الانطباعية في السينما: الحدس والخيال والإحساس
مهند الجعبري
تعتبر المدرسة الانطباعية أول مدرسة حديثة في مجال الفن، نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدأ ظهورها أولا في الفن التشكيلي، برز فيها عدد من الفنانين مثل مونيه، سيزلي، وبيسارو، وكان لها عدة أهداف أهمها كسر القواعد الكلاسيكية الصارمة في الفن، والتي كانت تنظر له كممثل ثابت للواقع بدون أي تغيير أو تحوير، لتعطي بذلك مساحة أكبر وحرية أوسع للفنان داخل إطار اللوحة، وتمكينه من تجسيد الانطباعات اللحظية دون أن يقتصر العمل على إظهار المشهد بصورته النهائية فقط، وهذا ما أوجد روحا جديدة للعمل الفني، وتجربة فريدة ومختلفة حطمت الجمود الكلاسيكي الذي كان يسود على الأعمال الفنية في تلك الفترة.
وبعد شمولها للفن التشكيلي، أخذت الانطباعية بالتمدد إلى جوانب الفن الأخرى، مثل الموسيقى والمسرح والسينما، لتصبح بذلك ليست مجرد حركة عابرة في الفن التشكيلي، بل نهج كامل يشمل كافة جوانب الفن.
يـمكننا تعريف الانطباعية في السينما بأنها تقديم الحدس على الحس، والخيال على الرؤية، والإحساس على الثبات، واعتماد الدلالة بدلا من التفسير، حيث أن اللقطة هنا تلمح فقط ولا تقرر، وبذلك تــترك مساحة واسعة للمشاهد لأن يكون شريكا في العمل، يعيش التجربة بتفاصيلها، أو حتى يخلق تجربة خاصة به.
فالفيلم الانطباعي لا يقدم لك الواقع كما هو راضخاً لمبدأ أن السينما هي الفن الوحيد الذي يعبر عن الواقع بالواقع نفسه، بل يقوم بترك الخيار لك لتصنع واقعا جديدا، ويمكننا أن نرى ذلك في عدد من الأفلام الانطباعية، مثل فيلم “تحت الجلد” (Under the skin – 2013 ) الذي لا يقدم الواقع كقصة مكتملة، بل كمجموعة من الانطباعات الحسية والفراغات الدلالية التي توجب على المشاهد اعادة بناء التجربة بالكامل معتمداً على على مخزون ذاكرته، ومشاعره الخاصة.

تتجسد الانطباعية في العمل السينمائي من خلال توظيف عدة محاور أساسية لدعم هذا الاتجاه، كالسرد، البنية الدرامية، البنية الشكلية، الحوار، الصورة، والموسيقى، فمثلاً على مستوى السرد نرى أن الفيلم الانطباعي لا يعتمد النهج الكلاسيكي أو التسلسل الطبيعي، بل يكون السرد أشبه بالحلم، فتُعرض الأحداث بالتسلسل الذي يقوم عقل الشخصية ببنائه حسب رؤيته لها، وهذا ما يعزز التجربة ذاتها عند المشاهد، مـــع ترك فراغات كبيرة بين الأحداث والتي تجعل المشاهد يستدعي من ذاكرته ما يقوم بملئ تلك الفراغات، نلاحظ ذلك جليا في فيلم “نقطة البداية” ((Inception – 2010 حيث أن السرد هنا لا يسير بخط واحد أو بشكل مستقيم، بل يقوم على مجموعة خطوط سردية متزامنة، ما يمنح المشاهد شعورا بالتداخل بين الأحداث، كما أنه لا يشرح كل حدث بشكل لحظي، بل يترك المجال للمشاهد لكي يجيب بنفسه على التساؤلات التي يطرحها كل حدث.
علاقة الفيلم الانطباعي بالمشاهد
تبدأ الانطباعية بتشكل الانطباع داخل وجدان صانع الفيلم، ثم يقوم بنقل هذه الصورة على الشاشة، والمشاهد بدوره يتلقى صور الفيلم ليشكل انطباعا جديدا قد يتشابه او يختلف مع رؤية المخرج، فالانطباع الذي تشكل لدى المخرج الياباني أكيرا كيروساوا في فيلمه “أحلام” ((Dreams-1990 أنه اعتمد على اللوحات الانطباعية لفان جوخ حينما نقل انطباعه حول كل لوحة، وقام بابداع لا مثيل له بتشكيل عالم افتراضي مرجعه الأول فان جوخ، لنستنتج أن العلاقة بين الفيلم الانطباعي والمشاهد تقوم على المشاركة وليس التلقي فقط.

