مطابخ عنيفة: الطهي، والموت، والأفلام!

لقطة من فيلم "فولفر" لقطة من فيلم "فولفر"

 

هدى جعفر

 

“العشاء ليس جاهزًا، ماذا في وسعك أن تفعل!”

شبح المرأة المنتحرة في المطبخ (جانيس دانداريس) مخاطبًا زوجها المعنّف

“الحاسة السادسة”، إم. نايت شاملان (1999).

إلى سعدية من فيلم “درب الهوى”، الفتاة التي حاولت الهرب من بيت البغاء فأحرقوا وجهها بماء النار، ثم أوكلوا لها مهام المطبخ.

وإلى الشاعرة سيلفيا بلاث

 

كلما كان المطبخ عنيفًا كان أكثر بقاءً في الذاكرة.

ماذا لو اقتصصنا أبرز المَشاهد التي حدثت في المطابخ السينمائية، ودمجناها ببعضها البعض بحيث تُصبح شريطًا واحدًا، مثل شريط القبلات الذي أدمع أعيننا في نهاية فيلم “سينما باراديسو” في ذلك المشهد الآسر؟

أتخيل نسخة مشابِهة من المطابخ السينمائية تحوي ما يلي: جين ديلمان (دِلفين سيريغ)، بين الموقد وطاولة الطعام طاهية أبدية في المطعم البارد، لمياء (سيمون) في “يوم مر.. يوم حلو” تشعل النار في جسدها، بعد اكتشاف خيانتها لشقيقتها مع خطيبها في المطبخ، الذي تبادلا فيه اللمسات والقبلات قبل دقائق، إيدي بيكلاند (توني إيردمان)، من فيلم “سافِدج غريس” وهو يلتهم وجبته بعِصي آسيوية، بعد أن قتل والدته التي انتهى للتوِّ من وصال جنسي معها، ثم طربوش الأفندي محترقًا على الموقد بعد أن تركه هناك ليخون زوجته مع الخادمة في الجزء الذي أخرجه مدكور ثابت من “صور ممنوعة”، الأم (جنيفر لورانس) تداهمها أولى نوبات الألم الغريبة في مطبخها بعد استقبال زوجها لأول الدخلاء في “مَذَر!”، ندى (يسرا) تبكي قرب الحوض بعد أن ضربها عشيقها صلاح (أحمد زكي) في “نزوة”، الأرملة الحزينة (روني مارا) من فيلم “قصة شبح” تأكل الشطيرة على الأرضية من دون مضغ، ومن دون ماء، طارق (رامي دويري) في ذروة حرب لبنان، يدخل مطبخ بيت البغاء صدفةً في “بيروت الغربية”، حيث بنادق المقاتلين الذين جاؤوا للترفيه بجوار حوض الأطباق وأوعية الطعام، نوَّارة الفقيرة الجائعة (منة شلبي)، في الفيلم الذي يحمل اسمها، وهي تطهو يوميًّا للكلب بوتشي دجاجتين كاملتين مع الرز والخضار، سلوى (معالي زايد) في مطبخها الأبيض تحضن زوجها وتنوح، بعد أن تأكد لها دنو أجله في “للحب قصة أخيرة”، روزماري (ميا فارو) تأكل كبدًا نيئًا مدفوعةً بالرغبة المسعورة من دون أن تعرف أنها حامل في ابن الشيطان في “طفل روزماري”، خلافات الكابتن صَمَدو مع ابنته أحلام (صهيب قُدُس، نجم) في مطبخ شقتهما طوال علاقتهما المضطربة في “أحلام العصر”، الشقيقات الثلاث في “احكي يا شهرزاد” يكتشفن في مطبخ بيتهن البسيط أنهن خُدعن من عامل الدكان؛ إذ عاشرهن في نفس الوقت، وفي نفس المخزن القذر، بعد أن قدم لهن وعود الغرام وإتمام الزواج، زبيدة (كَلشيفته فراهاني) من “بخصوص إِلي”، في مطبخ البيت البحري حزينة على إيلي التي وُجدت جثتها في البحر، يحيى دامع العنين وغير مهندم في حضن لبنى (كريم عبد العزيز، نيللي كريم) على أرضية المطبخ بعد الاتهامات بأنه مريض فصام، وأن كل ما رواه هلاوس وضلالات في “الفيل الأزرق”، آلما (ميشيل ويليامز) تقف في مطبخها تكذِّب عينيها الخضراوين اللتين رأتا للتوِّ زوجها وصديقه يقبِّلان بعضهما باحتدامٍ في زاوية ظنَّا أنها غير مرئية في “بروكباك ماونتِن”، ونادية ووالدتها(يسرا، هدى سلطان) في “إسكندرية كمان وكمان” تُنصتان إلى يحيى (يوسف شاهين) شاكيًا من الأفكار التي تؤرقه قبل أن يغرس السكينة عدة مرات في البطيخة الطازجة، السيدة إلا (نِمْرَت كور) في مطبخها الضيق بين البهارات والفلفل والزيوت تتحرى محبة زوجها ثم رسائل الرجل المجهول الذي وصل إليه طعامها بالخطأ في “ذا لَنشبُكش”، الكاتب بول شيلدون (جيمس كان) زاحفًا على الأرض محاولًا التقاط السكينة قبل عودة آني (كاثي بيتس) المرأة المختلة التي حبسته في منزلها في فيلم “ميزري”، السيدة المسنَّة فيفيان (بينيت بورسوم) من فيلم “صيف متأخر” وحيدةً في مطبخها الفسيح تنتف ديكًا روميًّا قبل أن تنزف من أنفها، وقبل أن نعرف أن الضيوف المريبين الذين زاروها متواجدين في خيالها فقط، عباس (محمد صبحي) محترقًا برغبته في الحسناء ليلى (سهير رمزي)، وهو يفرم الملوخية بالسكين المقوس في “أين المفر؟..”، كونور من “وحش ينادي” يتحدث بغضبٍ دامع العينين عن مرض والدته التي تقترب من الموت، الأم في “إم” بين الصحون والقدور والقلق على غياب طفلتها إلسي التي لم تكن تعلم أنّ القاتل قد أزهق روحها بالفعل، فارس ودلال (عادل إمام وفردوس عبد الحميد) يتعانقان في المطبخ في علاقة مؤلمة ملؤها الشوق والانتظار الذي لا يُلبى في “الحريف”، وأخيرًا سيلفيا (غوينيث بالترو) تُحضِر الشطائر لابنَيها، تغلق بابهما باللاصق جيدًا، ثم تذهب إلى مطبخها الدافئ، وتفتح غاز الفرن كي تموت، وبالتأكيد هناك مطبخ جون سافوكا!

