لماذا انتهت أهمية مهرجان برلين ومهرجان كان؟

بعد سنوات عديدة من حضور مهرجاني كان وبرلين، يمكنني القول إن كلا المهرجانين اللذين كانا يعتبران من قلاع السينما الفنية في العالم، انتهيا وقضيا أمرهما، ولم يعد أي منهما يثير أدنى اهتمام عندي شخصيا، كما عند كثيرين ممن أعرفهم وأعرف أنهم من الراسخين في هذا المجال، لا المراهقين من هواة التقاط صور “السيلفي” مع المشاهير.

كان مهرجان كان يقام في وسط مدينة كان الصغيرة، بقاعات عرض محدودة قديمة لم تشهد أي توسع حقيقي، سوى على نطاق شيق للغاية، فقد أقيمت قاعة وحيدة فقط خلال أربعين عاما، هي قاعة “أنييس فاردا” التي سميت على اسم المخرجة الفرنسية المبالغ كثيرا في قيمة أفلامها وأهميتها مقارنة مع آلان رينيه وجاك ريفيت وكلود شابرول على سبيل المثال، لكنها امرأة، ويهودية أيضا، وهذا يكفي!

المهم. أنه رغم عدم التوسع في عدد قاعات العرض، ظل المهرجان يقبل سنويا الكثير جدا من الأسماء الجديدة الوافدة من الصحفيين والسينمائيين وأهل الصناعة وغيرهم، من دون أن يوفر لهم مكانا بطريقة لائقة، فالمهرجان يريد أن يتفاخر دائما باعتباره: الأكبر، الأضخم، الأهم، الأشمل.. إلخ. من دون أن يمتلك البنية التحية التي تستطيع استيعاب هذه الأعداد الجديدة الكبيرة. فما الحل؟

الحل الذي توصلي إليه القائمون على أمور المهرجان مؤخرا، هو تقسيمه الى مهرجانين يمكنني أن أطلق عليهما: مهرجان كان، ومهرجان كان لابوكا. الأول هو المهرجان المستقر في وسط المدينة في نطاق القاعات المحدودة مثل مسرح لوميير، مسرح ديبوسيه، قاعة بازان، قاعة بونويل، وقاعة أنييس فاردا التي أقيمت بمواد غير صلبة، فهي أقرب إلى خيمة كبيرة غير عازلة للصوت، فعندما تمطر السماء يمكنك أن تسمع هطول المطر فوق سقف الخيمة، أو أصوات الموسيقى الراقصة في الحفلات التي تقام بالقرب منك في قصر المهرجان. ومع ذلك، فهي في رأيي الأفضل من بين جميع قاعات العرض في كان، بما في ذلك مسرح لوميير الحديث الذي يشبه أحد ملاعب كرة القدم (2400 متفرج) ومدرج منحدر بطريقة بشعة، كما أن مقاعده تتصف بأبعاد “غير إنسانية”، أما مقاعد قاعة أنييس فاردا فهي مريحة للغاية، ولا ترغمك على الجلوس وساقيك تصطدم بجدار أصم أمامك هو ظهر المقعد المقابل بحيث تخرج وأنت تعاني من تصلب في عضلات الساقين!

هناك طبعا قاعتان إضافيتان هما قاعة ميرامار التي تستضيف عروض أسبوع النقاد، زهي قاعة عتيقة سيئة في حاجة إلى التحديث والتجديد، وقاعة تحت أرضية أسفل فندق ماريوت، هي التي تستضيف عروض “نصف شهر المخرجين”، وهي قاعة سيئة للغاية، مقاعدها من الخشب الجاف المتعب، كما أنها تفرض عليك مهما كان سنك وحالتك الصحية الهبوط أكثر من سبعين درجة تحت الأرض، ثم الصعود بعد أن ينتهي الفيلم، دون أي رحمة أو شفقة. فالمصعد مغلق على نزلاء الفندق فقط، ولكي يسمحوا لك باستخدامه عليك أن تنتظر وتنتظر وربما يحدث وربما لا يحدث.. حسب توفر الشخص الذي يملك المفتاح، لكنهم عموما يتركون جمهور المهرجان يستخدم السلم البشع خوفا على نزلاء الفندق!

