العود الأبدي في فيلم ديفيد لينش “طريق سريع مفقود”
أحمد حامد
في كتابه العلم المرح يتساءل فريدريك نيتشه في احدى الفقرات عن ما يمكن أن يمثل أكبر ثقل للإنسان، يطرح سؤاله: ماذا لو أن هنالك شيطانا تسلل الى وحدتك ذات ليلة وأخبرك بأن الحياة التي تحياها الآن والتي حييتها من قبل سيتوجب عليك تكرارها مرة أخرى بل مرات لا تعد ولا تحصى، ستحياها كما كانت وكما تسير لا شئ جديدا، كل ألم اختبرته وكل سعادة غمرتك بها الحياة كلها ستعود إليك، وكل أفكارك التي ملأتك يوما وكل موضع تنفست فيه. ستعاود كل صغيرة وكبيرة التكرار تماما كما حدثت أول مرة. وأنت مستمر في الدوران مع ساعة الكون الرملية تماما كذرة من الغبار. هل لك ألا أن تلقي بنفسك في الأرض تلعن شيطانك الذي حدثك بهذا أم أن لك في الحياة لحظة هائلة تخبر شيطانك بسببها أنك ما سمعت قط ما هو أقدس من هذه الفكرة التي لا ينطق بها سوى إله.
العود الأبدي: مطاردة حياة لا تنتهي
قد تجد نفسك يوما مطاردا من قبل أشياء كثيرة بعضها حدث بسبب فعل ارتكبته وبعضها قد يحدث لك بدون أن تعرف لماذا، كل ما تدركه هو أن عليك الاستمرار في الهروب خشية أن تنتهي المطاردة بسقوطك، تتساءل لماذا يحدث كل هذا ولكن لا تجد إجابة، وربما تخبر نفسك أنه لو عاد بك الزمن لم تكن لتفعل نفس الأشياء مجددا.
في بداية فيلم “طريق سريع مفقود” (1997) للمخرج ديفيد لينش يتلقى البطل رسالة صوتية من خارج المنزل يتبعها صوت مطاردة الشرطة لسيارة على الطريق، الطريق نفسه الذي يفتتح به لينش الفيلم وكذلك يقرر إنهاءه عن طريقه والذي يستمر البطل في الرجوع إليه مهما حاول الخلاص منه، نكتشف في نهاية الفيلم أن الرسالة التي يتلقاها فريد في البداية لم يرسلها إليه أحد سواه.
قد يطرح هذا أمامنا سؤال حول اذا ما أتيحت لنا الفرصة للعودة لإرسال رسالة لأنفسنا في الماضي، فهل سنحاول حقا تغيير ما حدث أم أننا مهما حاولنا سنكرر نفس الأحداث كما وقعت أول مرة.
معضلة الجد: هل يمكن لنا تغيير الماضي
بالنظر الى معضلة الجد وهي معضلة فلسفية عن السفر عبر الزمن، تضعنا المعضلة أمام تساؤل هل من الممكن فعلا تغيير ما حدث في الماضي وماذا اذا ما كان الماضي مرتبطا بوجودنا الفعلي، هل ينفي هذا احتمالية العودة بالزمن الى الوراء أم ينفي احتمالية أن يمتلك الإنسان إرادته الحرة في اتخاذ قراره، هل يستطيع الإنسان العودة لكن بشرط تكرار الماضي تماما كما كان أم ليس هنالك ما يسمى بالعودة؟
قد يجد البعض منا في تغيير الماضي حلا وقد يلقي البعض التهمة على الأقدار التي لا نستطيع الهروب منها قد يرحب منا بشيطان نيتشه ويعتبره إلها ً قد وجد له الحل الأمثل بتكرار الحياة كنسخة طبق الأصل وقد يعتبر بعضنا هذا دربا من الجنون أن يحيا هذه الحياة مرات لا تحصى بل ان مجرد التفكير في هذا كما يقول نيتشه قد يضع على عاتق أفعالك أثقل الأوزان.

