رؤية أخرى لأوديسة نولان: رحلة مبهرة لم تصل إلى قلب الأسطورة
محمد الميسي
لي مع الأساطير اليونانية تجربة شخصية سابقة. فقد كُلّفت قبل سنوات بكتابة نصوص ولوحات تعريفية تتناول شخصية هرقل والأساطير المرتبطة بمغارة هرقل في طنجة، وكنت من بين الذين اشتغلوا على محتوى اللوحات التعريفية الخاصة بالمغارة. يومها وجدت نفسي أمام مهمة دقيقة: كيف يمكن تقديم أسطورة قديمة بلغة معاصرة، من دون أن نفقد سحرها أو نحولها إلى معلومات جافة؟
وأنا أشاهد «الأوديسة» لكريستوفر نولان، عادت إليّ تلك التجربة. فالفيلم يواجه، على نطاق سينمائي ضخم، السؤال نفسه الذي واجهته أثناء اشتغالي على نصوص مغارة هرقل: كيف نعيد رواية الأسطورة للإنسان المعاصر؟ هل نشرحها ونقربها إلى منطقه، أم نترك فيها مساحة للغموض والسحر والخيال؟
الأسطورة لا تعيش بالأحداث وحدها. قوتها تأتي أيضًا من الغموض الذي يحيط بها، ومن المسافة التي تفصل عالمها عن عالمنا. وكل محاولة لتحديثها تحمل مخاطرة مزدوجة: إذا بقينا أسرى النص القديم، صنعنا عملًا جامدًا لا يخاطب الحاضر، وإذا بالغنا في تفسيره وتحديثه، فقدنا الروح التي منحته القدرة على البقاء آلاف السنين.
لهذا لم أشاهد «الأوديسة» باعتباره مجرد فيلم مغامرات ضخم، بل بوصفه محاولة لإعادة بناء أسطورة قديمة داخل عقل مخرج معاصر. نحن أمام واحد من أشهر النصوص المؤسسة للأدب العالمي، وأمام مخرج بنى معظم أفلامه على الزمن والذاكرة والذنب ورغبة الإنسان في العودة إلى بيته.

يبدو اللقاء بين نولان وهوميروس مثيرًا ومنطقيًا. هوميروس يروي رحلة رجل تائه في البحر، ونولان مفتون أصلًا بالرجال الذين يضيعون وهم يحاولون العودة إلى عائلاتهم. لكن هذا اللقاء سرعان ما يتحول إلى صراع بين عالمين: عالم هوميروس المليء بالشعر والحيوية والغموض، وعالم نولان القائم على الدقة والصرامة والرغبة في تفسير كل شيء.
فيلم نولان ليس نقلًا أمينًا لملحمة هوميروس، ولا أعتقد أنه يجب الحكم عليه من هذه الزاوية. من حق أي مخرج أن يغيّر أحداث النص الأصلي، ويحذف بعض الشخصيات، ويضيف أخرى، ويمنح الحكاية معنى جديدًا. المشكلة ليست في ابتعاد نولان عن هوميروس، بل في أن رؤيته الجديدة لا تنجح دائمًا في تعويض ما فقده الفيلم من روح الملحمة.
في نص هوميروس، أوديسيوس شخصية شديدة التعقيد. إنه ملك ومحارب ومغامر، لكنه أيضًا كاذب وماكر وأناني. يريد العودة إلى بيته، لكنه ينجذب باستمرار إلى مغامرات تؤخر عودته. أما أوديسيوس نولان، فقد تحول إلى جندي معاصر خرج من حرب مدمرة، لكنه لم يستطع الخروج منها نفسيًا.
تطارده طروادة، وتثقل ذاكرته صور القتلى وجرائم المنتصرين. لم تعد رحلته إلى إيثاكا مجرد صراع مع البحر والوحوش والآلهة، بل أصبحت رحلة داخل عقل رجل مصاب بصدمة الحرب.
هذه واحدة من أقوى أفكار الفيلم: ماذا يعود من الحرب حين يعود المحارب؟ هل يرجع الإنسان نفسه، أم تعود إلى البيت هيئة تحمل اسمه وذكرياته فقط؟

لكن الفيلم يختزل أوديسيوس أحيانًا في هذه الفكرة وحدها. فبدل الشخصية الذكية والمراوغة، المرحة والأنانية، الشهوانية والمتناقضة، نجد رجلًا حزينًا يجر خلفه شعورًا ثقيلًا بالذنب. يواجه الأحداث كلها تقريبًا بالصمت نفسه والنظرة المنطفئة نفسها.
