جوهر المشهد السينمائي في فيلم “القيمة العاطفية”
علي الياسري
على نهج كتابٍ يُعنى بالذاكرة، يسترجع المخرج يواكيم ترير، في فيلمه المميز “القيمة العاطفية” (Sentimental Value)، أنفاس العيش التي تتسرّب من ثنايا المكان؛ ذلك المكان الذي يتحوّل إلى الكائن البطل، ويتشارك القصّ مع صوت الحياة المنساب في هيئة راوٍ أنثوي عليم، من دون أي حضور جسدي بائن. ومن نبرة هذا الصوت، نلمس حقيقتين أساسيتين: أنه شاخ تحت ثقل سيرة الأرواح الساكنة في البيت الأحمر، وأنه استخلص من تلك السيرة حكمةً جعلته عليمًا بمجريات الوقائع، وبما تختزنه من أسرار في طيات تعاقب الزمن والفصول.
يبدأ الفيلم فصوله ومشاهده بمونتاج سريع، يقوده صوت الراوي الذي يقدّم ملخصًا لتاريخ كيان المنزل، وما يحيط به وما يحتويه من أرواح تعاقبت عليها صروف الدهر عبر حقب الزمن، فتوالت الفصول وتبدّلت المصائر. لقد نهلت الحيوات التي سكنت هذا المنزل من تقلّبات ذاكرة الوجود، حتى انتهت إلى شرخٍ امتدّ عبر الزمن، من بنية البيت إلى جدار العلاقة الزوجية بين غوستاف وشريكته، ليقف في نهاية المطاف حاجزًا أمام التواصل العاطفي بين الأب وابنته.
يواصل هذا الفصل السردي السريع حضوره في محطات محددة تتخلّل الفصول المشهدية الأخرى، على امتداد الخط الزمني للسرد، وبصحبة صوت الحياة العليم. ومع كل عودة إلى الراوي الأنثوي، يتغيّر إيقاع الفيلم، كأنها فسحة سينمائية بصرية تتحوّل إلى رحلة عبر الزمن، أشبه بفيلم قصير يستقطب الذكريات، ويستعيد سيرة الأيام، ويستدعي خزين الوقائع. يتغيّر الزمن، لكن المكان يظل ثابتًا: المنزل الأحمر. وخلف جدران اكتنزت المشاعر والهواجس والتداعيات، يُعلي المخرج ترير من أهمية خطاب الفن السينمائي، ويذكّرنا بأن الإبداع شيء من الحقيقة، وفضاء من الخيال، والأهم من ذلك كله، فيض من المشاعر يحمل «قيمة عاطفية» قادرة على أن ترسخ في وجدان الناس.
في مشهد رهبة التمثيل، قبيل لحظة الولوج إلى خشبة المسرح، تتجلّى هشاشة البناء العاطفي المأزوم لشخصية الابنة نورا. ويكشف لنا صانع الفيلم عن واقعها النفسي عند خطوتها الأخيرة قبل مواجهة الجمهور؛ إذ يضعها تحت إضاءة زرقاء، ثم يجعل خطوتها التالية نحو المسرح تحت إضاءة بيضاء، بخلفية زرقاء، في إشارة إلى دخولها حالة التمثيل وانفصالها، مؤقتًا، عن شخصيتها الحقيقية.
ومن هذا المشهد، يقودنا المخرج، عبر شاشة سوداء، إلى منبع الحزن: المنزل الأحمر، حيث مشهد وفاة الأم التي احتضنت ابنتيها طوال حياتها، كما تنبّهنا إلى ذلك صورة فوتوغرافية. هناك، تتحرّك مياه الذاكرة ببطء في أقنية الروح، وترسمها عناصر بصرية تؤثّث تكوين الكادر. نتنقّل من موقد النار، الذي كان منصة نورا للتنصّت في طفولتها، إلى عودة الأب من ماضٍ موجع، مثقل بذكرياته القاسية، وهو يسعى إلى العثور على مساره وتضخيم صوت حضوره عبر مكبّرات الصوت. ثم نصل إلى قلب ابنة تراكمت في أعماقه الأحزان والشجارات ومشكلات الوالدين، فخدشت براءة الطفولة وتركت علامتها الأبدية في لحظة مغادرة الأب للبيت، لتتحوّل تلك الندوب، مع الزمن، إلى جمرات عاطفية من الألم والغضب.
