“ظل الغياب” و”كما قال الشاعر”.. نصري حجاج يعانق محمود درويش

Print Friendly, PDF & Email

ماذا أستطيع أن أقول عن “ظل الغياب”؟ لا أريد بالقطع، أن أكتب مقالا كلاسيكيا في النقد السينمائي، أحلل فيه بشكل علمي رصين، الموضوع والأسلوب واللغة، وأرصد ما قد يكون هناك من سقطات أو عثرات، سواء في البناء أو الإيقاع، فسيكون هذا ظلما كبيرا، ليس لنصري الذي يقبل بكل تأكيد هذا المدخل، بل وظلما لي أنا، الذي تأثرت بالفيلم كثيرا على المستوى الشخصي لدرجة أنني لم أعد قادرا على الاحتفاظ بالمسافة المعهودة بين الشاشة والعقل. وربما يكون هذا تأثير كل الأفلام التي تتناول “موضوعة” الموت بمزيج من الشاعرية والرقة، مع التساؤلات المضنية عن مصير الإنسان.

بطبيعة الحال، فإن تساؤلات نصري حجاج التي يطرحها، من خلال الصور واللقطات المعبرة، الآسرة، الخلابة، للإنسان، والطبيعة، والواقع السياسي والاجتماعي، والمحيط الذي يعيش المرء فيه، ويموت، من أقوال الكبار، ومصائر الصغار والكبار، وصايا البشر الذين كانوا بيننا، يعيشون ويعملون ويحاولون القيام بدورهم، وكأنهم يتجهون نحو مصائرهم المحتومة، كل هذه التساؤلات: ما هو سياسي منها، وما هو وجودي تغلفه أشعار محمود درويش وتحلق فوقه روحه (رغم أن الفيلم صور قبيل رحيله).. صحيح أنها تجعلنا نشعر بالغضب، وتفجر فينا نوعا من الاحتجاج والرفض، لكنها أساسا، تردنا إلى التساؤل عن ذلك المغزى المؤلم لمعنى الموت الفلسطيني في المنفى، معنى الغربة حتى بعد الموت، وهل هذا قدر مكتوب، أم نتاج ظلم كبير بحجم التاريخ الإنساني نفسه، وما المخرج من هذا، وأين تنتهي الدورة والدائرة، وهل بوسعنا أن نفعل شيئا.. ماذا نفعل!

أحزان الدنيا
نصري ابن المخيمات، الذي يحمل في داخله حزن الدنيا، أحزنني وأبكاني بفيلمه، وجعلني أطرح أيضا بعض التساؤلات على نفسي: لماذا اختار نصري هذه الزاوية الجديدة في حياة الفلسطيني، رغم وجودها منذ عشرات السنين؟
أعجبني كثيرا المدخل “الشخصي” إلى الفيلم، أو تلك الرؤية الشخصية للموضوع كله، فنصري يحرر التعليق الصوتي المصاحب للفيلم من تجهمه وتقريريته المباشرة، ويجعله حديثا من القلب إلى القلب، ويبدو كما لو كان يروي لنا قصصا وحكايات ربما كانت تشبه، حكايات الأم والجدة، لكنها أساسا، ذكريات وتأملات بعيون “نصري” الطفل الذي لم يكبر أبدا، ذلك الطفل الذي لايزال يستطيع استدعاء حيرة الأم، وأحاديث ومشاعر الجارة، ووصايا الرئيس عرفات له شخصيا، ويبحث في مغزى هذه الجوانب كلها، ويتوقف أمام الكثير من المحطات الكبيرة، أو الأحداث الكبرى في مسار القضية الفلسطينية: اغتيال أبو جهاد، الغارة الإسرائيلية على مقر المنظمة في تونس، الاجتياح ثم خروج المقاومة من لبنان في 1982 ووصولها إلى تونس، ما جرى في تل الزعتر، حرب المخيمات، أيلول الأسود، مجزرة صبرا وشاتيلا.. وغير ذلك الكثير.
هذه الانكسارات الكبرى هي أحداث محفورة في الذاكرة، أو هكذا يستقبلها نصري ويجعلنا نستقبلها، بل إنه في المرة الوحيدة تقريبا في سياق فيلمه التي يتدخل فيها بالحديث ليبدي رأيا دون أن يكتفي فقط بالتساؤل من وراء الكاميرا كما يفعل طيلة الوقت، نسمعه يقول معلقا على ما يقوله له شخص يحاوره نصري في الفيلم: إنهم (أي الإسرائيليون) يخشون ذاكرتنا!

