كريستوفر نولان هو أسوا عدو لنفسه في هذه السيرة المشوشة

Print Friendly, PDF & Email

هناك لحظة في فيلم “أوبنهايمر” عندما أصبح الجميع أخيرًا على استعداد لاختبار القنبلة التي كان كل هؤلاء العلماء اللامعين في لوس ألاموس- نيو مكسيكو يصنعونها خلال السنوات القليلة الماضية، لقد أصبح كل شيء هادئًا. يخيم السكون ثم يغمر الضوء الساطع والحارق كل شيء. يحدق الحاضرون في هذا الجحيم المجنون عبر حاجز واقٍ من الشمس، وعلى عيونهم نظارات واقية. وبعد ذلك، فجأة، يأتي الانفجار الرهيب. هذه إحدى قوى الطبيعة، ولكنها في الوقت نفسه، غير طبيعية على الإطلاق.

كذروة لفيلم عن صنع أول قنبلة ذرية، فهو مشهد مثالي. لكنه ليس مشهد الذروة. بعد أن نجح أوبنهايمر وفريقه من الفيزيائيين والمهندسين وعلماء الرياضيات والمسؤولين العسكريين في اختبار القنبلة، لم نكن قد قطعنا سوى ثلثي الطريق فقط. الفصل الثالث هو مجرد بداية. لقد أمضيت الكثير من الوقت في التفكير في أحدث أفلام كريستوفر نولان منذ أن رأيته بالأمس، وسأكون كاذبًا إذا أخبرتك أن أفكاري قد تشكلت بالكامل. ما هو شعوري تجاه هذه السيرة التاريخية الغريبة؟ هل أشعر بأي شيء على الإطلاق؟

أخشى أن الإجابة على هذا السؤال الثاني هي: كلا.. ربما جعلني هذا الفيلم أفكر أكثر مما فكرت من أي فيلم آخر شاهدته هذا العام، لكنني خرجت من قاعة العرض الليلة الماضية وأنا لا أشعر بأي شيء على الإطلاق. سيكون من الصحيح القول إنني وجدت الفيلم مثيرًا للاهتمام من البداية إلى النهاية، على الرغم من أنه بطيء ومعظم الأحوال، تصعب متابعته. ولكن سيكون من الصحيح أيضًا أن نقول إن فيلم “أوبنهايمر” طويل جدا، وأن السرد فيه مشوش للغاية بحيث لا يمكن اعتباره أكثر من مجرد سيرة مثيرة بصريًا تبدو أقل اهتمامًا بدراسة الشخصية من اهتمامها بتصوير الحالة المزاجية.

كريستوفر نولان مغرم بالتلاعب بالتسلسل الزمني في أفلامه، وغالبًا ما يحقق نجاحًا كبيرًا، لكن نزعات نولان الأسلوبية والسردية هنا مزعجة كثيرا. فالسرد غير متناسق للغاية. هذا ليس “تينيت” (الاشارة الى فيلم نولان “تينيت”- 2020). لا أريد قضاء الوقت حائرا بشأن ترتيب الأزمنة. بالنسبة لأي شخص غير مطلع على هذا التاريخ تحديدا وأبطاله، لا يكون من الصعب فحسب متابعة فيلم “أوبنهايمر”، بل يصعب الاهتمام به أيضًا. إن الكشف الكبير- بعد حوالي ثلثي الفيلم – ليس صادمًا أو مقنعًا بشكل خاص نظرًا لأن العلاقة بين ستراوس (الذي لعب دوره روبرت داوني جونيور بحماس) وأوبنهايمر (الذي لعب دوره سيليان ميرفي في أعلى مستوياته المهنية) لم تكن أبدًا راسخة.

 لو كان نولان قد حاول تطوير هذه العلاقة في وقت سابق من الفيلم، لربما كانت التقلبات والتحولات التي حدثت لاحقًا تعني شيئًا ما. لكن هذا الفيلم يبدو غير مهتم على الإطلاق بسرد قصة إنسانية، بل مهتم إلى حد كبير بالتذاكي بشأنها.  هناك لحظات إنسانية، بالطبع، هنا وهناك. مشاهد متناثرة على مدار ساعات الفيلم الثلاث الطويلة، حينما تبدي الشخصيات بعض المشاعر، أو تنخرط في صراع ما مع بعضها البعض. لكن هذه اللحظات لا تؤدي إلى ما يشبه قصة متماسكة حقًا.

طاقم الممثلين ضخم، ومليء بعدد كبير من النجوم مقارنة بفيلم Asteroid City للمخرج ويس أندرسون، الذي كان مليئًا بالنجوم البارزين في أدوار صغيرة. ولكن في “أوبنهايمر” من الصعب كثيرا، تتبع كل هؤلاء العلماء والسياسيين والجنرالات والزوجات والعشيقات دون انتقالات نولان السخيفة إلى الوراء وإلى الأمام.

يتم التعامل مع الفترات الزمنية بصريًا من خلال استخدام الألوان والأبيض والأسود. فمشاهد ما قبل الاختبارات ونهاية الحرب العالمية الثانية نشاهدها بالألوان، أما حقبة ما بعد الحرب فيتم تصويرها بالأبيض والأسود. ولكن حتى هنا، يكسر نولان قواعده الخاصة، مما يتركنا غير قادرين على الاعتماد على مظهر الصورة والألوان، للاندماج في الأحداث. إنه أمر محبط، ويرجع ذلك في الغالب إلى أن الانتقال بين الأزمنة يبدو غير ضروري.