كنتُ أود بالطبع أن أضيف مشهد ميني جاكسون (أوكتافيا سبنسر) وهي تصنع فطيرة الشوكولاتة للسيدة هيلي مخلوطةً ببرازها من فيلم “ذا هيلب” (2011) لتايت تايلور، انتقامًا منها، لكن المشهد غير موجود في الفيلم، وقد تُرك الأمر لخيال المشاهدين!

من فيلم “جين ديلمان””

لفرط اعتيادنا على مطابخنا لم نعُد نتفحصها جيدًا، لم نعُد نرى كمية الأرواح المحبوسة في الخزانات وعلى المواقد، هذا يحدث في كل غرف البيت، لكن ما في أوعية المطابخ وجراره يدخل في أجوافنا، حديد، ونار، وماء، قناني بلاستيك وزجاج تحتوي على بهارات من الشرق وأقصى الشرق، ثقافات محبوسة في الأدراج، وصفات معلقة ملوثة بالزيوت، أفكار متنافرة مسكوبة في القدور في أثناء مراقبة الطعام، آنية تغلي بالأطعمة، تمور على نارٍ هادئة أو عالية، أطعمة مضرة تُغمَس في الزيت المغلي، أطعمة صحية تُغلَى بماء قليل الصوديوم، لسعات في أيادي الطهاة، عراك بين المتواجدين حول الوصفة الصحيحة، أطعمة حلال، وأطعمة حرام، أطعمة لعلاج عجز الرجال، وأخرى لإزالة الصداع، أو لتعديل مقاييس السكر والضغط ومواعيد الطمث، ثلاجة تحوي أطعمة باردة أو طازجة، وأخرى تتعفن ببطء من دون أن تصدر الرائحة النتنة إلا بعد فوات الأوان. الأجهزة في المطبخ عبارة عن ديكتاتوريات صغيرة: مفرمة، وقشارة، ومقلاة، وحزمة سكاكين، من تلك الرفيعة لدهن الزبدة، وحتى السواطير لفصل العظم عن اللحم، في ذمة كل واحدة منها دزينة من الضحايا، “إن تاريخ المطبخ هو أيضًا تاريخ العمل البشري الذي لا نهاية له”[2]، ولذلك فإن المطابخ السينمائية الباقية في الذاكرة هي المطابخ الأكثر عنفًا.