نصري حجاج


ويبدو الفيلم بأسره مثل “أوديسا” كبيرة لا تنتهي بنهاية الفيلم، تمتد بامتداد الرحلة الفلسطينية في الشتات، من فلسطين إلى لبنان وسورية والأردن ومصر وتونس، إلى فيتنام وبريطانيا وفرنسا وأمريكا وغيرها.
ويتوقف نصري أمام عشرات المقابر، لأناس عاديين، ولفلسطينيين معروفين منهم من أصبح رمزا مثل معين بسيسو، ابراهيم أبو اللغد، أنور شهاب، نضال خليل، ناجي العلي، أحمد الشقيري، أبو عمار، محمود الهمشري، هؤلاء جميعا وغيرهم كثيرون دفنوا في الشتات بسبب رفض إسرائيل السماح لجثمان الفلسطيني بأن يرقد في أرضه، فالعودة مرفوضة حتى ولو بعد الموت، كما يتردد كثيرا في الفيلم، والمعنى على أي حال واضح لا يحتاج إلى شروح.
المقابر في الفيلم مثل قطع الحجارة، مبعثرة ومحفورة في كل مكان: ما كل هذا الموت؟ ما كل هذا الموت الفلسطيني، في الغربة وفي الشتات، بطريقة طبيعية أو بالقتل المباشر أو الموت البطيء كمدا؟ ما كل هذه المقابر التي يقول لنا نصري إنها “مقابر جماعية” حفرت هنا وهناك؟ تحت ساحة شهيرة في عمان ترقد مئات الجثث من ضحايا “أيلول الاسود”، وفي موقع من لبنان توجد مقبرة جماعية (85 جثة) نقلت إلى هنا لعدد من ضحايا تل زعتر، ياإلهي.. ما كل هذا الموت.. ومتى يتوقف نزيف الموت قبل الأوان، وزمن الاستشهاد الممتد بامتداد الأرض؟
نصري لا يتوقف فقط أمام المقابر لكنه يصور بذكائه الخاص، ملهى ليليا يكتشفه في مكان ما فوق المنطقة التي تكتظ في الأسفل، أي تحت أرض “الديسكوتيك”، بجثث الشعب الفلسطيني، والراقصون من الشباب فوق أرضية المرقص، يرقصون في ضجة الموسيقى الصاخبة.. ولكن هل هم لا يعلمون ما الذي جرى هنا؟ نصري يقول لنا، بل وتقول لنا الكاميرا، إن المكان بأكمله صمم على شكل تابوت، وصممت جميع طاولاته على شكل نعوش للموتى.. هل هناك سيريالية أفظع من هذا. راقصون وراقصات من الشباب، يلهون داخل ملهى ليلي مصمم على شكل تابوت، ومقاعده وطاولاته على شكل نعوش.. إنه العبث بعينه.


فاجأني نصري حجاج أيضا، بقدرته على التوقف بثقة أمام لقطات معبرة: للأرض وللإنسان، للأطفال وللكبار، وتميزت حركة الكاميرا أحيانا بأنها لا تسعى لوصف ما نراه، بل للنفاذ إلى عمق الأشياء، إلى ما وراء الصور، تبحث عن الروح الكامنة، روح البقاء.. حتى بعد الموت!