ومع استمرار الزمن السردي للفيلم، يواصل ترير نهجه التعبيري البصري في مراكمة الإشارات النفسية. فعندما تأتي نورا إلى المطعم للقاء والدها، يستقبلها المخرج بكاميرا تتموضع في الداخل، خلف بابين؛ يوحي الأول بالتشوّه النفسي الذي تحمله في داخلها تجاه شخصية أبيها، فيما يمثّل الثاني منفذًا إلى المواجهة معه، محمّلةً بهواجس لن تستطيع إخفاءها. ولتأكيد هذا المعنى، تأتي المقاعد حمراء، بلون المنزل، في مقاربة بصرية للطبيعة العائلية للقاء، ولتاريخ من القطيعة والبعاد والشكوك.

ويترسّخ هذا الشعور من خلال النافذة الفاصلة بينهما، بوصفها عنصرًا تكوينيًا في المشهد ورمزًا إلى المسافة العاطفية التي تفصل الأب عن ابنته. ولا يكتفي صانع الفيلم بذلك؛ ففي عمق الكادر، يبدو الطقس قارس البرودة خارج النافذة، في إحالة رمزية إلى قسوة الجليد الشعوري المتراكم بين الاثنين، ولا سيما من جهة الابنة. غير أن ترير يكسر هذا الإحباط العاطفي بخط أحمر يمتد خارج النافذة، بوصفه إشارة أمل وطريقًا سيتعيّن على الأب أن يقطعه للوصول إلى قلب نورا.
ولترميم العلاقة، يلجأ المخرج إلى الحوار لكشف الأرواح واختلافاتها، وتقريب الشخصيات منا، والنفاذ إلى أفكارها. فنحن أمام فتاة تعرف أن أباها لا يحب المسرح ولا ما يُقدَّم عليه من سينوغرافيا، ومع ذلك تصبح نجمة على خشبته! كما تعرف شغفه الفني بالغنى البصري الذي يميّز السينما، حيث تتصدّر الوجوه والعيون لغة التعبير؛ فتختار أن تصبح ممثلة بارزة على شاشة التلفزيون!
وحين يلتقي غوستاف براشيل، الممثلة الأمريكية، يخلق ترير مناخًا سينمائيًا للمشهد يحمل مزاجًا لونيًا مبتهجًا، ضمن فضاء تكويني متّسع، توحي به السماء الزرقاء والبحر ورمال الساحل. ومن خلال هذا الفضاء، يقارب المخرج طموح النجمة السينمائية الراغبة في أداء دور تمثيلي مهم، يصبح علامة فارقة في مسيرتها، إلى جانب أحلام مخرج سينمائي عجوز تدفّقت فيه روح الشباب من جديد، مع اشتداد توقه إلى إنجاز فيلم أخير، ربما بعد سنوات من الركود.
ومن خلال سيناريو الفيلم وجلسات التمرين عليه، يحاول صانع «القيمة العاطفية» الغوص في جذور شخصياته، ليقرّبنا من فهم نسق أفعالها وطبيعة ردود أفعالها على المستوى النفسي. وفي الوقت نفسه، يظل قريبًا من الغموض والخيال، ولا سيما عند استعادة ماضي والدة غوستاف، حين يكشف أن حادثة انتحارها لم تكن سوى حقيقة سعى المخرج إلى توظيفها في سيناريو فيلمه المنشود، مع إصراره على أن الفيلم ليس عنها تحديدًا، بل عن ابنته التي يرغب في إصلاح علاقته بها، وعن العائلة بوصفها وطنًا، حوّل خساراته فيه إلى جوهر سينمائي يواصل العيش عبر الفن إلى الأبد.
في أحد أهم مشاهد الفيلم، وهو مشهد عيد ميلاد الحفيد، يضخّ ترير تفاصيل عاطفية كثيرة لتفسير طبيعة القطيعة، واصطدام طرق التواصل المتباينة بشدة بين الأب وابنتيه، على الرغم من محاولاته المتكررة للتقرّب منهما. ويحاول، أولًا، اتخاذ حفيده قناةً للإصلاح والتعويض عن علاقته المتصدّعة بابنتيه، وثانيًا، نقل شغفه بالسينما وانغماسه فيها إلى الحفيد.