مطبخ جين ديلمان

في عام 1968، قدمت مراهقة بلجيكية فيلما قصيرًا غريبًا بعض الشيء.

اسمه “فجِّر مدينتي” عن مراهقة في باريس، تصعد الدرج، وتتجه فورًا إلى المطبخ؛ حيث تقوم ببعض الأعمال بطريقة هوجاء وغير مترابطة، إنها مبتهجة، لكنها بهجة غير عاقلة، بهجة من يفعل الأشياء للمرة الأخيرة، وينتهي الفيلم بالفعل، بانتحار المراهقة على موقد المطبخ. طيلة الفيلم هناك دندنة وهمهمة تشبه ما يقوم به الأطفال عندما يلهون مع أنفسهم، يذكِّرنا ذلك بالشاعرة سيلفيا بلاث، صاحبة أكثر الانتحارات شهرة ومأساوية، الأم التي حرصت ألَّا يصل الغاز إلى أبنائها قبل أن تدس رأسها في الفرن.

هذه المخرجة اليافعة هي شانتال أكريمن، والمراهقة التي لعبت دور البطولة في الفيلم القصير هي شانتال أكريمن أيضًا.

أكريمن بلجيكية المولد وبولندية الأبوَين، لكن يتم التعامل معها على اعتبار أنها فرنسية، قُتل جدَّاها لأمها في معسكرات الاعتقال النازية، ونجت والدتها من “أوشوفيتز” بأعجوبة، تعلَّقت شانتال أكريمن بوالدتها للغاية، وقد حكت لها كثيرًا عن الأيام المروعة في معتقلات هتلر، لكن أكريمن لم تُخرج فيلمًا عن الحروب، ولا عن الاعتقال، ولا عن أوشوفيتز، بل عن أرملة تقضي اليوم كله في أعمال المنزل القسرية من دون شكوى حتى تنفجر في لحظة لم يُحسب لها حساب، مثل حيوات الأسرى في معسكرات الانتقال التي تنتهي بالرصاص، أو إنهاكًا حتى الموت.

إنه فيلم” جين ديلمان، 23 رصيف التجارة، 1080، بروكسيل” (1975) الفيلم الذي اختاره النقاد في 2022 ليتصدر قائمة أعظم مائة فيلم في العالم، حسب الاستفتاء الذي أجرته مجلة “سايت آند ساوند” الصادرة عن معهد الفيلم البريطاني.

جين أرملة بلجيكية، نشيطة، وصامتة، ودؤوبة، تقضي يومها مع مناشف ثلاث، واحدة حائلة اللون في المطبخ، وثانية صفراء لمكافحة الغبار من التحف الخزفية وأواني النحاس، وثالثة تفرشها تحتها في أثناء ممارسة الجنس مع الزبائن الأسبوعيين.

في المَشاهِد الأولى من الفيلم، نرى البطلة تخرج من المطبخ إلى سرير المهنة، “بيع الهوى”، مع رجال صامتين، تضع ما يمنحونها في آنية فوق طاولة الطعام، كي تستطيع دفع مصاريف ابنها، في عالمها المبني جيدًا، لا مكان للقذارة، والفوضى، والثرثرة، رغم أن جين تعيش يومها وتقوم بكل مهام الحياة، لكنه بيت خالٍ من صور العَيش، وفي أول خروجٍ عن الروتين تحصل الفاجعة؛ إذ تقتل جين زبونها بالمقص، فينهار عالمها في ثوانٍ، نعرف منها أنها نجت من الحرب العالمية الثانية وهي طفلة، وعاشت عند خالاتها حياة مملَّة بعد وفاة والدَيها، وتزوجت رجلًا قبيحًا وهي صغيرة لتكوِّن عائلة، وتُنجب طفلًا، حياة جامدة قضت نصفها في المطبخ، مطبخ أوروبي متقشف، البلاط بالأبيض والأسود، وموقد بأربع أعين، وستائر مملة، وطاولة خشبية. هذا المطبخ المرتَّب، وشديد الروتين والنظافة، لا بد أن يؤدي إلى القتل في يومٍ من الأيام.