كما أسلفنا الفيلم الانطباعي لا ينقل أو يصور الأحداث كما هي في الواقع، بل يجعل المشاهد هو من يــقوم بصياغتها وبنائها بإسقاطها على تجربته الخاصة، فمشاهدة الفيلم هنا تصبح قائمة على التأمل والتفاعل، وليس عـلى الرؤية المحايدة فـحسب، حيث توجد اللقطات الطويلة والأحداث المفتوحة، مع التركيز على الكثير من التفاصيل التي لا يركز عليها المشاهد في الحياة الطبيعية، كل هذه العـــــوامل تعطي للمشاهد المساحة لخلق تجربة شعورية منفردة بذاتها.
يـمكننا تشبيه مشاهدة الفيلم الانطباعي بقراءة أحد كتب جورج أورويل، مثل روايته المشهورة (1984)، حيث لا يفهم الكثير من القراء ما قام بكتابته ولكن من يتمكن مـن الوصول إلى عمق تلك المعاني، وتعبئة الفراغات بنفسه، يصبح مهووسا بكتاباته، وكذلك الفيلم الانطباعي الذي يـبدو للوهلة الأولى صعب المراس، إلا أنه عند تمرين العقل والإحساس على التفاعل معه، ومحاولة محاكاة المشاعر التي تتولد بفعل الغموض والتفاصيل والصوت، يمكن أن تجعل المشاهد يضع الفيلم الانطباعي في المرتبة الأولى على قائمة اهتماماته.
اذا ما قمنا بقياس مدى نجاح الأفلام الانطباعية وفقا للقواعد والمعايير العامة في السينما، سنجد أن الاتجاهات الأخرى تتفوق عليه تبعا لتلك المعايير، ولكننا في هذا النوع من المقارنة نقوم حتما بظلم الاتجاه الانطباعي، فالمقارنة هنا لا يمكن أن تكون لحظية، وهذا هو المبدأ الأساسي للانطباعية، فالفيلم لا يتم انتاجه ليفهم فوراً ويتم استهلاكه مباشرة فيندثر بعدها وينسى، بل يتم إنتاجه ليعيش طـويلا، ويخلق عدد لا نهائي من التجارب، مع تغير الزمان والمكان والثقافة، وهي العوامل التي من شأنها أن تجعل كــل تجربة تحتفظ بتفاصيلها الخاصة.
أما في السينما التجارية السائدة، فتتمثل معايير النجاح للفيلم من خلال الانتشار الواسع، قابلية التكرار، الشمولية لأكبر عدد من فئات المشاهدين، تحقيق الأرقام القياسية في أسرع وقت ممكن، على عكس الانطباعية التي لا تركز على حجم الجمهور بقدر التركيز على ارتباط هــــذا الجمهور بالعمل، واسـتمرارية التأثير حتى وان كانت على المدى البعيد.
وبرغم ذلك نرى في الآونة الأخيرة أنّ بعض الافلام الانطباعية أخذت رواجاً وانتشارً كبيرين، مثل فيلم “المنصة” (Platform-2019) الذي عبر عن جشع الانسان حين يكون في طبقة اجتماعية معينة.
يمكننا ملاحظة الافتقار الكبير للانطباعية في عالم صناعة الأفلام، خاصة في العقدين الأخيرين، صحيح لم تنعدم الانطباعية تماما، ولكن مقارنة بالاتجاهات الأخرى نجدها الأقل نصيباً من الإنتاج السـينمائي، ويرجع ذلك لعدة أسباب، مثل تفضيل صناعة الأفلام الحديثة للأفلام واضحة الفكرة والمعنى مما يسهل عملية التسويق للفيلم، بالإضافة إلى تفضيل المشاهد نفسه نوعية الأفلام التي تجعله في موقف الحياد دون المشاركة، فلا يحتاج للتفكير أو التأمل.
خاتمة
لا يمكن اعتبار تراجع الروح الانطباعية في الإنتاج السينمائي فشلاً، بل هو التحول الطبيعي في أي من اتجاهات الفن، وربما في وقت لاحق يعود الاتجاه الانطباعي بقوة، وربما يعود بشكل آخر يتناسب والعصر الذي يعود فيه، والتناقض الحالي بين مبادئ الانطباعية واحتياج السوق والمشاهد لا يمكن أن يـقتلها تماما، فلا تزال هناك فئة تفضل هذا الأسلوب وتتبناه، ونرى الكثير من الأمثلة على ذلك خـصوصا على مستوى الأعمال الفردية أو متوسطة الميزانية.
ويجدر بنا التعريج على السينما العربية التي تكاد تخلو من الأفلام الانطباعية، ونعزو ذلك إلى أكثر من سبب، مثل ضخامة الإنتاج التي تحتاجها السينما الانطباعية والتي لا تهتم بشباك التذاكر بقدر اهتمامها بنشر الفكار التي يحتويها الفيلم، كما أن الانتاج الانطباعي يحتاج إلى جرأة في طرح الأفكار والتي تعتبر عقبة في الانتاج السينمائي العربي، بالإضافة إلى أن المشاهد العربي لم يعتد على هذا النوع من الأفلام.