يؤدي مات ديمون الدور بانضباط واضح، لكنه يبدو أحيانًا أقرب إلى رجل معاصر يمر بأزمة منتصف العمر منه إلى ملك إيثاكا الأسطوري. ولا يتعلق الأمر بمظهر الممثل، بل بروح الشخصية. أوديسيوس يتألم، لكن ألمه لا يتحول دائمًا إلى حضور إنساني حي. يخبرنا الفيلم بأنه ذكي وماكر ومعذب، لكنه لا يجعلنا نكتشف ذلك بأنفسنا من خلال أفعاله.
هنا يظهر أحد أهم تناقضات الفيلم. يريد نولان أن يقدم عملًا مناهضًا للحرب، ولذلك يمنح بطله ضميرًا حديثًا يعذبه بسبب ما حدث في طروادة. لكن أوديسيوس يواصل بعد ذلك التصرف بمنطق القوة والعنف. إنه يشعر بالندم، لكنه لا يتغير بما يكفي ليصبح لهذا الندم أثر حقيقي في سلوكه.
كأن نولان أضاف إلى أوديسيوس وعيًا أخلاقيًا جديدًا، ثم أبقى مسار الشخصية القديم كما هو. وهكذا يصبح الشعور بالذنب حالة نفسية ترافق البطل، بدل أن يكون تجربة تعيد بناءه وتغيّر نظرته إلى نفسه والعالم.
يلمح الفيلم أيضًا إلى فكرة أكثر عمقًا: أوديسيوس ورجاله يشبهون «شعوب البحر» التي يخشاها سكان ذلك العالم. فهم يعتبرون أنفسهم أبطالًا عائدين من حرب انتصروا فيها، بينما تراهم الشعوب الأخرى قراصنة وغزاة يأتون من البحر، ويأخذون الطعام بالقوة، ويتركون الخراب خلفهم.
كان يمكن لهذه المفارقة أن تصبح قلب الفيلم الحقيقي: رجل يكتشف أنه تحول إلى الوحش الذي كان يعتقد أنه يحاربه. لكن الفيلم لا يطورها بما يكفي، بل يكتفي أحيانًا بإعلانها في الحوارات. وهنا تظهر إحدى نقاط ضعف كتابة نولان: الشخصيات تشرح الأفكار أكثر مما تعيشها.
حتى الآلهة يعيد نولان صياغتها وفق منطقه الخاص. بوسيدون ليس بالضرورة إلهًا يظهر فوق البحر ويضرب السفن بغضبه، بل يصبح البحر نفسه، بما يحمله من عواصف وأمواج وخوف. وأثينا لا تبدو فقط إلهة تحمي أوديسيوس، بل تتحول أحيانًا إلى ضميره أو صوته الداخلي، وكأنها معالجة نفسية ترافقه وتدفعه إلى مواجهة ماضيه.

هذا الاختيار ينسجم مع فكر نولان. فهو لا يميل إلى المعجزات بصورتها المباشرة، بل يفضل تحويلها إلى ظواهر محسوسة يمكن تصويرها. لذلك أراد أن يشعر المتفرج بما كان الإنسان القديم يراه غضبًا من الآلهة من خلال الرعد والأمواج والرياح، لا من خلال إله يقذف الصواعق من قمة جبل. وقد أوضح نولان أنه فضّل تقديم حضور الآلهة عبر الظواهر الطبيعية التي كان إنسان العصر البرونزي يعتبرها دليلًا على إرادتها.
الفكرة مثيرة، لكنها تفقر الأسطورة في الوقت نفسه. آلهة هوميروس ليست مجرد تفسير قديم للرعد والمطر. إنها شخصيات تتدخل في حياة البشر، وتغضب وتنتقم وتخدع وتساعد وتتآمر. وحين يحولها نولان إلى رموز نفسية أو ظواهر طبيعية، يصبح أوديسيوس أكثر وحدة، لكن عالم الفيلم يصبح أقل سحرًا وغرابة.
يحرر نولان بطله من سلطة الآلهة، لكنه يتركه سجينًا داخل رأسه.
هذه الصورة تكاد تختصر معظم أفلام نولان. الإنسان عنده محاصر دائمًا داخل بناء أكبر منه: داخل الحلم في «استهلال»، والزمن في «تينيت»، والفضاء في «بين النجوم»، والتاريخ والذنب في «أوبنهايمر». وفي «الأوديسة» يصبح الإنسان محاصرًا داخل البحر والأسطورة وذكريات الحرب.
لكن عالم هوميروس يحتاج إلى أكثر من البناء المحكم. يحتاج إلى رائحة البحر والخشب والعرق، وإلى الخوف والرغبة والمرح والحنين. يحتاج إلى شخصيات تأكل وتكذب وتغضب وتضحك وتشتهي، لا إلى شخصيات تتحرك فقط لكي تعبر عن أفكار المخرج.