إن انخراط ربة منزل في الدعارة داخل منزلها ستكون المادة الأساسية لو تُرك الأمر لمخرجي هوليوود، سيتفنَّنون في تصوير الأجساد، واللهاث، والتعرق، والملابس التي تُخلع فورًا، والجنس الذي يُمارس في المطبخ يوميًّا، لكن شانتال أكريمن تستبعد لحظات الجنس تلك فلا نراها، وبدلًا من ذلك نشاهد لحظات الروتين، والتكرار، والقسرية، والخواء.

إن السمة الغالبة في أفلام شانتال أكريمن هي العلاقة السيئة بين الأشخاص وأماكنهم، هم محبوسون دومًا في جغرافيا لا تليق بهم، إنه تنفيس متخفٍّ عن قصة أبوَيها اللذين قضيا فترة طويلة في واحدٍ من أسوأ معسكرات الاعتقال النازية، وترجمة للذكريات التي قضت شطرًا كبيرًا من عمرها تعيشها في قصص أمها وجدَّيها مع المعسكرات.

من فيلم روزماري

كاميرا شانتال أكريمن ثابتة، وبطيئة، وساكنة، ومتسقة مع قصة الفيلم وقضيته الدرامية، وهو ما يفعله أي مخرج كبير في مهنته، ومن دون زوايا مقرَّبة، تصور شانتال أكريمان، ما يعتبره المخرجون الآخرون زائدًا عن الحاجة. حتى عنوان الفيلم يرِد كأنه معلومة في سجلات الحكومة، أو سطر في خبر عن جريمة قتل، ما يوحي أنه يقع بين الروائي والتسجيلي.

يعتبر الكثيرون هذا الفيلم بأنه واحد من أهم الأفلام النسوية فقط، وأنا أراه مختلف عن ذلك بكثير، ولا يعيب الفيلم أن يكن نسويًّا بالطبع، لكن هذا التصنيف يحجِّمه، وهو الوصف الذي لا تحبه شانتال أكريمن بالمناسبة، إنه فيلم عن تعقيدات النفس، تراكم، اضطرار، انشغال، حتى لحظة الانفجار الموعودة.

مثلما انتظرت جين ديلمان حتى آخر الفيلم كي تقتل أحد زبائنها، انتظرت شانتال أكريمن أكثر من ستين عامًا حتى تزهق روحها بنفسها، مثلما فعلت وهي 18 عامًا في المطبخ.

ماذا تقول المطابخ عن أصحابها؟

تُخبرنا الأفلام أن مطابخ البيوت المتطرفة بين النظافة والقذارة هي مطابخ في حياة بها خطب ما.

“يمثل الموقد في البيت والمذبح في المعبد مركز عجلة الأرض”[3]، وتدل المطابخ الأقذر أو الأنظف من اللازم أن خطبًا يحدث في حياة أصحابها، في فيلم “أغنيات من الطابق الثاني” (2000) لروي أندرسن، المطابخ بيضاء، باردة، نظيفة بطريقة تشبه المستشفيات، مطابخ مريضة، مثل أبطال الفيلم، وهناك لوارويك ويلسون (ديفيد هايد بيرس) من فيلم «ذا بيرفكت هوست» (2010) لنِك تومناي، الذي يقطع الخضار بخفة وأناقة في المطبخ النظيف، عندما يفِد إليه المجرم الهارب، جون تايلور (كلاين كروفورد)، من الشرطة ويهدده بالقتل إن وشى بهُويته، قبل أن نعرف بأن تايلور قد دخل برجله إلى بيت الرجل الخطأ، الذي سيعيشه في كابوس لا ينتهي، ومثل مطبخ ويلسون، نرى مطبخ “مسيو إير” (1989)، لباتريس لوكونت، في الفيلم الذي يحمل اسمه؛ حيث مطبخه الأبيض النظيف، وهو الرجل الوحيد، والمنبوذ، الذي ساقه الحب إلى سوء المآل، في فيلم “إِيرِن بروكوفيتش” (2000) لستيفن سودربرغ من بطولة جوليا روبرتس يمتلئ حوضها بالصحون المتسخة مع صرصار بالغ الكبر يتمشَّى من دون خوف، ومطبخ شين ماغواير (روبن ويليامز) المتسخ دومًا في “غُد وِل هَنتِنغ” (1997) لغَس فان سانت وهو الطبيب النفسي المضطرب بعد وفاة زوجته، وكذلك مطبخ صانع الدُّمى فيليب في “بوسوم” (2018) لماثيو هولنِس (راجع/ي “المغلق والمفتوح”) الذي يقضي وقته محاولًا التخلص من دُمية قبيحة ومشوهة من دون جدوى، ومطبخ الزوجَين كاستر من فيلم “لا تنظر إلى الوراء” (1973) لنيكولاس روغ؛ حيث الكاميرا تصور قذارته قُبيل غرق ابنتهما، والمطبخ المتسخ في شقة الغرام، بين ندى وسالم، من فيلم “الكومبارس” (1993) لنبيل المالح، حين اقتطع العاشقين وقتًا في دمشق التي يخنقها عسس البعث، ولا تطول فرحتهما الخفيفة حتى تقع الكارثة.

