السينما العربية وشعور الإحباط
من فيلم "يد إلهية"
محمد الحجلي *
أول مرة شاهدت فيها التلفزيون كان بداية السبعينات. وكان أبرز ما يثير انتباهي وانتباه الناس ويشدنا للمشاهدة، هو المسلسلات المصرية، لانها تسرد حكايات وتصور مشاعر.. لازالت عالقة في ذهني صور ممثلي وممثلات تلك المسلسلات بملابسهم الأنيقة جدا، وتسريحات الشعر وتزيينات الوجوه، وبيوتهم الفاخرة والاتات الجميل الذي يبدو نفيسا.
يتحرك الممثلون والممثلات، ويتحاورون دون أن أعرف عم يتحدثون وماذا يقولون. لكن ما بقي عالقا في ذهني حتى الآن، هو مشاعر الحزن والأسى العميقين والباديين على وجوههم وتعتصر منهم ملامح الألم والقلق. وكنت اتسائل بسذاجة طفل: لماذا هؤلاء الأشخاص بهذه الملابس الفاخرة وداخل هذه المنازل الانيقة وبين هذا الأثاث النفيس، يتحدثون وهم غارقون في مشاعرهم الحزينة؟ لماذا كل هذا الحزن؟ وأحيانا أسأل نفسي: لماذا نحن في مستوى معيشي أقل منهم بكثير ولا نغرق في مثل ذلك الحزن، نضحك بين الفينة والأخرى، وهم لا يضحكون؟ وكان السؤال الأكثر عمقا: ما الذي يربط بين مظاهر البذخ والترف مع الحزن والألم؟
مع مرور الوقت، وبداية عشقي للسينما، وبداية اهتمامي بها كفن وثقافة، شاهدت افلاما مصرية واقعية، وقرأت مقالات نقدية سينمائية عن أفلام مصرية وعربية واقعية. وعرفت بعد ذلك أن تلك المسلسلات، ليست واقعية. وعرفت لماذا كانت كل شخصياتها تنعم بحياة الثرف والغنى. تلقيت الجواب على سؤال: لماذا تلك المظاهر الثرية الفاخرة؟ لكن لم اتلق الجواب على سؤال: لماذا ذلك الحزن والألم على وجوههم؟
مع مرور الوقت ومع متابعتي للصحافة العربية، ومن خلال اطلاعي على الأوضاع العربية، وما تتعرض له الأمة، خاصة الشعب الفلسطيني ثم العراقي. وكيفية التعاطي معها من طرف الاعلام العربي، عرفت مصدر ذلك الحزن في تلك المسلسلات. بل وعرفت لماذا عم الحزن الأعمال التلفزيونية والسينمائية كلها، وعم حتى الأعمال الأدبية والفنية العربية عامة. وعرفت لماذا لم يستطع صناع تلك المسلسلات القفز على ظلهم؟ عرفت ان القيادات العربية، ما لم تستطع تحرير الاراضي التي تحتلها إسرائيل، فإن الأمة ستغرق في مشاعر الكمد والحزن والإحباط، لانها مخدوشة في كرامتها. ويمكن أن نكتشف أن شعور الحزن والإحباط يسيطر على كل مجالات التعبير في ثقافتنا العربية المعاصرة، في شتى الميادين الأدبية والفنية.
ومن أبرز الملاحظات التي لم أنسها، ملاحظة مهمة للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، عن قصيدة: أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الاندلسي، للشاعر الفلسطيني محمود درويش، أبرز وأشهر شاعر عربي: «… قصيدة جميلة جدا، لكنها عاجة كثيرا بالتذمر… صدرت القصيدة في نهاية أكتوبر، بعنوان قصد منه بوضوح ربطها بالإحتفاء سنة 1992، بمرور خمسمائة عام على سنة 1492 أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الاندلسي» بأسلوب بليغ متلألئ في دقته التي تشبه الجواهر. غير مهادن في إحباطاته.
فمن يلقي نظرة تأملية على ثقافتنا العربية المعاصرة، وعلى سيكولوجية مجتمعنا المعاصر، سيكتشف ذلك الاغراق في مشاعر الحزن والتدمر والإحباط.
شاهدت افلاما عربية وغربية. ومعظمها أمريكي. وعندما أخرج من القاعة بعد مشاهدة فيلم أمريكي، أشعر بانفتاح على الحياة. وبمعنويات مرتفعة. وحتى تعاملي مع محيطي يتغير إلى الأفضل. وكأن الفيلم بعث في روحا جديدة غير التي دخلت بها القاعة. لكن عندما انتهي من مشاهدة فيلم عربي، أخرج من قاعة العرض ولم يتغير في أي شيء نفسيا.
الافلام التجارية العربية مدمرة فعلاً للفكر والذوق. لكن الأفلام الجادة، كانت تقصد الفكر أكثر من ملامسة شعوري كمشاهد. وهذا دليل على ان الإحباط كان يكبل مخيلة المبدع عند الكتابة السينمائية لهذه الافلام. فعرفت أن ذلك الاحباط هو الذي جعل البطل في الفيلم العربي، «لابطل». وأن ذلك الاحباط هو الذي زرع الخوف في بطل فيلم “القاهرة 30” 1966 (من ابرز الافلام الواقعية العربية) لصلاح أبو سيف مثلا، وبدل أن يوزع المنشورات على الناس مرفوع الرأس في المشهد الأخير، اخذ يبعثرها في الهواء وهو يركض هاربا.
