“العمالقة المحترقون”: الرمز السياسي بين الواقعية والواقعية السحرية  

 

أمير العمري- فينيسيا

 

من أجمل ما شاهدت من أفلام في قسم “آفاق” (أوريزنتي) بالدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا السينمائي، فيلم “العمالقة المحترقون” The Burning Giants للمخرج التايلاندي الموهوب فوتيبونج أرونفنج Phuttiphong Aroonpheng، صاحب اللغة الشعرية التشكيلية الرائعة.

هذا فيلم بديع، مشوق، غريب في صوره ومناظره، وهو يبدأ وينطلق من الواقع، يشدك إلى شخصياته ومعالمه الطبيعية الساحرة، وأحداثه البسيطة الموحية التي تقع في منطقة جبال وغابات حدودية تقع بين تايلاند وميانمار، ثم يدخلك إلى عالم سحري، في سياق يدور بين الواقع والخيال، يستدعي من التاريخ، ومن فنون الماضي، من الغناء والموسيقى والأوبرا، ومن التاريخ.

الفيلم من الإنتاج المشترك بين تايلاند وسنغافورة وهولندا وفرنسا. كتب له السيناريو المخرج أرونفنج، وصوره المصور الهولندي ويمو ويهوف.

يدور الفيلم حول شاب من الأقلية العرقية من سكان تلك المنطقة الجبلية، يطلق عليهم “الكارين”. هذا الشاب يهيم على وجهه في الجبل المزروع بالأشجار المغطى بغابات كثيفة. لا نعرف إلى أين يذهب في ظلام الليل. يطارده بعض حراس الحدود من الجيش التايلاندي. يقبضون عليه لكنه يشهر سكينا في وجه أحدهم، ثم يضطر للاستسلام. يطلب منه قائد المجموعة أن ينزع قميصه. نرى علامات حروق غريبة على جسده. الأدخنة ترتفع من الجبال المحيطة بالمنطقة. نعرف أنها أدخنة سامة، لذا فالجنود يضعون الأقنعة الواقعية فوق وجوههم ويحظرون الدخول إلى المنطقة.

المخرج اثناء التصوير في الغابة

يتم إرسال الشاب إلى منشأة للحجر الصحي. سنعرف لاحقا أن الجندي الشاب الذي ساهم في القبض على الشاب الغريب، وذهب في إجازة إلى بانكوك، يرتبط بعلاقة مع فتاة جميلة، تبيع السلع البسيطة في سوق بمدينة بانكوك. وهي تزور شقيقتها وترعى ابنتها في غيابها. وهذه الشقيقة حزينة للغاية بعد أن غاب زوجها الشاب ولم تسمع منه شيئا. ولابد أن يكون هو نفسه الشاب الذي قبضوا عليه في الجبل. لكنهم سرعان ما يطلقون سراحه ويقتادونه إلى الغابة حيث يطلقون النار عليه ويقتلونه. هذا الشاب القتيل بل وزوجته وشقيقتها وكل سكان القرية، من أقلية الكارين التي تعاني من الاضطهاد في تايلاند. فهم يرفضون الحياة العصرية، ويتشبثون بالبقاء في الجبال الخضراء.. ما يكمن تحت جلد الصور، وما نفهمه من السياق هو أن الحكومة تريد إرغامهم على مغادرة الجبال لحساب مشروعات استثمارية جديدة سنعرف فيما بعد أنها حديقة ملاهي مثل ديزني لاند. والحكومة هي التي تطلق الدخان السام الحارق، تريد إرغام سكان الجبل على المغادرة.