والجنس في المطبخ، مثل الجنس في السيارات، يحدث في العلاقات المحتدمة (راجع/ي “المحركات المقدسة”)، مثل فيلمَي “إرَّشنال مان” (2015) لوودي آلِن، و”ساعي البريد يدق دائمًا مرتين” (1981) لجيمس إم. كين، حيث يمارس العاشقان كورا وفران (جيسيكا لانغ، وجاك نيكلسون) عواطفهما فوق الطاولة الخشبية بين بقع الزيت وذرات الدقيق، وفي فيلم “سهر الليالي” (2003) لهاني خليفة تشكو مشيرة (جيهان فاضل) من حياتها المملة مع علي “ابن الناس الكويسين” (خالد أبو النجا)، وتصف كيف كان وصالهما الليلة الماضية، وأنهما فعلاها على أرض المطبخ، يسألها الطبيب: هل هذا ما حدث فعلًا، أم هذا ما كنتِ تتمنين حدوثه؟!

إن المَشاهد التي تدور في المطبخ قصيرة، غالبًا هي مَشاهد عبور، لا يقع فيها الكثير من الأحداث، المطبخ محير فعلًا، فهو مكان للدفء المنزلي، ولتجمُّع العائلة وصنع الطعام، لكنه أيضًا مكان ممتلئ بأسباب القتل، والعنف، والتدمير، مصنع الأسرار في البيت، ربما أكثر من القبو والعُلية (راجعي/ي “الأعلى والاسفل”)، إن المطبخ “عصب الحياة، حيث حضوره الدائم، وحيث مهمته لإدامة الحياة، وحيث المجال الذي نستمع من خلاله إلى أصوات العجائز والقطط والصغار، وهو المكان المنفتح المنغلق، هو الوجه والقفا لحياة منغلقة على نفسها، لا تطلب شيئًا ولا تعطي آخر. كل إمكانيات حياتها كائنة في أرضها –مطبخها– ويشكِّل مع السرداب والحديقة المثلث التراثي، الماضي والحاضر، وديمومة الحياة”[4].

**

“أنا لست مضيافًا جيدًا، لكنَّ مطبخي حميمي بشكلٍ كبير”

القاتل نورمان بايتس، “سايكو”، ألفريد هيتشكوك (1960)

**

يحكي فيلم “لو تتكلم هذه الجدران” (1996) لتشير ونانسي سافوكا، ثلاث قصص، لثلاث نساء عشن في نفس البيت، وكلهنَّ اكتشفن حملهنَّ غير المرغوب فيه، إلا أن القصة التي تصدَّرتها ديمي مور، هي الأكثر تأثيرًا، إنها كلير، أرملة حديثًا على وفاق مع عائلة زوجها، تكتشف حملها من شقيق زوجها من دون علم العائلة، في الخمسينيات كان الإجهاض جريمة مُستنكرة للغاية، في نظر القانون والمجتمع، الذي يرى سيدة الإجهاض مُدنسةً لأقدس ما خُلقت المرأة من أجله.