الاحباط قيد نفسي يقيد المبدع. ويجعله عاجزا عن تحرير وتخليص شخصياته من قيود الخوف. ونفس الاحباط هو الذي جعل يوسف شاهين يسحل البطل على الارض في فيلم “الأرض”- 1970. هذا الإحباط هو الذي جعل يوسف شاهين لا يدرك تلك الرومنطيقية التي ينطوي عليها ذلك المشهد. ويمكن لأي سائل أن يسأل: وهل الدم العربي رخيص حتى تسقى به الأرض؟ وهذا الإحباط، هو الذي جعل القتامة تخيم على أجواء وشخصيات فيلم “المومياء” لشادي عبد السلام، وخاصة النهاية التي يظهر فيها البطل أكثر حزنا من أية لحظة في الفيلم. وهو حزن غير مفهوم، مادام قد حقق غايته وابلغ الدولة عن المومياءات. وهو الذي دفع الشخصيات الثلاثة في فيلم “المخدوعون”- 1972 لتوفيق صالح، ليهاجروا إلى الكويت. وينتهي بهم المطاف إلى الموت محاصرين في الصهريج. وأن نفس الاحباط لازال يكبل مخيلة المبدع السينمائي العربي. بل تصاعد مع مرور الوقت. إلى أن أصبح يخرج شخصيات الفيلم الفلسطيني “يد إلهية”- 2002 لإليا سليمان من واقعها المر إلى الخيال وتوقف – وهميا – الاحتلال الإسرائيلي عند حده، وتحقق عليه الانتصارات الوهمية.
كثيرا ما يتم تشبيه السينما المصرية التجارية بالسينما الهندية، وهذا صحيح من حيث الأسلوب والمواضيع. ولا يهم مدى قيمتها الفنية، ما دام لها جمهور غفير. والقاسم المشترك بينهما هو الأسلوب الميلودرامي. لكن النفسية التي كتب بها الفيلم الهندي تختلف عن مثيلتها المصرية. في الفيلم الهندي الكثير من أجواء الفرح والسرور والسعادة. وفيه الكثير من الغناء والرقص والألوان. وهذه المغريات، لا تجدها في الفيلم المصري. قد تجد مشاهد حزينة في الفيلم الهندي، لكها لا تسيطر على أجواء الفيلم. إذا، حتى الفيلم التجاري العربي الذي يقصد فقط جيب المشاهد وفلوسه، تسوده الكآبة بسبب الشعور بالاحباط ورغم انتهازية المبدإ الابداعي. إلا أن ذلك السينمائي، لا يعرف كيف يحقق أهدافه الإنتهازية!
في المغرب، الفيلم الذي حقق اعلى الايرادات على الأقل مقارنة مع سابقيه، هو فيلم “البحث عن زوج امرأتي” 1992. لم يكن فيلما كوميديا صرفا، لكنه كان طريفا مرحا بعيدا عن مشاعر الحزن أو الإحباط أو التدمر. وجد فيه الجمهور المغربي تلبية لحاجة نفسية كانت مكبوتة بداخله، رغم محدوديتها، وهي الخروج من حالة الاحباط والحزن. وأعتبره فيلما مفصليا في تاريخ السينما المغربية. يفصل بين مرحلة كان فيها الفيلم المغربي بلا جمهور. ومرحلة الطفرة السينمائية المغربية التي تتسم بوفرة الانتاج. وتحركت عجلة الإنتاج السينمائي بالمغرب، وفيلم البحث عن زوج امرأتي هو الذي أسس لهذه المرحلة.
من بين الافلام التي تحقق إقبالا جماهيريا واسعا في السينما المغربية، أفلام المخرج نور الدين الخماري. لسبب بسيط، لكنه غير واضح. وهو أن شخصات أفلامه لا ترتكن الى إحباطاتها وحزنها. بل تفجر غضبها العارم طيلة الفيلم. وهكذا استطاعت أن تستجيب لحاجة نفسية عند ذلك النوع من الجمهور الذي طالما وجدها في الأفلام الغربية. لكن المشكلة التي تعاني منها سينما الخماري، أنه بدلا من أن يستفيد من السينما الغربية، أخذ يقلدها وبكيفية مدرسية. والاكثر من هذا، أن سينماه لم تضبط الاختلاف بين الثقافة المغربية (شرقية) والثقافة الغربية. فما نراه في الأفلام الغربية، نراه في أفلامه كشرب الخمر، أو المشاهد الجنسية. وما نسمعه في تلك الأفلام من الالفاظ الساقطة، نسمعه في أفلامه.
من منظور آخر، يمكن القول أن شخصات نور الدين الخماري، لم تتحرر من احباطها في الحقيقة، وإنما هي استنساخ لشخصيات غربية ثم زرعها في التربة المغربية. وهنا يكمن سر الاقبال الكبيرعلى أفلامه، لذلك الجمهور الذي يبحث في أفلامه عن ذلك الإحساس الذي طالما وجده في الأفلام الغربية.
الإحباط حالة نفسية طبيعية، لكنها حالة سلبية لا يمكن التخلص منها إلا بالتفكير الإيجابي. وفي التعبير السينمائي، المطلوب إعطاء الشخصيات شحنة معنوية عند الكتابة السينمائية وبناء الشخصيات، حتى تكون متماسكة قادرة على مواجهة واقعها من اجل تغييره. ودون ذلك، ستبقى السينما العربية غارقة في المرتيات وافلام البكاء والحزن والإحباط.
- ناقد سينمائي من المغرب
