الخيانة الزوجية في السينما.. العشيق كبش الفداء!

ارتبطت أفلام الخيانة بالمثلث الكلاسيكي: زوج وزوجة وعشيق أو عشيقة. مثلث ثابت، لكنه يختلف في مضمونه، وفي طريقة التعامل معه، وأيضًا في ثمن الخيانة.

هناك ثلاثة أفلام تناولت الخيانة، واختلفت في أسبابها ومبررات التخلص من العشيق، لكنها اتفقت جميعًا على محو هذا الدخيل وكأنه ليس إنسانًا، وتعاملت معه بوصفه الحلقة الأضعف في المثلث.

في فيلم “جريمة مثالية” (1998) A Perfect Murder، وهو من بطولة جوينيث بالترو (الزوجة إيميلي)، ومايكل دوجلاس (الزوج ستيفن)، وفيجو مورتنسن (العشيق ديفيد)، يشك الزوج ستيفن في تغيّر سلوكيات زوجته، فيعين محققًا خاصًا يراقبها ويلتقط لها صور خيانتها مع شاب يعمل رسامًا ويعيش حياة عبثية بوهيمية.

يتأكد ستيفن من خيانتها، لكن الخيانة هنا لا تسبب جرحًا عاطفيًا للزوج، انما تفتح الباب للانتقام، وتكون الوسيلة المثلى لتحريره من عبء الالتزام، وتمنحه فرصة مثالية لتحقيق المصلحة والتخطيط لجريمة نظيفة على يد العشيق.

رغبة الزوج في التعرف على حياة العشيق لم يكن بدافع الغيرة أو الفضول، بل لامتلاك الحجة لتنفيذ خطته. لسان حاله أنها خانته مع نصاب فقير، تركته لتتسكع مع مشرد. فهو يبحث لنفسه عن مبرر أخلاقي، ويستغل ظروف العشيق ليتلاعب به.

أنه عقل إجرامي واعٍ يرى البشر كقطع شطرنج يمكن التحكم فيها للوصول إلى مبتغاه وليس زوجا مفجوعا.

تكون الخطة في البداية أن يستخدم العشيق للتخلص من الزوجة، فيكون هو الأداة النفعية التي توصله إلى ميراث زوجته. ثم تصبح الحاجة ملحة للتخلص منه، لأنه أصبح عبئًا على المخطط الذي لم يكتمل، وأداة تهديد لاستمرار زيجة يملؤها الخداع لم يتحقق منها النفع بعد.

على النقيض، يأتي فيلم “غير مخلصة”(2002)Unfaithful ليقدم الخيانة بوصفها زلزالًا عاطفيًا يعصف بعائلة تبدو أمورها الظاهرية مستقرة.

الفيلم بطولة ديان لاين (الزوجة كوني)، وريتشارد جير (الزوج إدوارد)، وأوليفيير مارتينيز (العشيق الشاب بول).

الزوج هنا يحب زوجته بصدق، وحياته مبنية على هذا الحب. حين يكتشف الخيانة تقوده قدماه ليرى هذا الدخيل الذي اقتحم حياتهم. الرغبة هنا مجرد فضول ليتعرف على منافسه. إنه على العكس من الزوج ستيفن في الفيلم السابق، فهو لا يبحث عن ثغرة لينقلب ضد زوجته، لكن ليغفر لها ما فعلته.

إنه يفاجأ الزوج بأن العشيق هو شاب صغير ترتسم على وجهه دلالات الانكسار. ربما من داخله قد تفهم أن لديها وجهة نظر؛ فهو شاب وسيم طلته جذابة. لكنه عندما يدخل إلى بيت الشاب، تقلب عيناه المكان في تفحص واستكشاف: بيت فوضوي سيئ، مملوء بالكتب التي يبيعها الشاب. شتان بينه وبين البيت الذي أسسه إدوارد لعائلته.

يبدأ في استعادة الثقة والسيطرة على نفسه، ويشعر بالفوقية من جديد. بينما هو يتجول في البيت يجلس على الفراش ويتخيل مشهد الخيانة في عقله، وقد بدأ الانهيار الداخلي يحدث وقناع التماسك يسقط.

رغم كل تلك الحياة المرفهة التي وهبها لها، تركته لتخونه في هذا المكان القذر. وفي لحظة قدرية يرى هدية كان قد منحها لزوجته في بيت العشيق، فينهار فعليًا ويمسكها وينهال بها على رأسه حتى يقتله.

لم يكن في نيته القتل حين قرر الذهاب، ولم يحمل خطة أو تصورًا مسبقًا. الجريمة تحدث في لحظة انفجار نفسي، نتيجة تراكم صامت من الخذلان والصدمة والغضب. قتل العشيق لا يبدو عقابًا مقصودًا مثل الفيلمين الآخرين، القتل هنا نتيجة لانهيار داخلي مفاجئ.