تحصل كلير بعد جهدٍ جهيدٍ على رقم رجل يأتي لإنقاذها، ويعاملها باحتقارٍ شديد كما هو متوقع، إنه يسترزق من وراء هاته النسوة الخائفات، لكنه لا يخجل من معاملتهن بقسوة، وإمعانًا في الاحتقار يختار الطبيب طاولة المطبخ ليقيم عليها جريمته، جريمة احتقار المرأة، التي أخذ مالها قبل قليل، يُجري العملية الفاشلة هناك، فوق طاولة المطبخ تمامًا، وبعد الانتهاء نرى دماءها تسيل على الأرضية، ونعرف من المشهد الأخير أن نجاتها غير مؤكدة.

مي فيلم فولفر

إنها جريمة لا تُغتفر، أن تترك للإنسان ذكرى سيئة في مطبخه.

سريعًا ما يتسرب فساد العلاقات إلى المطابخ؛ حيث تدور المكيدة الكبرى من فيلم “فاتنوم ثرِد” (2017) لبول توماس أندرسون في المطبخ، عندما تدس ألما (فيكي كريبس) مقادير السم المحسوبة في طعام زوجها رينولدز وودووك (دانيال داي-لويس)، حتى يضطر إلى العودة لها دومًا طلبًا للشفاء، في فيلم “كاري” (1976) لبراين دي بالما عن الفتاة ذات العلاقة المضطربة مع والدتها، تحبسها الأم في خزين المطبخ، وعندما تحاول قتلها تصلبها شياطين كاري على بابه.

في فيلم “العودة” أو “بولبير” (2006) لبيدرو ألمودوبار تعيش الحسناء ريموندا (بينلوبي كروز) وابنتها المراهقة باولا مع زوجها المدمن والمتهتك باكو، تعود ريموندا ذات يوم من عملها، وتكتشف أن ابنتها قتلت زوجها لأنه تحرش بها في المطبخ، ثم مَشاهد مطولة لكيفية التخلص من الآثار، وتنشيف الدماء بمناديل المطبخ البيضاء المنقوشة بأزهار رقيقة، وغسل السكين من الدم المتيبس فوق صحون الطعام بدهونه ونشوياته التي تشارك ثلاثتهم في التهامه.

**

“المطبخ ليس لإعداد الطعام، خُلق المطبخ لالتهامنا”

تيسير النجار، قاصة وروائية مصرية

**

يحكي فيلم “زوجة رجل مهم” (1988) لمحمد خان عن ضابط المباحث هشام (أحمد زكي)، الذي يتزوج منى (ميرفت أمين).

ضابط أسمر، معتز بدوره الرجولي، وهي فتاة رقيقة، بشعر ناعم، تستمع لعبد الحليم حافظ، يحتدمان في السرير، حرثٌ من طرف واحد، تشعر بالاغتراب داخل البيت؛ فتجلس كثيرًا في المطبخ، مطبخ أنيق جميل من زمن الثمانينيات المصرية الحميمة، هناك تستقبل جاراتها، لا يدخل هشام المطبخ إلا لثوانٍ كأنها أرض محرمة ضد تلك الفظاظة. في فيلم “الأبواب المغلقة” (2000) لعاطف حتاتة قصة المراهق محمد مع والدته فاطمة، ينشأ محمد في جو متوتر عاطفيًّا وجنسيًّا، يأتي إلى منزلهما الأستاذ منصور، ويبدو أنه يستلطف فاطمة، التي يغار عليها ابنها، نعرف أن منصور يتمنَّاها عندما يترك الصالون، ويذهب إلى المطبخ وهي هناك، ويخطو إلى داخل المطبخ قليلًا، إلى منطقتها الخاصة، وعندما لا تصدُّه، نعرف أنها تتمناه أيضًا.

يندرج فيلم الجريمة الإيروتيكي “كِلَر جوي” (2011) لويليام فريدكِن، تحت ما يُسمَّى بـ “الفن القوطي الجنوبي” أو “سَذرن غوثيك”، وهو “جانرا” فرعي، يشمل عددًا من الفنون التي تحكي عن شخصيات معيوبة، مشوهة نفسيًّا وشكليًّا، بسبب الفقر، أو الجريمة، أو صنوف الجنس المحرم.

