عن فيلم هيرتزوج وأفلام أخرى في مهرجان فينيسيا
لقطة من فيلم هيرتزوج "باكنج فاستارد"
أمير العمري
كان هناك عدد من الأفلام التي أثارت الاهتمام، سواء داخل مسابقة مهرجان فينيسيا الـ83 أو خارجها، منها أفلام أحبطت التوقعات إلى حد ما، خصوصًا عندما تأتي من طرف مخرجين مرموقين، أصحاب أسماء مشهورة ولها تاريخها في عالم السينما، مثل الياباني هيروكازو كوريدا، مثلًا، الذي لم أجد في فيلمه المشارك في المسابقة، “أنظر للوراء” Look Back، ما يثير الاهتمام. فهو عن طفلتين مولعتين برسوم المانجا اليابانية. وتستغرق أحداث الفيلم ثلاثة عشر سنة، ولكنه يفتقد إلى ما يعرف بـ”التطور” في الحبكة، بل إنه يكاد يخلو أصلا من أي حبكة.

ورغم جمال الصورة، فلا توجد قصة ذات ملامح تتطور أو تسير إلى الأمام، بحيث يمكن أن ينجذب المشاهد إلى الفيلم، بل نظل لمدة ساعتين داخل الحدث نفسه: الطفلتان ترسمان، ثم ترسمان، ثم تذهبان لتقديم رسومهما إلى مجلة ما، ثم تعاودان الرسم، وتتقدمان لمسابقة وتفوزان وتكسبان الكثير من المال، وتطوران فن رسوم المانجا!
لم أقتنع أيضًا بضرورة وجود الفيلم الإيطالي «سيحدث الليلة» It Will Happen Tonight للمخرج ناني موريتي، ووجدت أن الأفلام الإيطالية الأربعة التي شاركت في المسابقة أفلاما ضعيفة أو متوسطة المستوى، وهو ما يشير إلى وجود أزمة حقيقية في السينما الإيطالية. فإن كان هذا خلاصة ما أنجبته وضمته مسابقة أهم مهرجان سينمائي في إيطاليا وأوروبا، فهو أمر يدعو إلى الحسرة والأسى. ولا أظن أن هناك سوى اثنين من المخرجين الإيطاليين يصنعان البهجة والدهشة في عالم سينما اليوم، هما باولو سورينتينو وماتيو جاروني، وهو أمر مؤسف، بالطبع، أن تصبح تلك هي حال سينما عظيمة ذات تاريخ عريق.
فيلم ناني موريتي، الذي شاخ فكره السينمائي منذ أكثر من عشرين عامًا، يكرر نفسه باستمرار، ويدفعه إفلاسه هذه المرة إلى لملمة أطراف مجموعة قصص قصيرة بعنوان «قلب جائع» لكاتب إسرائيلي يدعى أشكول نيفو، يستخلص منها ما يصنع فيلمًا، لا هو بميلودراما الكآبة ولا بكوميديا التفاؤل. رجل متزوج يقع في غرام امرأة متزوجة، بحيث يصبح أسير «صرعة الحب» رغم مضي السنين، وأن المرأة تعيش حياة مستقرة تقول إنها سعيدة مع زوجها وتنجب ثلاثة أبناء، وأن صاحبنا يتزوج من امرأة أخرى، بعد أن تهجره الزوجة الأولى النرويجية وتعود إلى بلدها، تاركة معه ابنهما. ورغم مرور نحو عشرين عامًا، فإن جذوة الحب لا تخبو، فالاختيارات الخاطئة تظل مصدر قلق مستمر، يدفع إلى التلاقي!
أسند موريتي بطولة الفيلم إلى أسخف ممثل أوروبي، في رأيي الشخصي، وهو الفرنسي لويس جاريل (صاحب الأنف المعقوف المنفّر)، والممثلة الإيطالية ياسمين ترينكا، (صاحبة الأسنان المشوهة المكسرة البارزة. التي رفضت باستمرار تقويمها) وأخذ يلف ويدور، ويعيد ويكرر الفكرة، مع كثير من الاستطرادات والتفرعات التي يبذل فيها جاريل كل جهده لكي يضحكنا، دون أن ينجح حتى في دفعي شخصيًا إلى مجرد الابتسام. أما أداء ياسمين ترينكا فهو مسرحي مبالغ فيه كثيرًا جدًا، بحيث يصبح أداءً مفتعلًا لا يقنع أحدًا. ومن الغريب أن الحب المشار إليه لا يوجد له في الفيلم أي أساس، فلا يوجد أي شيء يجمع بين الرجل والمرأة سوى الجنس الملتهب، وهما لا يتبادلان الحديث في أي شيء يتعلق بالحياة، والمرأة تبدو ملهوفة أكثر للمضاجعة، والرجل لا يمكنه سوى أن يستسلم أمام الإغراء، وهو ما جعلني أشعر أنه فيلم عن الرغبة التي تظل مشتعلة رغم مرور السنين، ورغم محاولات الافتراق أكثر من مرة والحفاظ على “العائلة”!
وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يؤخذ على فيلم المخرج الألماني الكبير فيرنر هيرتزوج، صاحب العنوان الغريب Bucking Bastard (وغد زنيم)، فإنني لم أنزعج منه كما انزعج غيري. فهو يبدو متسقًا، بل ومخلصًا تمامًا لرؤية صاحبه، أو، على نحو أدق، لولعه بالغرابة وبالغريب في عالمنا، بالاختلاف الذي يواجهه المجتمع بقدر كبير من القسوة. يحاول تطويع المختلف، فإن لم يستطع فإنه يقهره.
يشيع قدر كبير من الغموض في الفيلم، ولكنه غموض يذكرنا بنوع الغموض الذي كان يكمن في فيلم هيرتزوج القديم «لغز كاسبار هاوزر» (1974)، والذي كان يصور أيضًا شخصًا غريبًا ظهر فجأة في بلد غريب عنه، لا يفهمه أحد ولا يرحمه.
هيرتزوج يقتبس فيلمه من حالة شهيرة ظهرت في مدينة يورك البريطانية في الثمانينيات، هي حالة الشقيقتين التوأم فريدا وجريتا شابلن، اللتين تتحدثان وتتفاعلان معًا في وقت واحد وبشكل متطابق تمامًا، بل وتكتبان معًا، وتصبّان الشاي من الإبريق بأيديهما الأربع معًا. والأغرب، طبعًا، أنهما وقعتا في حب الرجل نفسه، وأخذتا تطاردانه وتسببان له الكثير من المشاكل، مما دفع الأمر إلى ساحة القضاء.
أسند هيرتزوج بطولة الدورين إلى الشقيقتين روني وكيت مارا، اللتين أصبحتا: جين وجوان هولبروك، ونقل الأحداث إلى أيرلندا، لنرى كيف تنتقل الفتاتان في شوارع المدينة معًا، ترتديان ملابس متطابقة، وتجيبان عن أي سؤال بصوت واحد وبإجابة واحدة متطابقة. وقد وقعت كلتاهما في حب سائق الشاحنة «جاريث» (أورلاندو بلوم)، الذي يستغل سذاجتهما، ويمارس معهما الجنس، لكنه يستعد أيضًا للزواج، وسرعان ما يخلق مسافة بينه وبين الاثنتين. إلا أنهما تشعلان النار في صندوق البريد في الحي لكي تحولَا بينه وبين إرسال رسائل الحب إلى خطيبته، وهو ما يجعل الأمر يصل إلى القضاء، حيث تقف الفتاتان أمام القاضي، وفي مشهد طريف يسمح لهما، لأول مرة، على غير ما ينص عليه القانون، بتقديم شهادتهما معًا!