أما المهرجان الثاني فهو الذي تقام عروضه في ضاحية “كان لابوكا” البعيدة التي يوفر لك المهرجان حافلات خاصة مجانية للذهاب والعودة إليها ومنها، وهو ما أعتبره ببساطة (وجع دماغ وتعب لا داع له!). ولكن الأهم والأخطر أن عروض الأفلام تقلصت في قاعات كان الأصلية الى النصف لأن النصف الآخر انتقل إلى “لا بوكا”.. وبالتالي إن فاتك فيلم في كان، يتعين عليك الذهاب لمشاهدته في “لابوكا”!

هكذا فقد المهرجان مركزيته وأهميته وأصبح مكانا يضيق بالبشر، ويصعب عليك مشاهدة الأفلام أو الاستمتاع، بعد أن أصبح من الصعب للغاية مشاهدة الأفلام التي تود مشاهدتها في ظروف مريحة. وبعد أن أدخلوا نظام الحجز الاليكتروني للتذاكر للجميع بما في ذلك الصحفيين والنقاد، أصبح يتعين عليك الاستيقاظ مبكرا جدا لحجز تذاكر لأفلام قد لا تتمكن من العثور عليها، بعد أن مان الدخول بالبطاقة الصحفية فقط، وبالتالي امتدت الطوابير والتزاحم لأنك تحجز مكانا فقط، غير معلوم، وليس مقعدا محددا برقم معين، ويريد كل شخص الجلوس في مقعد مناسب له، سواء في الخلف أو الأمام، كما يريد أن يحجز ثلاثة أو أربعة مقاعد لأحبائه وأصدقائه وعشيقاته..

وهكذا ثبت فشل الفكرة النظرية العقيمة التي تزعم أن هذا النظام أقيم لتفادي الزحام مع ظهور وباء كوفيد، وبعد زوال الوباء لم يغيروه ولن يغيروه وهذا ينطبق على جميع المهرجانات الآن (طبعا الزحام أقل كثيرا مما هو في كان) لماذا؟ لأنهم وجدوا أنه نظام مريح لهم ولموظفيهم.

لابد من القول إن اختيارات الأفلام أصبحت خاضعة للكوتا، أي النسب التي فرضت بشكل غير مباشر، فقد أصبح من المفروض عرض عدد معين من أفلام المخرجات داخل المسابقة بغض النظر على المستوى وهو ما أثبته احتيار أفلام المخرجات في مسابقة هذا العام، بمستواها المتدني، وأن قلت نسبة هذه الأفلام تصرخ نساء الفيمينيزم (ذكورية.. شوفونية..)، كذلك أصبح من الواضح في كل من كان وبرلين، تحديدا، أنه لابد من وجود نسبة ما من أفلام المثليين جنسيا حتى لو لم تكن على المستوى.

وباء الكوفيد جاء وبالا على كل من كانوا يرتادون المهرجانات السينمائية بشكل سلس ومريح، باستثناء مهرجان كان طبعا الذي يفرض من قديم الزمان، نظاما طبقيا متعسفا غبيا إلى أقصى درجة، وهو نظام يتكون من خمس طبقات: الطبقة العليا تمنح البطاقة البيضاء، أو الكارت بلانش الذي يسمح بدخول أي عرض في أي وقت بما في ذلك عروض الجمهور، ولكن أيضا بالحجز المسبق الذي يفتح لهذه الطبقة أولا، ثم البطاقة الحمراء التي تعلوها علامة صفراء، وهي الطبقة الأقل مباشرة من طبقة السادة، ثم البطاقة الحمراء فقط وهي للطبقة الوسطى وللتغطية اليومية، ثم البطاقة الزرقاء للطبقة العاملة، أي من يكتبون أسبوعيا أو شهريا، وأخيرا البطاقة الصفراء للقادمين الجدد والمواقع الأقل أهمية. وطبعا أهل الطبقتين الأخيرتين فرصتهم محدودة للغاية في الحصول على تذاكر، وعليهم الانتظار الى أن يحصل أعضاء الطبقات الأخرى على ما يريدونه والباقي لهم إن تبقى أي شيء!