ولهذا يبدو الفيلم باردًا في عدد من مشاهده. الحوارات واضحة ومباشرة، لكنها تفتقد أحيانًا الشعر والعفوية. الشخصيات تتبادل الأفكار أكثر مما تتبادل المشاعر، وكأن كل شخصية تحمل جزءًا من رسالة الفيلم وتنتظر دورها لكي تقوله.
حتى العدد الكبير من النجوم لا يصنع دائمًا جماعة حية. تظهر أسماء معروفة، لكن بعض الشخصيات تبقى مجرد وظائف داخل الحكاية. يمكن حذف بعضها أو تغيير الممثل الذي يؤديها من دون أن يتأثر الفيلم كثيرًا.
بينيلوب، التي تؤديها آن هاثاواي، تبدو أحيانًا أكثر حياة من أوديسيوس، لكنها تتأرجح بين امرأة تنتمي إلى عالم قديم وشخصية تتحدث بوعي امرأة معاصرة. أما تيليماخوس، بأداء توم هولاند، فيحمل جرح الابن الذي كبر تحت ظل أب لا يعرفه، لكنه لا يحصل دائمًا على المساحة التي تسمح له ببناء شخصيته بعيدًا عن أسطورة والده.
ومع ذلك، ينجح الفيلم في بعض التفاصيل الصغيرة أكثر مما ينجح في مشاهده الضخمة. وأبرز مثال على ذلك علاقة أوديسيوس بكلبه أرغوس. فهذا الحيوان الذي انتظر صاحبه عشرين عامًا يستطيع بحركة بسيطة أن يقول عن الوفاء والزمن والعودة ما لا تقوله خطب طويلة.
وقد منح نولان أرغوس مساحة أكبر من حضوره المحدود في ملحمة هوميروس. والمفارقة أن واحدة من أكثر لحظات الفيلم إنسانية تأتي من شخصية لا تتكلم. ففي الوقت الذي تشرح فيه الشخصيات البشرية مشاعرها باستمرار، يعبر الكلب عن حبه وانتظاره من دون كلمة واحدة.

على المستوى التقني، لا يمكن إنكار ضخامة المشروع. صُوّر الفيلم كاملًا بكاميرات IMAX طُورت لتناسب هذا النوع من التصوير، واعتمد نولان على المواقع الطبيعية والسفن الحقيقية والمؤثرات العملية ليمنح الرحلة حضورًا ماديًا قويًا.
لكن ضخامة الوسيلة لا تضمن دائمًا ضخامة الإحساس. يمكن أن نرى بحرًا حقيقيًا، وسفينة حقيقية، وسماء حقيقية، من دون أن نشعر بأن العالم حي. الواقعية المادية وحدها لا تصنع الحقيقة الفنية.
كما أن سرعة المونتاج تحرم بعض المشاهد من زمنها الداخلي. تنتقل الصورة بسرعة بين الوجوه والحركات، وكأن الفيلم يخشى البقاء طويلًا داخل اللقطة. نرى الطبيعة، لكننا لا نملك الوقت الكافي للتأمل فيها. ونشاهد المعارك، لكن كثرة القطع تجعل حركة الأجساد ومواقع الشخصيات غير واضحة أحيانًا.
حمل نولان كاميرا قادرة على تصوير اتساع العالم، ثم ضيّق هذا الاتساع داخل مونتاج لا يسمح له دائمًا بالتنفس.
مع ذلك، لا أرى «الأوديسة» فيلمًا فارغًا. إنه يحمل أفكارًا حقيقية عن الحرب والذنب والأبوة وسقوط الحضارات واستحالة العودة كما كنا. لكنه يصرح بأفكاره أكثر مما يجسدها، ويشرح جراح شخصياته أكثر مما يجعلنا نشعر بها.
نولان ليس مخرجًا بلا روح، لكنه مخرج لا يترك الروح حرة من دون أن يضعها داخل بناء دقيق. يريد أن يعرف موقع كل قطعة في فيلمه، وأن يحول الغموض نفسه إلى عنصر محسوب. وهذه هي قوته الكبرى، لكنها أيضًا نقطة ضعفه.
لقد استطاع أن يصنع سفينة سينمائية هائلة، وأن يملأ أشرعتها بالتقنية والطموح والأسئلة، لكنه لم يستطع دائمًا أن يملأها بالدفء والحياة.
وصل نولان إلى إيثاكا، لكن جزءًا من روح هوميروس ضاع في الطريق. وبعد انتهاء الرحلة، بقي في الذاكرة صوت الأمواج، وضخامة الشاشة، وثقل الذنب، وعدد من الصور القوية. أما ذلك المزيج الهوميري من الحكمة والمكر والشهوة والسخرية وحب الحياة، فلم يصل كله إلى الشاشة.
من هوميروس بقيت الحكاية، ومن نولان بقي البناء. وبين الحكاية والبناء، غاب الإنسان أحيانًا.
