في”الطريق إلى أريحا”: هل سيستمع أقران عاموس جيتاي إلى صوت محمود درويش؟
أمير العمري- فينيسيا
يرتبط المخرج الإسرائيلي عاموس جيتاي بعلاقة خاصة مع المدير الفني لمهرجان فينيسيا السينمائي ألبرتو باربيرا منذ عام 2012، وبالتالي فأفلامه دائما ما تكون حاضرة في المهرجان الكبير، خصوصا وأنها ليس من الممكن وصمها بأنها أفلام صهيونية دعائية مباشرة، بل غالبا ما تميل لتحقيق قدر من التوازن في الطرح. وقد سبق أن شارك جيتاي بسبعة من أفلامه في مسابقة المهرجان، إلا أن فيلمه الجديد “الطريق إلى أريحا” عرض في المهرجان خارج المسابقة، وقد أعرب هو عن سعادته بقبول الفيلم بعد أن فرضت المهرجانات السينمائية الدولية نوعا من المقاطعة للأفلام الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، فمهرجان كان مثلا، لم يعرض هذا العام فيلما إسرائيليا واحدا، ويعود السبب إلى الرغبة في تفادي الجدل والاحتجاجات.
يعتبر عاموس جيتاي من أبرز المخرجين الذين تناولوا علاقة الإسرائيلي بالفلسطيني خلال العقود الأربعة الماضية، في سياقات سياسية واجتماعية متحوّلة. وقد نشأت سينماه على مفترق طرق يجمع بين الوثائقي والروائي، بين السيرة الذاتية والتاريخ السياسي، بين ذاكرة المكان والمعمار من جهة، وبين تشكّل الهويات القومية والإثنية من جهة أخرى.
لا يقدّم جيتاي الفلسطيني بوصفه “نوعًا” ثابتًا، بل كطيف من الصور: الجار، العامل، المنفي، الغائب، المهمَّش، الصوت الوثائقي، أو الحضور المكاني الصامت. وفي بعض الأفلام يقترب من الفلسطيني كإنسان مكتمل التجربة، وفي أخرى يوظّف غيابه نقديًا لفضح غياب قسري في الرواية الصهيونية. وبذلك، تسهم أفلامه في فتح ثغرات في السردية الإسرائيلية التقليدية، من دون أن تصل قط إلى مستوى إعادة كتابة كاملة للتاريخ من منظور فلسطيني.
وكثيرا ما يكون “المكان”: المدينة، البلدة، الحي، المنطقة، منطلقا لمناقشة موضوع “التعايش” الذي يشغل جيتاي في معظم أفلامه، سلبا أو إيجابا، ومحاولة سبر أغوار العلاقة المعقدة بين الفلسطيني والإسرائيلي، والبحث في إمكانية التعايش أو التباكي على التعايش الذي كان في الماضي، وأصبح مفقودا الآن بعد أن سادت أجواء غياب الثقة والتشكك والرفض والعنف.
غير أن جيتاي يميل أحيانا إلى عدم رؤية هذا التعايش كحل نهائي، بل كمأزق: لأن العنف، الشك، الخيانة، الجهاز الأمني، كلها تتدخل كعوامل سلبية في مقاومة مثل هذا “التعايش الهش”.
ويمكن القول إن جيتاي المهموم دوما ببحث إشكالية العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، هو خير من يعبر عن عقدة الشعور بالذنب التي تتجسد عند شريحة من مثقفي اليسار الإسرائيلي تجاه التعامل الإسرائيلي الرسمي مع الفلسطينيين داخل وخارج الخط الأخضر.
وفي كثير من أفلامه، يظهر الفلسطيني ضمن فضاء مشترك مع اليهود، أي فضاء سردي بحيث لا يعود هذا الفضاء حكرا على طرف واحد هو الطرف اليهودي، وهو ما نلمسه على سبيل المثال في فيلم “ليلة في حيفا” الذي يدور كله داخل حانة في حيفا، و”أنا عربية” الذي يدور في حي مختلط بين العرب واليهود من أحياء مدينة حيفا، أو فيلم “منطقة حرة” Free Zone الذي يدور حول المعابر، وفيلم “وادي” الذي ينحصر في أرض زراعية مشتركة.
