افتتاح مثير لمهرجان مهرجان فينيسيا الـ83 بفيلم بريطاني مدهش
جاك أوكونيل في دور لاري لامب
أمير العمري- فينيسيا
تميزت دورة العام الماضي من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (الموسترا) بفيلم افتتاح قوي ومتميز كثيرا فنياً هو الفيلم الإيطالي “النعمة” Grazia لباولو سورينتينو، خلفا لما هو معتاد من اختيار أفلام خفيفة لافتتاح مهرجانات السينما الدولية وبالأخص مهرجان كان الذي تخيب دائما افتتاحاته الهزيلة بأفلام يحاول بها إرضاء الموزعين والفنيين عن طريق إحاطتها بأضواء لا تستحقها!
ومرة أخرى، هذا العام يجيد مدير المهرجان المحنك القدير ألبرتو باربيرا، اختيار فيلم الافتتاح وهو الفيلم البريطاني المدهش “الحبر” Ink والذي أعتقد أن الاسم الأكثر ملاءمة له هو “تابلويد”، فهو يروي تفاصيل مثيرة تتعلق بغزو الملياردير الأسترالي روبرت ميردوخ عالم الصحافة في لندن، وبالأخص فليت ستريت، شارع الصحافة الشهير ثم سيطرته عام 1969 على صحيفة “ذا صن” التي لن تكن لها أي قيمة كبيرة في عالم الصحافة الذي تربعت عليه وقتها صحيفة “ديلي ميرور” من حيث التأثير والانتشار، وبالتعاون مع رئيس التحرير لاري لامب الذي أسند إليه ميردوخ مهمة تطوير الصحيفة وجعلها الأكثر شعبية في بريطانيا ثم الأكثر توزيعا في العالم. وهي مهمة اقتضت الكثير من التحايل وتجاوز أخلاقيات العمل الصحفي السائدة، واستخدام الجنس والصور العارية ونشر الفضائح واعتبار الخبر سلعة، وكلها جوانب يصورها الفيلم من خلال السيناريو الدقيق والممتاز الذي كتبه جيمس جراهام، ومنحه المخرج داني بويل بأسلوبه الخاص طاقة حيوية مدهشة، فبدا كما لو كان رقصة مجنونة طويلة تلتوي وتتفرع، تقفز على الأمام، وتعود إلى الوراء، من دون أن يفقد الفيلم في أي مرحلة، إيقاعه، ورونقه ووضوح موضوعه وشخصياته.
هذا أساسا فيلم شخصيات مرسومة جيدا جدا، بحكم خبرة جيمس جراهام ككاتب مسرحي أساسا ،ولكون السيناريو مقتبس من مسرحية جراهام التي عرضت بالاسم نفسه على أحد مسارح الويست إند في 2017، ثم إسناد الأدوار الرئيسية إلى ممثلين راسخين، قدموا هنا أفضل ما عندهم، في مقدمتهم دون شك: جاك أوكونيل “في دور لاري لامب)، وجاي بيرس (في دور ميردوخ)، حيث قدم الاثنان مباراة شيقة في التمثيل.
تجاوز الأخلاقيات على جميع المستويات، وخلق صحيفة تعتمد على التعامل المباشر مع الغرائز والنهم الخاص لدى جمهور الطبقات الشعبية للبحث عن كل ما هو مثير، وإغفال القضايا المهمة والسخرية منها، ونشر ما كان يعتبر من المحظورات والدخول في صراع مع الرقابة المباشرة وغير المباشرة، والتصدي للكثير من الاتهامات أمام القضاء، ربما تكون هذه كلها هي أبرز وأهم ما يصوره الفيلم ولكن ليس من خلال أسبو شبه تسجيلي، بل من خلال دراما حقيقية قوية، وصراع إرادات وتناقض المواقف بين شخصيات رئيسية لعبت دورا في تطوير إمبراطورية ميردوخ الإعلامية وخصوصا “الصن” ثم تمردت وانشقت، مع تصوير بعض الأحداث التي دفعت إلى المزيد من التطوير الذي امتد فيما بعد الى جميع أركان إمبراطورية ميردوخ وإن كان الجزء الأخير من الفيلم يكتفي بالقاء نظرات خاطفة سريعة على امتداد نفوذه إلى أمريكا وسيطرته على شركة فوكس للإنتاج السينمائي ثم إنشاء قناة فوكس نيوز اليمينية.