من المؤكد أن معظم أفلام السيرة الشخصية يتم سردها من خلال تسلسل زمني تقليدي، وأفترض أن هناك حجة يمكن تقديمها هنا للخلط بين الأزمنة في هذا النوع من الأفلام، لكنني لست متأكدًا من قيمة هذه الحجة.

واستخدام نولان للموسيقى الصاخبة والمتوترة بشكل مفرط لخلق شعور بالتوتر أمر غير ملائم هنا، خصوصا في هذا الفيلم الهادئ في الغالب عن العلماء الذين يخترعون أفظع اختراع على الإطلاق. من المؤكد أن الكارثة تقترب، لكن في بعض الأحيان يبدو الأمر كما لو أن عدم التوافق الصوتي مقصود فقط للإحلال محل تصوير فعلي لتصاعد التوتر في السرد. إنه تنافر غريب.

العزف، والبناء، والآلات الموسيقية المحملة بالجهير، والشعور المتزايد بالرهبة والتهديد، كل ذلك يؤدي إلى تصعيد في… غرفة استماع صغيرة، حيث نرى أوبنهايمر يٌعاقب من قبل حكومته بعد الحرب، ويعاني في جلسة استماع مهينة بعيدًا عن أعين الجمهور بسبب سحب تصريحه الأمني.

 المشكلة ليست في الموضوع. فبناء القنبلة مقنع. إن الدراما التي تدور في قاعة المحكمة والصراع الذي واجهه أوبنهايمر بعد الحرب بناءً على معارضته لسباق التسلح النووي أمر رائع أيضًا. وكذلك تاريخه في السياسة اليسارية. إلا أن أسلوب السرد والتجسيد هو الذي يجعلني أشعر بالبرودة قليلاً، وبالدوار قليلاً ولكنه ليس الدوار الممتع. إن التقلبات التي تجعل فيلمًا مثل “بين النجوم” Interstellar ليس لها نفس القوة ببساطة في حالة سرد قصة حقيقية. أو ربما أنما يقدمه نولان هنا أشياء يمكن استباقها أصلا.

سيليان ميرفي رائع. أداؤه يمكن أن يضمن له جائزة الأوسكار وهو يستحقها فعلا. إنه يجعل الفيلم أكثر قابلية للمشاهدة مما كان يمكن أن يكون عليه.

وأخيرًا تحرر روبرت داوني جونيور من توني ستارك (الشخصية التي لعبها في سلسلة أفلام مارفل)، ويذكرنا كم هو ممثل جيد حقًا عندما يُمنح شخصية جيدة. هناك العديد من الممثلين الرائعين هنا، بما في ذلك إميلي بلانت في دور كيتي، زوجة أوبنهايمر المدمنة على الكحول والتي طالت معاناتها.

أود أن أذكر المزيد، لكن هناك الكثير مما لا يمكن إحصاؤه. البعض، مثل رامي مالك في دور دكتور هيل، لم يكونوا يقوموا سوى بأدوار صغيرة، حتى أصبح فجأة لديهم أدوار مهمة للغاية- وهو في حد ذاته نهج صارخ جعلني أفكر “آه، أعتقد أنهم قرروا إعطاء مالك بعض السطور”.. هذا ليس شيئًا تريد التفكير فيه في تلك المرحلة من الفيلم. وهناك أيضًا ما يتعلق بعدد كبير جدًا من الوجوه التي يمكن التعرف عليها في الفيلم، على الرغم من أن هذه مناقشة ربما تأتي في وقت آخر.

بغض النظر، فإن الأداء كان جيدا، من مات ديمون إلى غاري أولدمان وكل ما بينهما. في النهاية، يبدو أن هذا الفيلم يحاول جاهدًا أن يكون عميقًا وقويًا، لكنه يخفي الكثير من قصته في طيات خدع الكاميرا والموسيقى الصاخبة التي تدفن الحوار، مما يجعل نولان يشعر في النهاية بأنه أسوأ عدو لنفسه.

إن اهتمامه بالتفاصيل رائع بالطبع، لكن المرء يتساءل ما إذا كان في استطاعته أن يروي القصة بشكل مباشر من البداية إلى النهاية، أو ما إذا كان كل شيء مجرد دخان ومرايا (وهو ما يناسب لمخرج The Prestige).

المشهد الأخير مؤلم وقوي. القنبلة نفسها وشظاياها الشرسة، ثم انفجار الصوت بعد لحظات طويلة من انفجارها المذهل، وهذا كله كان يمكن أن يكون سببًا كافيًا لمشاهدة الفيلم في حد ذاته. إلا أن هناك فراغًا في كل ذلك لا أستطيع التخلص منه تمامًا. ربما من المفترض أن نشعر بالفراغ بعد مشاهدة مثل هذا التاريخ الكئيب وهو يتكشف.

بالنسبة لعشاق التاريخ والفيزيائيين في لوس ألاموس، ربما يوجد الكثير مما يحبوه هنا. أنا بالتأكيد لم أكره هذا الفيلم. أتمنى لو أن نولان استطاع أن يجعلنا نهتم أكثر بهذه الشخصيات وحكاياتها، لمساعدتنا على فهم المخاطر، ولجعلنا ندعم شخصًا ما أو حتى نتخذ موقفا ضد شخص آخر، بدلاً من مجرد دفعنا مرة أخرى لمتابعة سعيه المحموم للصوت والغضب.

رابط المقال الاصلي

Visited 3 times, 1 visit(s) today