من فيلم كيلر جوي

في هذا الفيلم عائلة من هامش المجتمع الأمريكي تعيش في بيت جاهز في طرف أرضٍ ما، أب مع ابنيه وزوجته، التي تفتح الباب للقادمين عارية النصف السفلي، تتفق الأسرة على قتل آديل الزوجة الأولى ووالدة الابنَين، بعد أن سرقت الكوكايين الخاص بابنها مروج المخدرات، يتفقون مع الضابط والقاتل بالأجرة كوبر أو “كِلَر جوي” (ماثيو ماكونهاي)، الذي يكتشف خيانة زوجة الأب شارلا (جينا غيرشون) للاتفاق المعقود بينهم، فينتقم كوبر منها أمام زوجها، الذي يبدو أن المخدرات قد أفقدته كرامته الرجولية؛ إذ يضرب كوبر شارلا حتى ينزف أنفها، ثم يجبرها أن تجلس على ركبتيها، أمام “سوستة” البنطال، ويمد إليها بفخذ دجاجة مقلية في محاكاة للجنس الفموي، ويدخله عنوةً في فمها الذي غطته الدماء، في مشهد غريب ومعبِّر، وجزاء يراه “كِلَر جوي” مستحقًّا لخيانة متعددة الطبقات.

في مطلع الألفية، قدم المخرج الأمريكي دارِن أرنوفسكي فيلمه القاسي “مرثية حلم”، رؤية متعمقة في الإدمان، وفيه قصة السيدة سارة (إيلين بيرستِن)، التي تشوَّش عقلها بفعل الوحدة، والشكوك، والمخاوف التي يخلقها التقدم في السن، تتلقَّى سارة مكالمة تخبرها بأنها مدعوة إلى برنامجها المفضَّل، وعليه فإنها تزور الطبيبة للقيام بنظامٍ غذائي تفقد فيه وزنها، لتستطيع ارتداء فستانها الأحمر في التلفزيون، تمنحها الطبيبة دواء ما، لكن تلك الحبوب تفقدها وزنها وعقلها، وتبدأ برؤية ضلالات وهلاوس، ومنها مهاجمة ثلاجة مطبخها لها، إنه نفس الألم الذي تُصاب به كلير (ديمي مور) التي تُجهض في مطبخها، التهديد الذي تشعر به سارة اغتيال كامل لمكانها، للمطبخ الذي هو المكان الأكثر التصاقًا بمفهوم البيت (راجع/ي “أمكنة مُغتالة”).

أما في فيلم “عيار ناري” (2018) لكريم الشناوي، فواحد من أهم الأفلام المصرية في السنوات العشر الأخيرة، يتحوَّل فيها تقليد تمارسه ملايين النساء المصريات يوميًّا، وهو شهقة الملوخية، إلى شذرة فنية مؤثرة، وشهقة الملوخية عادة تقليدية، تمنع التقليَّة (الثوم والزيت والكزبرة الناشفة) من السقوط في قاع القدر، حسب الاعتقاد الشعبي.
يبدأ الفيلم بكاميرا من زاوية عُليا، تستعرض شقة فقيرة، بدءًا من طاولة الطعام التي انتثرت الصحون فوقها، ثم الشاب المقتول في حضن رجل آخر (أحمد مالك، محمد ممدوح)، وحال المكان يشي بالأمر الفظيع الذي ارتُكِب لتوِّه، تسير الأم (عارفة عبد الرسول) ببطءٍ نحو الموقد، الذي يحمل قِدرًا تمور بالملوخية، نحن لا نرى المطبخ كاملًا هنا، لكن نطالعه في باقي الفيلم، عبارة عن حجرة صغيرة، لا يحتمل سوى الحوض، والموقد، ودولاب صغير، بطلاء يشبه خضرة التعفن، تقف الأم أمام القِدر، وتشهق شهقة الملوخية، لكن تتحول تلك الشهقة التي تطلقها النساء رغبةً ومحبةً في إتقان طعام عائلاتهن، إلى صوتٍ للخيبة والتفجُّع للأم المكلومة!

هوامش:

[1] ورد هذا الفصل بعنوان “مطابخ عنيفة” في كتاب “ماذا حدث في مطبخ جون سافوكا؟ قراءة في المكان السينمائي”، هدى جعفر، منشورات حياة، أكتوبر 2025.

[2] د. هاني حجاج، “رائحة المذاق: المطبخ وأدواته”، دار خطوط وظلال، ط1، 2024، ص 10.

[3] جوزيف كامبل، مصدر سابق، ص 51.

[4] ياسين النصير، “الرواية والمكان”، مصدر سابق، ص 146-147.

 

فصل من كتاب هدى جعفر: ماذا حدث
في مطبخ جون سافوكا؟
قراءة في المكان السينمائي