الفيلم لا يبرر الجريمة، لكنه يضع المشاهد أمام هشاشة الإنسان حين يفقد السيطرة على عالمه في لحظة واحدة، ويضع المشاهد في حيرة أخلاقية: هل يمكن تبرير التخلص من حياة إنسان لا ذنب له، في مقابل أن يجتمع شمل العائلة من جديد؟

أما “مياه عميقة” (2022) Deep Water فيذهب إلى منطقة أكثر ظلمة واضطرابًا. الفيلم بطولة آنا دي أرماس (الزوجة ميليندا) وبن أفليك (الزوج فيك).

الخيانة تحدث أمام الزوج بتعمد من الزوجة نفسها. الموضوع في جوهره نفسي بحت. فشخصية ميليندا منطلقة ومليئة بالشغف، وكل نظراتها المستفزة وتصرفاتها الوقحة ليست سوى وسيلة ضغط تمارسها على زوجها لاستفزازه وإثارة غيرته. إنها تريد منه أن يحبها، وأن يغار عليها و يهتم بها، وأن يمنعها من علاقاتها مع رجال أغبياء، وهي علاقات يبدو بوضوح أنها لا تحمل أي مشاعر حقيقية، بدليل انتقالها السريع من علاقة إلى أخرى.

يلازمها أيضا شعور دائم بأنها ليست ذكية بما يكفي لمجاراة زوجها، المخترع العبقري. وتؤكد بعض المشاهد هذا التباين بينهما، حتى في أبسط التفاصيل مثل اختلاف أذواقهما في الطعام. فميليندا ما تزال راغبة في حياة منطلقة مفعمة بالحيوية، بينما يبدو أن الزوج قد انسَلخ عن حياته السابقة وانضم إلى طبقة الأثرياء بكل ما تحمله من برود وتحفظ.

كانت ميليندا تبحث عن الجنون والشغف، وحاولت الضغط على فيك ليتخلى عن حرصه الشديد وطريقته الباردة في التعامل. أما شخصية فيك فتتجلى ملامحها الباردة بوضوح من خلال هوايته في تربية الحلزون، ذلك الكائن الرتيب الذي يعكس جانبًا من شخصيته.

وتأتي مشاهد النهاية لتكون ربما الأهم، إذ تؤكد أن العلاقة بين الشخصيتين علاقة سامة، وأنهما يدخلان في حلقة مفرغة من الجرائم. فقد تأقلمت ميليندا مع طريقة غيرة فيك، بل ومع أسلوبه الدموي في التعبير عن حبه.

العلاقة الزوجية هنا قائمة على لعبة نفسية غير سوية. في هذا العالم لا يُقتل العشيق بدافع الغيرة أو الغضب فقط، فهو عنصر يهدد التوازن في علاقة قائمة على العنف الصامت والتواطؤ. القتل يصبح لغة خفية بين الزوجين، والخيانة وقودًا دائمًا لإعادة إنتاج هذا العنف.

يجمع بين فيلمي “غير مخلصة” و”مياه عميقة” رابط واضح يتمثل في أن كليهما من إخراج أدريان لين، المعروف باهتمامه بتفكيك العلاقات العاطفية المعقدة، لكنه يقدم رؤيتين مختلفتين للخيانة الزوجية.

رغم اختلاف الشخصيات والدوافع، يجتمع الأزواج الثلاثة في نقطة واحدة: جميعهم ارتكبوا الجريمة. لكن السينما تفرّق بوضوح بين القتل المخطط، والقتل اللحظي، والقتل المرضي المتكرر. كما تضع العشيق دائمًا في موضع الحلقة الأضعف، ذلك الذي يدفع ثمن صراع لا يملك السيطرة عليه، وفي كثير من الأحيان كان مجرد أداة للتلاعب.

هذه الأفلام لا تقدم إجابة قاطعة عن سؤال: هل يجب أن يموت العشيق؟ لكنها تثبت أن السؤال نفسه مزيف. المشكلة ليست في العشيق، بل في الطريقة التي يتحول بها الحب إلى تملك، والغيرة من شعور يحفز العلاقات إلى عنف، والألم إلى مبرر أخلاقي لارتكاب الجرائم.

نلاحظ في القصص الثلاث أن العشاق أشخاص منطلقون نحو الحياة: أحدهم فنان يرسم اللوحات، والآخر يقرأ الكتب ويبيعها، وآخرون فتيان مدللون؛ مجرد بشر حولنا في كل مكان. ذنبهم الوحيد أنهم أصبحوا أطرافًا في علاقات غير متزنة.

تعمدت الأفلام تهميش الزوجة والتعامل معها كمفعول به، إما بالتخلص منها نهائيًا في A Perfect Murder، أو بتجاهل إرادتها في الفيملين الآخرين والذهاب مباشرة إلى فكرة التخلص من العشيق باعتباره الطرف الدخيل على معادلة مستقرة ظاهريًا.