عن الشعر ومحمود درويش
وفي فيلمه الطويل الثاني “كما قال الشاعر” (2009) يمد نصري حجاج تجربته في البحث عما بعد الموت، لا عما وراءه، من خلال سياق شعري بديع رصين، تبلغ فيه الصورة الموحية الجميلة، وحساسية الكاميرا أرقى درجاتها، بفضل جهد المصورة الواعية جوسلين أبي جبرايل، كما تتعاقب فصوله مغلفة بالموسيقى البديعة التي وضعتها هبة القواس، لتجعلنا نشعر كما لو كنا أمام عمل من أعمال الفن الرفيع مثل الأوبرا، ولكن بدون اغتراب عنا وعن زماننا أو عن إيقاعه.
كل هذا الإحساس الجميل، سواء بإيقاع الصور في الفيلم، أو بقدرة الصورة على التقاط تفاصيل المكان والتعامل برقة شديدة تليق بشاعرنا الكبير الراحل محمود درويش، يأتي أساسا، من إحساس نصري بالشعر. ولولا الشعر ما ولدت تلك الرؤية، ولا تلك القدرة على التعبير، وعلى صياغة اللقطات وتوليف المشاهد، بمساعدة طاقم محترف يعرف بطبيعة الحال، حساسية الموضوع ويشارك نصري إحساسه به.


إن نصري في هذا الفيلم لا يتحدث عن محمود درويش الشاعر والإنسان، بل يجعلنا نعايشه، ونعايش شعره ونشعر به، من خلال الأماكن التي اعتاد أن يلقي شعره فيها، أو تلك التي عاش بين جنباتها، أو استقبلته وكان يغشاها ويرتبط بها.
ويصور نصري أيضا كيف أن أشعار محمود درويش لاتزال باقية بين جنبات تلك الأماكن، سواء في العالم العربي، أو أوروبا وأمريكا وافريقيا أيضا، وكيف أنها تعيش في ضمير الدنيا من خلال عدد كبير من الشعراء الأجانب الذين يحبون شعر محمود درويش، ويقرأونه في الفيلم، بلغاتهم التي يكتبون بها الشعر، أي مترجما، ومنهم رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دي فيلبان، الذي يجري نصري معه مقابلة بديعة يضعها في سياق الفيلم، مع عشرات المشاهد التي ينتقل إليها بمصاحبة مصورته الواعية، لكي يعيد إلينا كمشاهدين، تجسيد صورة محمود درويش، ولكن من خلال أشعاره، وخصوصا تلك التي كتبها في السنوات الأخيرة من حياته، والتي حملت الكثير من التساؤلات المعذبة الوجودية عن الموت.


صوت محمود درويش حاضر بالطبع طيلة الفيلم، وهو يلقي شعره، دون أن يكون مفروضا على الصورة، ولكن نصري يملك من الإحساس السينمائي ما يجعله يتيح مساحات للتنفس، لكي يترك المشاهدين أمام الصور، يتأملون في مغزاها، ويشعرون بإيقاعها، ويتعايشون مع مفرداتها.
أحببت هذا الفيلم، كما أحببت طريقة بنائه، وعلاقة الشعر بالصورة، فنصري لم يسع أبدا إلى ترجمة القصيدة بالصور كما يفعل البعض، بل حاول أن يقدم رؤيته البصرية الخاصة لتلك القصائد، وأن يحيطها بأكبر قدر من الحب.. حبه الحقيقي للشعر، ولمحمود درويش بوجه خاص، وهذا هو سر جمال الفيلم.


إن نصري حجاج يبدو في فيلميه، مشغولا بفكرة “الذاكرة” الفلسطينية، من خلال البحث في الموت، وفي الشعر، وفي الأماكن، في مغزى العيش المحكوم بالموت، وفي معنى الموت مع وجود الذاكرة التي تحفظ وتحافظ، ولكن أيضا مع الحياة، مع البقاء والاستمرار في التعبير عن رفض الظلم، والدعوة إلى رفض الموت، والانتصار للحياة، ولو من خلال التعبير الصادق بالسينما.

Visited 26 times, 1 visit(s) today