في هذه الأفلام بحضر المكان ويبرز، سواء كفضاء مشترك، أو كأرضية للصراع، وانعدام التوازن. وهذا تحديدا ما يبرز في فيلمه الجديد “الطريق إلى أريحا” The Road to Jericho، الذي لا يدور في المدينة نفسها بل على تخومها الجبلية، التي يصورها كشاهد على التاريخ، تاريخ المعاناة والهجر والفقدان والتدمير. فهو لا يكف عن مسح البيئة الصخرية في لقطات طويلة، تجسد بوضوح فكرة الدمار، غير أنها قد توحي أيضا بالماضي أو بالتراث القديم الكامن في تلك الأعمدة والنقوش والأحجار وربما تشهد على وجود يهودي في الماضي، يشترك مع البصمات التي لا يمكن محوها للتاريخ الفلسطيني المنقوش على الأحجار.
جيتاي كعادته، يظهر في الفيلم بنفسه في البداية، معتزما بدء رحلة من القدس إلى أريحا، مما يعيد إلى الذاكرة الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي بشأن “غزة وأريحا أولا” الذي قبل به الطرف الفلسطيني، واعتُبر بداية لحل الدولتين “لولا أن وقع اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين في عام 1995 على يد متطرف يهودي”، أو أن هذا هو ما يعتقده جيتاي ويرجع إليه من خلال مقطع طويل من مقابلة مصوره كان قد أجراها مع رابين وسبق له استخدامها في فيلمه الوثائقي “التحريض” (2019) عن اغتيال رابين.
في “الطريق إلى أريحا” نحن في قرية صغيرة بها بعض الخيام البدوية، تسمى الخان الأحمر، وهو مجتمع صغير يضم 300 عضومن البدو الفلسطينيين البسطاء، لكننا سنعرف أنه في الآونة الأخيرة ظهرت تهديدات بتدميرها، من قبل السلطات من ناحية، وكذلك المستوطنين اليهود الذي دأبوا على شن هجمات على القرية وترويع سكانها، بل ويروي أحد الفلسطينيين كيف قاد أحد هؤلاء المستوطنين جرافة وصدم عمدا طفلا فلسطينيا ما أدى إلى سحق جمجمته سحقا وتفتتها وسقوطها في الوادي.

عاموس جيتاي
يظهر شيخ بدوي يتحدث عن فقدان أرضه وأرض أجداده في عام 1967، وكيف أنه عاد إليها ذات مرة بعد عشرين عاما، لكي يجلب شيئا منها يذكر أباه بأرضه السليبة، فوجد أن اليهود قاموا بزراعتها بالصنوبر، لكنه استطاع أن يلتقط عنقود عنب وحيد يتدلى من أعلى شجرة صنوبر، وعندما عاد به إلى والده المسن، انفجر الرجل في البكاء. هنا إذن يريد جيتاي أن يعترف بوجود الفلسطينيين على أرضهم، وأنها سلبت منهم، لكن وكما هي العادة في كثير من أفلامه، تظهر شخصية يهودية من المؤمنين بالتعايش وإمكانية تحقيق السلام، ومنهم سيدة يهودية تتحدث بعض العربية، تقول إنها تأتي بين وقت وآخر، تحمل بعض الفاكهة وتجالس الأطفال. ونحن نرى كيف أن مجموعة الأطفال الذين يحيطون بها، يعرفونها ويأنسون لها، وهي تضحك معهم وتداعبهم، ثم تشكو بدورها من حماقات المستوطنين وتستنكرها. فهل يكفي وجود من يتعاطفون؟ وما الذي أدى إليه وجود فئة من هذا النوع طوال الوقت؟ هل قلت معاناة الفلسطينيين وتراجعت القوة المفرطة التي يمارسها اليهود الإسرائيليون على الطرف الأضعف؟ هذه تساؤلات لا يتطرق إليها جيتاي المشغول أكثر بالشكل، بصنع ما يشبه القصيدة الموسيقية، بلغة السرد، ربما أكثر من المحتوى ذاته، الذي يبقي على قدر من غموض القصيدة الشعرية نفسها والتباسها واحتمالات استقبالها من خلال التفسيرات المختلفة.