ستصبح الفتاتان بعد ذلك محط أنظار الكثير من الرجال، ولكنهما ستجدان العون من رجل طيب ينقلهما إلى غرفة في منزل يمتلكه في مدينة دبلن. وهناك يتعرضان لسلسلة من التحرشات من جانب رجال آخرين، عمال بناء وسكارى، وبعدها ينتقل الفيلم نقلة كبيرة حينما تدعوهما حالتهما للإقامة معهما في الريف. وفي الحقيقة، هي تريد استغلالهما في العمل في الحقول ورعاية الدواجن وغير ذلك. وهناك يدلهما رجل فلاح مسن على خفايا الكهوف الموجودة في الجبل، ليخطر على بالهما فكرة غريبة، هي ضرورة الوصول إلى المدينة الفاضلة أو الجنة المنشودة التي سيعثران فيها على السعادة والحب المنشود، وذلك عن طريق الحفر في الجبل، وهو ما يستغرق سنوات وسنوات.

الشقيقتان روني وكيت مارا
فكرة البحث عن عالم أفضل وخصوصا عن الحب النقي الخالص المجرد، وهي فكرة تبدو متسقة مع براءة الفتاتين، اللتين يمكن النظر إليهما باعتبار أنهما تنتميان إلى عالم آخر، ليس عالمنا، فهي أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع. ولكن المشكلة أن هيرتزوج يستغرق وقتًا طويلًا في إحاطة مناظر الجبل والحفر والنفق المضيء الذي يمر فيه ترام يسير على قضبان، يحمل سياحًا وزوارًا لا نعرف إلى أين يتجهون، ويجعلنا ندخل في سراديب عالم الأحلام، أو العالم الذي تختلط فيه الحقيقة بالحلم والخيال، ولكن من دون أن نصل في نهاية النفق، أو الفيلم، إلى أي شيء. فهيرتزوج يكتفي بتصوير تلك الحالة الذهنية والنفسية، ويقف هو نفسه عاجزًا عن فك ألغازها. ويتركنا الفيلم من دون إشباع، لكنه يبقى في الذهن بعالمه الغريب ومناظره الرائعة وموسيقاه التي تصبح جزءًا عضويًا من الصورة.
أما العنوان الغريب للفيلم، Bucking Bastard، فهو يأتي على لسان الفتاتين عندما يقول لهما القاضي إن الرجل الذي وقعتا في حبه، أي «جاريث»، ينفي أنه وعدهما بشيء، فتقول الاثنتان في نفس واحد: «باكنغ فاستارد»، وهي، بالطبع، طريقة خاطئة في نطق العبارة الإنجليزية النابية Fucking Bastard، التي يمكن ترجمتها إلى “وغد زنيم”.
طبعًا، من أهم وأفضل ما يميز الفيلم، إلى جانب التصوير البديع، ذلك الأداء المدهش للثنائي مارا، وهو أداء لابد أنهما تدربتا عليه طويلًا، وأضفى على الفيلم جانبًا لا يمكن إغفاله من السحر والغموض. ولكن الغموض ربما كان يحتاج إلى جرعة مضادة من الكشف والتنوير.
