كل الإشارات الواردة في سياق الحوار إلى المناخ السياسي القمعي الذي يلقي بظلاله على الجميع، معربًا عن الأمل في أن تتغير الأمور.

يدور السرد في معظمه بين جدران الغرف أو داخل السيارة، وتبدو الفكرة البسيطة أقل بكثير من الأفكار التي سبق أن طرحها عسكري في «آيات أرضية»، مثلًا. بل إنها تبدو أيضًا أقرب إلى السذاجة والمباشرة، إذ يستطيع المشاهد أن يتكهن بسهولة بما ستؤول إليه نهاية رحلة بطله آراش. ولعل أبرز ما ينجح الفيلم في إعلانه بوضوح ومباشرة هو إظهار جميع شخصياته النسائية من دون غطاء للرأس، فضلًا عن ظهور أكثر من ممثلة بملابس شبه مكشوفة. كما يصوّر احتضان الممثل الذي يؤدي دور الابن للممثلة التي تؤدي دور الأم، ويُظهر الشقيق وهو يلمس شقيقته، في تحدٍّ مباشر لقواعد الرقابة المفروضة على السينما منذ الثورة الإسلامية في إيران.

سبق لعباس كياروستامي أن عالج موضوع الانتحار على نحو أكثر عمقًا وتميزًا في فيلمه الشهير «مذاق الكرز» (1997)، سواء من الناحية الجمالية أو الفكرية. فالفيلم يتناول الموضوع على مستوى فلسفي، ويجعل بطله، الذي يرغب في إنهاء حياته، مدفوعًا بفراغ داخلي لا يفصح عنه، من دون أن يقدم تبريرًا واضحًا لرغبته في الانتحار. كما يجعل الموت موضوعًا للتساؤل والتأمل، وينتهي، بعد رحلة يحاول خلالها البطل إقناع عدد من الأشخاص بمساعدته على إنهاء حياته، إلى اكتشاف أن تجربة صغيرة، مثل تذوق حبات الكرز، قد تكون كافية لإعادة وصل الإنسان بالحياة.

علي عسكري مع فريق فيلمه في مهرجان فينيسيا السينمائي

في فيلم «طاقة نور»، ترد بعض الحوارات التي تتناول الموت في مقابل الحياة، خصوصًا أن المرء لا يعيش لنفسه وحده، بل هناك، كما نرى في الفيلم، من يحتاج إليه وإلى ما يمكن أن يقدمه له. ويبدأ ذلك بالمرأة التي تستعطفه مرارًا كي يواصل علاج ابنها المصاب برصاصة في صدره أثناء المظاهرات، بالطبع، ولا ينتهي عند قطته التي أسند رعايتها إلى شقيقه، لكنها امتنعت عن تناول الطعام بسبب افتقادها إليه.

والأهم، بالطبع، أن المستقبل نفسه غير واضح وغير مضمون، وأن الحياة معلقة بخيط رفيع يفصلنا عن الموت. وإذا كانت قنابل ترامب، التي يرد ذكرها أكثر من مرة في الفيلم على سبيل السخرية، قد تسقط على رؤوس المدنيين الأبرياء، فإن هناك أيضًا من بين هؤلاء المدنيين من يعرب عن أمنيته في أن يدمّر ترامب، تحديدًا، لا الأمريكيون عمومًا، منزله؛ فهو يرغب في هدمه وبناء منزل جديد مكانه، لكن تكاليف الهدم، كما يقول، تفوق تكاليف البناء، وهو لا يستطيع تحمّلها!

لا يتميز الأداء التمثيلي كثيرًا في الفيلم، بسبب سطحية الأدوار وسذاجة الفكرة التي تتكرر على امتداد 85 دقيقة. ويحاول الممثل ميساج زاره، الذي يؤدي دور آراش، التماهي مع الشخصية، إلا أن اختياره للدور لم يكن، في تقديري، موفقًا، بسبب بدانته وملامحه الجامدة بعض الشيء. ولا ننسى أنه هو نفسه الذي أدى دور قاضي الإعدام والأب الشرس في فيلم «بذرة التين المقدسة». وقد اضطر زاره إلى مغادرة إيران مع معظم طاقم ذلك الفيلم، ويقيم حاليًا في ألمانيا، حيث يعيش في المهجر إلى جانب رسولوف نفسه.