وهذا يبدو مبررًا إلى حد ما، لأن إرادة الزوجة لم تكن محل نقاش من قبل أثناء الحياة الزوجية الرتيبة، لتطرح للجدل حينما تمل وتقرر الخيانة مع رجل أكثر مرحًا وجنونًا. وبرغم ذلك تبقى محظوظة بالاحتفاظ بحياتها.

فلسفيًا ـ وحسب توماس هوبزـ فإن الإنسان حين يشعر أن عالمه مهدد، يعود إلى قانون الغابة حيث البقاء للأقوى، ويُلغى القانون الأخلاقي لصالح الدفاع عن الذات.

بالتالي أصبح العشيق مستحقًا للقتل بوصفه دخيلًا مهددًا، وهو ما يتسق مع شرعية العنف في المجتمع الأمريكي، حيث يحوز كل مواطن سلاحًا يردع كل من تسول له نفسه أن يهدد ملكيته. والعشيق هنا يُقدَّم في صورة مغتصبٍ لملكية، لا إنسانًا مستقلًا، وبالتالي يسهل تجريده من حقه في الحياة.

عند نيتشة، يفهم القتل باعتباره نقل سلطة الموت من الإله إلى الإنسان الذي هو خالق حياته ويحق له التخلص من أي تهديد لها، فهو قتل مبرر لأسباب وجودية وجمالية ونفعية، تتجاوز تصور هوبز عن الملكية. فالعاشق لا ينزع سلطة الزوج عن زوجته فقط، بل يهدد حياة كاملة فيكون الثمن حياته.

ثمة تفسير ثالث يتعلق بطبيعة الأخلاق المسيحية ونظرتها للعلاقة الزوجية كرباط مقدس، وحرص السينما الأمريكية الدائمة على كيان الأسرة مهما واجه من تحديات.

من ثم تصبح الخيانة فعلًا طارئًا، قد ينظر فيه إلى الزوجة كضحية مغرر بها، بينما العشيق هو الدخيل الشرير المستحق للإزاحة، وبالتخلص منه تسترد الأسرة استقرارها مجددًا.

هذا المعنى شديد الوضوح في فيلم “غير مخلصة” Unfaithfulأما في “جريمة مثالية” A Perfect Murderفهو انتصار للزوج المتسلط الاستحواذي الذي لا يقبل أن يخسر أي شيء، حتى لو لم يكن يحب زوجته من الأساس.

بينما ينقلنا “مياه عميقة” Deep Water إلى علاقة أكثر تعقيدًا وجموحًا: زوجة تجد لذاتها في اصطياد مزيد من العشاق، وزوج يجد لذته في قتلهم لخلق جو مثير لحياتهم من جديد كأنهما وجهان لغريزتي الحياة والموت.

إن القتل في جوهره الفلسفي ليس مجرد إنهاء لحياة إنسان، بل ادّعاء بأن لدى الإنسان سلطة على الكون من حوله. إنها اللحظة التي يضع فيها الفرد نفسه في موضع القاضي والجلاد معًا، متجاوزًا القانون. لذلك ظل القتل دائمًا هو الفعل الذي نرتبك أمامه: هل هو شر مطلق أم نتيجة صراع داخلي حين نفشل في التحكم بأنفسنا؟

كذلك الخيانة لا تُفسَّر هنا بشكل عاطفي فقط، بل كتهديد لمفهوم الامتلاك الذي يتخفى غالبًا وراء الحب، فحين يُخان الإنسان لا يشعر بالخداع فحسب، بل كأن شيئًا قد انتُزع منه، متجسدًا في كرامته ومكانته، ويعميه الوهم بامتلاك شريك حياته. من ثم يولد العنف كمحاولة يائسة لاسترداد حقه، وإعادة التوازن إلى حياته.

تقع جرائم قتل العشاق في منطقة رمادية يتحرر فيها القتل غالبًا من العقاب القانوني، وقد يتحول إلى تعبير عن فشل الشريك في الاعتراف بحرية من يحب. وربما تضيع الشعرة الفاصلة بين معنى الحب كعلاقة إنسانية، والرغبة في التملك.

في تلك المنطقة الدرامية يتصارع التعاطف والإدانة معًا، بخصوص أطراف المثلث: هل يجب أن يفلت الزوج بجريمته؟ هل يستحق العشيق أن يُقتل؟ لماذا لم تُحاسب الزوجة؟ ولماذا تنتهي العلاقات الجسدية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بغريزة الحياة، إلى القتل؟ ولا ننسى أن خيانة الزوج تُمرر أو يحدث تواطؤ بشأنها، أما خيانة الزوجة فتظل غلطة درامية لا تغتفر، وعلى أحدهم أن يدفع الثمن!

Visited 1 times, 1 visit(s) today