فشل نظام الحجز الاليكتروني المسبق الذي أرغم الجميع على التعامل معه بصفة يومية في السابعة صباحا حتى لو كان فيلمك الأول سيبدأ بعد الثانية ظهرا وكنت قد عدت الى حيث تقيم إقامتك في الواحدة والنصف أو الثانية صباحا، ذلك أن مدير المهرجان، عبقري زمانه تييري فريمو الجاثم على صدر المهرجان منذ ربع قرن، قرر منذ سنوات، الخضوع لأصحاب الأفلام، فجعل العروض الصحفية التي كانت تقام قبل يوم من العروض الرسمية، تقام في نفس الوقت أو بعدها، بدعوى أن هناك من يكتبون تعليقات سلبية عن الفيلم أثناء مشاهدتهم لهم داخل القاعات!، وبالتالي قلب فريمو المهرجان على رأسه، فأصبحت العروض تقام في مواعيد غير إنسانية إما بعد الظهر وقت الراحة، أو في أقصى المساء والليل!

باختصار أصبح التواجد ومتابعة العروض لمن يريد مشاهدة أربعة أفلام يوميا مثلا، محنة ومعاناة، لن تسمح لك، لا بالراحة، ولا بفترة يمكنك فيها أن تكتب مقالاتك. أما من يذهبون لمشاهدة فيلم واحد وعمل ريفيو مصور مثلا- تاك أواي (وهو ما أنتشر الآن كالوباء) فلا حرج عليهم ولا يحزنون.

نأتي إلى مهرجان برلين. كان المهرجان لسنوات طويلة يقام في قلب المدينة، في بوتسدامر بلاتز، وكانت قاعات العرض العظيمة موجودة متقاربة في تلك المنطقة، كذلك الفنادق. لكن فجأة تم استيلاء إحدى الشركات على مبنى ومنطقة مركز سوني الذي كان يضم 6 قاعات عرض جيدة جدا، وتم هدم كل شيء لإقامة فندق. ففقد المهرجان 6 قاعات عرض. تبقى قصر المهرجان الذي لا يمكنه استيعاب عروض النقاد سوى مرتين يوميا في الصباح لأنه مخصص للعروض المسائية الرسمية.

وأما الطامة الكبرى فجاءت مع قرار أصحاب مجمع سينما سينيماكس- الذي يضم 9 قاعات- تطوير قاعاتها وتركيب مقاعد جديدة من النوع الفسيح المريح الذي يمكنك أن تسترخي فيه وتمد رجليك وتنام إن أردت، وبالتالي تم تقليص عدد المقاعد الى النصف تقريبا.

كانت النتيجة أن قرر المهرجان عرض أفلامه في الضواحي والأحياء البعيدة عن وسط المدينة، وأصبح يتعين عليك ركوب المواصلات والانتقال من الشرق إلى الغرب، والبحث عن ذلك المسرح أو السينما أو القاعة التي لا تعرف عنها أي شيء، والتزاحم مع الجمهور أمامها. ففقد المهرجان موقعه المتميز المركزي، وفقد طابعه وزخمه الذي كان في الماضي، هذا طبعا بالإضافة إلى أنك تغامر بحياتك يوميا وأنت مضطر للسير وسط الثلوج التي تغطي أرض الشوارع في الوقت الذي يقام فيه هذا المهرجان الشتوي الثلجي أي في فبراير.

تفرقت دماء مهرجان برلين بين القبائل. وظل مهرجان فينيسيا عو الأرقى والأفضل والأكثر تنظيما وراحة ومتعة.. إلى حين!!

 أصبح القرار الصائب عندي شخصيا هو التوقف نهائيا عن زيارة مهرجان كان ومهرجان برلين، وخصوصا أن الأفلام المهمة كلها تأتي لتعرض قريبا مني في لندن، عبر مهرجان لندن السينمائي (المعروف بمهرجان المهرجانات)، ثم يمكن أيضا مشاهدة الكثير في دور العرض اللندنية، ثم- وهذا هو الأهم- يمكنك أيضا الحصول على نسح جيدة منها عن طريق الإنترنت، ولو كنت مثلي، ممن يشاهدون الأفلام بواسطة جهاز عرض (بروجيكتور) على شاشة كبيرة في المنزل، فلن تشعر بغياب الأفلام، لكنك ستشعر طبعا بغياب البشر، لكن أي متعة في الوقوف مع البشر ومع كل هذا التدافع والتزاحم والمشاجرات التي تنتج أحيانا، والانتظار لنحو من 30 إلى 45 دقيقة في طابور الدخول لعروض مهرجان كان مثلا ؟