جيتاي يقول إن الطريق إلى أريحا هو “عبارة عن رحلة موسيقية ومرئية، قصيدة في صور، مزيج من الفيلم الوثائقي والفيلم الخيالي، خيال ينسج صورًا أرشيفية من أفلام سابقة، بأصوات صامويل فولر، وجين مورو، آرثر ميلر، وإسحق رابين، من بين آخرين، وفي الواقع المعاصر يبدو سكان الخان الأحمر، مهددين الآن بالطرد من قبل المستوطنين”.
وعلى هذا الطريق المؤدي إلى أريحا يسعى جيتاي للتأمل في مصائر الإنسان على هذه الأرض الصحراوية الغارقة في التاريخ رحلة موسيقية ومرئية الذاكرة. لكن الفيلم يفتقد كثيرا للتماسك، ويقتضي من المشاهد أن يتعامل معه، لا باعتباره عملا يوثق لواقع قائم اليوم، بل كشذرات شعرية وهواجس خاصة بمخرجه، تدفعه إلى التحسر على الآمال التي كانت في الماضي، وما أصبح عليه الحال اليوم، مع تفريغ الفيلم كثيرا من الأجواء السياسية، أي الصراع المشتعل اليوم مثلا في الضفة الغربية.
ومع الأخذ في الاعتبار النوايا الحسنة التي تدفع جيتاي إلى محاولة المقاربة بين الفلسطيني والإسرائيلي مع إدانة الممارسات المتطرفة من كلا الطرفين، تكمن مشكلة جيتاي في أن ميله للمقاربة بين معاناة الفلسطينيين في الحاضر، والمعاناة “اليهودية” في الماضي، مما يدفعه إلى أن يربط قسرا، بين ما وقع في زمن “الهولوكوست”، وما يقع في فلسطين اليوم، \ من زاوية التبرير، وبالتالي دعوة المتفرج الأوروبي، (والأجنبي عموما) باستمرار، إلى عدم نسيان ما عاناه اليهود في الماضي.
لذلك يتضمن الفيلم مشاهد كثيرة، سواء من الأرشيف، أم مشاهد أعيد تمثيلها باستخدام بعض الممثلين اليهود والشخصيات اليهودية مثل الممثلة الفرنسية أيرين جيكوب التي سبق أن قامت بدور رئيسي في فيلمه السابق “شيخون”، كما يستخدم جيتاي كلمات القصيدة الشهيرة لمحمود درويش “فكر بغيرك” لكي يختتم بها فيلمه، وكأنه يوجه من خلالها رسالة إلى أقرانه الذين على استعداد للاستماع والإنصات:
وأَنتَ تُعِدُّ فطورك ’ فكِّرْ بغيركَ
( لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ)
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
(لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ)
وأَنتَ تُسدِّد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ
(مَنْ يرضَعُون الغمامْ)
وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ
(لا تنس شعب الخيامْ)
وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ
( ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام)
وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ
( مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ)
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك
(قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ)
ميل جيتاي لجعل البناء السردي لفيلمه، يشبه بناء القصيدة، جعله ينتقل بين الفقرات المختلفة من دون ترتيب أو نسق واضح، بل على شكل تداعيات ونثرات وشظايا، منها ما ينطلق من الذاكرة، وما ينبع من تاريخ المكان، مع لقطات يغلفها الغبار، ويسودها الضوء الشاحب، واللون الأصفر، لون الرمال.
الفيلم تنويعة أخرى على أفلام الاستنكار المخفف، والتعبير الحزين عن تغير الواقع من الأمل إلى استمرار الألم، لكن مع ذلك، ظل الفيلم مفتقدا إلى الوضوح الفكري، والقدرة على التأثير. فمن الذين سينصت اليوم في إسرائيل الى صوت محمود درويش؟ المشاهد الغربي فقط يمكنه أن يشعر ببعض التأثر، وربما يكون هذا هو المطلوب!