تجربة سينمائية للعود الأبدي
في رحلته يدرك بطل الفيلم ما يمكن أن يمثله ثقل الحياة بالنسبة له، وكيف يمكن أن يحيا بذاكرة لا تمثل له الواقع كما هو، فيخبر المحقق أنه يحب تذكر الأشياء على طريقته، يستطيع فريد الهرب كما يشاء من الحياة لكنها ستظل تطارده، وعندما يقع أمام الاختيار يسأله شيطانه السؤال ذاته الذي يطرحه نيتشه، وما كان من فريد الذي ذاق ثقل الحياة ويدرك كم من الوهم عاش ليستطيع الخلاص منها سوى اختيار تكرار الحياة تماما كما حدثت في أول الفيلم.
في المشهد الذي يقتل فيه لورانت القواد الذي يتاجر بالسيدات في صناعة تمثل سجنا لكل من يضع قدمه فيها، يهمس له شيطانه بعد القتل بكلمات لا نسمعها ولكننا ندرك وجهته بعد ذلك، يتوجه الى البيت الذي بدأ منه كل شئ ويرسل فريد الرسالة من الخارج كأنها إعلان بداية التكرار، هي النقطة التي ترتسم من عندها الدائرة وتستمر في العرض مرة أخرى كشريط الفيديو الذي يدور حتى اذا انتهى نعيد العرض من جديد.
الماضي، الطمأنينة، ووهم الاختيار
قد نرى في العودة الى الماضي محاولة لإصلاح الكثير من الأشياء ولكن بالنظر الى حالة فريد في الفيلم لا نرى منه سوى محاولة لطمأنة نفسه لربما لا يضطر الى الاستمرار في المطاردة وربما يستقل الطريق مرة دون أن يشعر أنه طريق مفقود، لا يدرك فريد أن محاولة الطمأنة هذه لا تسفر سوى عن تكرار لنفس الأحداث مرة أخرى وأنه سيظل مطاردا وسيظل يرجع الى بيته لعله يشعر بتلك الطمأنينة.
ربما يطرح الفيلم أمامنا تساؤلا، فباستحالة تغيير الماضي هل يصبح المستقبل هو الحل، هل يستطيع أصحاب النفوذ كشخصية لورانت أن يصنعوا فعلا مستقبلا مضمونا، أم أن هذا مجرد فخ آخر في عالم يعد بالفرص الضخمة اذا ما قررت أن تبيع جسدك للإباحية، عالم يعد بحياة فاخرة اذا ما اتيحت لك الفرصة لإعادتها فستختار إعادتها حتما، ستصنع من شيطانك لحظتها إلهاً ينعم عليك بالعود الأبدي لتلك الحياة، ولكن سرعان ما تكتشف حقيقة السجن الذي قررت دخوله بإرادتك وتصبح الحياة عبئا ثقيلا يتكرر عليك كل يوم تهب فيه جسدك للإباحية، ولا تستطيع تغيير ما حدث فالماضي محتوم بالتكرار اذا ما لم ندرك كيف لنا أن نتقبله.

قارئة الفنجان ونبوءة التكرار
في قصيدته “قارئة الفنجان” يرينا نزار قباني شكلا آخر من أشكال التنبؤ بالمستقبل، ففي محاكاة للسفر عبر الزمن تتناول العرافة الفنجان المقلوب وتبدأ بسرد المستقبل الذي يلوح في الأفق لعل في روايتها ما يغير من قرارات الولد الحزين فيختار مستقبلا أفضل. واذا ما نظرنا الى فريد فقد كانت في محاولته لإخبار نفسه بالمستقبل ما يمني به النفس لاتخاذ قرار قد يغير حياته للأفضل.
يستمر فريد في البحث عن حبيبته كما هي، يصنع منها نسخة مطابقة في حياة يحياها في جسد آخر غير جسده، وطريقا غير طريقه.. وفريد يسير على درب الفنجان الذي تقرأه العرافة تقول له “ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان”
لكن النبوءة لا تنتهي هنا، بل تستمر العرافة في قراءتها الفنجان لتكتب النهاية لقصة فريد، النهاية التي ستستمر في التكرار ما دامت الحياة نفسها تتكرر.
”وسترجع يوما يا ولدي مهزوما مكسور الوجدان.. وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان”
إنها النهاية التي لا يدرك كم من المرات سوف تحدث، لكن المؤكد أنها في كل مرة، ستكون كالمرة الأولى التي يدرك فيها كيف يمكن في لحظة أن تتحول كل رغباتك إلى سراب.