الإيقاع السريع اللاهث الذي اشتره به بويل يتبدى في الأجزاء الأولى ن الفيلم بوضوح، يكاد يصيب المشاهدين بالدوار، خصوصا في مشاهد بحث لامب عن الذين يمكن أن يضمهم أو بالأخرى يغريهم بالانضمام إلى فريقه الصحفي، ثم البحث عن مواد يعتقد أنها التي يطلبها الجمهور الشعبي أكثر من غيرها، ثم الهبوط تدريجيا في مستنقع الإثارة الرخيصة.
إلا أن الإيقاع يهدأ كثيرا، ويصبح طابع الفيلم أكثر تجهما وجدية، بعد حادث اختطاف مويل ماكاي، زوجة المدير العام للجريدة، ظنا من الخاطفين أنها زوجة ميردوخ نفسه وطلب فدية مليون جنيه إسترليني.
يتخذ لاري لامب قرارا شديد الجرأة بنشر رسالة كتبتها السيدة بخط يدها وأرسلها الخاطفون الى الجريدة، وهو ما كان يعد من المحظورات مهنيا وأخلاقيا، وعدم الإنصات لرأي الشرطة، وهو ما اعتبر أنه كان السبب وراء مقتلها في ظروف مأساوية وفشل الشرطة في العثور على جثتها التي قيل إن الخاطفين ألقموها للخنازير في مزرعتهم لالتهامها. هنا يتخذ لامب قرارا شديد الجرأة بنشر
أشار الفيلم سريعا إلى اتجاه ميردوخ لإدخال التكنولوجيا الجديدة إلى مطابع صحفه، ولكنه لم يتطرق أولا إلى سيطرته على واحدة من أقدم وأهد الصحف الرصينة (غير الشعبية أي غير التابلويد) وهي الصنداي تايمز. وأغفل بالتالي حادثا شديد الأهمية في تاريخ الصراع بين ميردوخ وعالم الصحافة البريطانية وهو إضراب عمال الطباعة في مؤسسته الصحفية بسبب اتجاهه للتخلص من بعضهم ونقل مقر صحفه من “فليت ستريت” ووبنج، في محيط لندن، وإدخال الكومبيوتر والتقنيات الحديثة في الطباعة، وهو ما دفعه إلى طرد خمسة آلاف عامل طباعة مردة واحدة، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الإضرابات البريطانية، وذلك بعد ان كانت حكومة مرجريت تاتشر قد سنت قانونا يسمح لأصحاب العمل بالاستغناء عن العمال المضربين. وما أعقب ذلك من اعتصام عمال الطباعة في قلب لندن قبل أن تتم تسوية الخلاف بين ميردوخ والنقابة بمنح النقابة مقر جريدة الصنداي تايمز في “جرايز إن روود” وهو مبنى كبيرة كان يساوي ملايين الجنيهات. وقد عاصرت شخصيا هذه الأحداث، وعشتها يوما بيوم في نفس الوقت مع إضراب عمال مناجم الفحم بعد إغلاق المناجم في عام 1984 بقرار شرس من حكومة تاتشر، واستمر الإضراب في وسط لندن لأكثر من سنة.
على غرار أفلام بويل السابقة يعتبر شريط الصوت جزءا أصيلا في بنية الفيلم، فهو يستخدم مجموعة كبيرة من الأغاني التي عرفتها الفترة، بحيث يخلق أحيانا شكلا أقرب إلى أسلوب صحافة التابلويد نفسها في التعامل مع الأخبار، كما يستخدم الكثير من مواد الأرشيف التي تعكس اهتمامات الصحيفة بنشر الأخبار الساخنة المثيرة، وتصوير لاري لامب رئيس التحرير كما لو كان نبيا مبشرا، بلغ به الغرور إلى تحدي سيده وراعيه ميردوخ نفسه الذي سينهي الأمر بنقله للعمل في مؤسسته الصحفية في أستراليا.