ويتّضح ذلك من نوع الهدية التي يقدمها إليه: ثلاثة أقراص فيديو تحمل عناوين أفلام سوداوية لا تتناسب مع طفل في مثل هذا العمر، بسبب تطرف موضوعاتها وثقلها الشعوري ومحتواها المخصّص للكبار؛ وهو ما نكتشفه على وقع سخرية داكنة. يريدنا صانع الفيلم أن ندرك مدى انفصال شخصية غوستاف عن الواقع الطبيعي لتربية طفل، وهو ما يكشف تاريخًا من العجز عن بناء علاقة عاطفية متّزنة مع ابنتيه.
وفي الوقت نفسه، يستثمر المخرج النرويجي الجدل الناشئ بين غوستاف ونورا ليكشف لنا، عبر مفارقة سوداء، أن أعظم حكمة يمكن أن تغيّر شخصية نورا تأتي من أب فشل في التواصل العاطفي معها لسنوات طويلة، لكنه بات، بعد هذا العمر وتجاربه الكثيرة، مقتنعًا بأن العائلة هي أفضل ما يمكن للمرء أن يحصل عليه، وأن وجوده وفنّه يفقدان شيئًا من معناهما من دون ذلك الفرح الصادق بالأبناء.
ومن هذا المنطلق، يصارح غوستاف ابنته بمشكلاتها، ويقودها، عبر حديثه، إلى مواضع الخلل في شخصيتها. فهي تحمل في داخلها كثيرًا من الغضب، الذي أصبح سببًا في عزلتها، وعائقًا أمام حصولها على الحب. ويكسر الأب جدار الحنق الذي تمتلئ به روح ابنته؛ ويعبّر ترير عن ذلك بذكاء في المشهد التالي، حين يغدو الفن مساحة حرة تتيح لنورا البكاء الحقيقي، الذي يغسل الروح ويطفئ نار الغضب من خلال الأداء المسرحي.
وفي المشهد القريب من نهاية الفيلم، عندما تستعد نورا في كواليس العرض المسرحي الثاني للدخول إلى المسرح، يضعها ترير تحت إضاءة حمراء، فتبدو متحفّزة وغير متردّدة، على خلاف حالها في المشهد الأول من بداية الفيلم. وتلمع عيناها بعاطفة تستعيد بها ثقة كانت مفقودة. وما إن تدلف إلى الخشبة حتى تجد الأرض تحتها مفروشة بالأحمر!
إنها العودة إلى المنزل ــ الوطن، المنزل الأحمر ــ حيث يبشّرنا صانع الفيلم، عبر الكشف البصري، بإدراك نورا للسر الكامن خلف الجدران والأبواب والنوافذ: إنها الأسرة، التي يرمز إليها المنزل الأحمر، بما يحمله من تاريخ عائلي ممتد عبر الأجيال، ومن أفراح وخيبات، وأحزان ومسرّات، وأرواح الراحلين وأنفاس الحاضرين. وهكذا، يتحوّل المنزل الأحمر إلى أبيض!
ومن خلال الاشتغال على الوعي الشعوري، يدفع المخرج يواكيم ترير فيلم «القيمة العاطفية» نحو التوهّج الفني، عبر مراجعة التاريخ الشخصي للفرد، ممثّلًا بغوستاف، بحثًا عن الجوهر الإنساني التائه في صخب الحياة. ويضع المخرج الفنان أمام الحقائق، إلى جانب الإضافات التي تخلّفها مرويات الزمن، حيث يعمل الخيال ورغبات الأشخاص، وأحيانًا تمنّياتهم، على صياغة الأحداث ضمن إطار نص سينمائي مشبع بالمفارقات الشخصية.
وفي مختلف المشاهد والفصول، يؤكد صانع الفيلم النرويجي أن الحياة، حين تقع تحت ظلال الفن، قد يدفعها الطموح والأنا إلى عتمة روحية وأسى مخبوء، لا يلبث أن يغسلهما ضياء الإبداع في لحظة من لحظات التفرّد.