كان الشاب الذي قتلوه يرغب فقط في العودة إلى منزله البسيط الذي شيده من الأخشاب في الجبل. ومن الواضح أن زوجته أيضا غير سعيدة بحياتها المؤقتة في بانكوك، بل وتحلم بالعودة إلى الجبل. وهي تترك ابنتها مع شقيقتها وتشرع في البحث عن زوجها، لكن بعد أن تغيب أياما، يبدا الجندي الشاب نزولا على رغبة حبيبته، في البحث عنها. وسوف تقع مأساة تطيح بأحلام الجميع، وتدخل أبطال القصة وتدخلنا معهم في عالم من الخيال: الجندي الشاب تظهر له أنياب، يصبح كائنا معذبا مغتربا وغريبا عن محيطه، وتصبح النار التي يشعلها جنود الجيش في الغابات والقرى والمنازل الجبلية، أداة استدعاء للتاريخ، من قلبها يعاد تجسيد فرقة شهيرة للغناء، ويصبح البناء أقرب إلى الواقعية السحرية، والشعر البصري البديع. ومن جوف المسرح المهجور المختبئ في قلب الغابة، يظهر الغول، ويتبدى جنود يفرون من جيش الملك في حرب قديمة تعكس كفاح القرويين من أجل البقاء.

ليس من الممكن قط رواية تفاصيل الفيلم في أسطر. فهو عمل شعري بصري في المقام الأول، ليس من الممكن الاستمتاع به، وامتصاص كل تفاصيله، سوى من خلال مشاهدته، لكي يمكن للمشاهد أن يتنفس المشاعر التي تفيض بها الصور، وتنبع من داخل كل مشهد، وكل لقطة من لقطاته المصممة بعناية شديدة، ولكن من دون أن تخرجك بعيدا عن السياق الفكري الجمالي. فالجمال هنا، فكر وفن، شكل ومضمون معا.

استمد المخرج موضوع فيلمه هذا من حادثة حقيقية كان بطلها شاب يدعى “بيلي” من قبيلة السنغاو الكارينية (أي المجموعة العرقية من سكان قبائل الجبال في تايلاند وميانمار) هذا الناشط الذي تصدر اختفاؤه القسري في عام 2014 عناوين الأخبار.  لقد عاشت عائلته في قرية بانج كلوي في وسط كاينج كراتشان في منطقة جبل الغابات، غرب تايلاند، حيث بدأت السلطات في إجلاء القرويين الذين عاشوا هناك لأجيال من أجل إفساح المجال لتشييد حديقة وطنية جديدة.

ويقول المخرج إن هذا الناشط باعتباره الشخص الوحيد في قريته، الذي يستطيع التحدث باللغة التايلاندية، كان الوجه المرئي للحركات الاحتجاجية، وهو الذي رفع دعاوى قضائية ضد ضباط الغابات التايلانديين للاشتباه في قيامهم بإحراق منازل القرويين، ثم اعتقل بتهمة جمع الحيوانات البرية بشكل غير قانوني اختفى، ولم يعثر له على أثر. وبعد سنوات قليلة، تم اكتشاف بقايا بشرية محترقة في برميل في خزان قريب، وتطابق الحمض النووي مع بيلي، لكن المسؤولين الحكوميين أصروا على أن الاختبار به أخطاء.

أما الخلفية الخيالية التي تتبدى ملامحها في الفيلم من خلال أسلوب الرقص والغناء والاستعراض والتشكيل بالنيران، فهي تستند إلى “رامايانا”، تلك الحكاية الكلاسيكية عن حرب إله الإنسان ضد غول الشر، أي الغول العملاق الذي اختطف زوجته. وقد أحرق جيش الإله مدينة الغول العملاق وقتله الغول، وانتهت الحرب بانتصار مجيد.  وقد تبنى الملكيون التايلانديون بكل إخلاص قصة الملك الإله الفاضل الذي يفوز في المعركة ضد الغاصب الوقح لتعكس هذه القصة الأسطورية تقليد العبادة الملكية القديم في البلاد، التي كان ملوكها يعتبرون آلهة.

كان فيلم فوتيبونج أرونفنج السابق MANTA RAY “مانتا راي” يدور حول الروهينجا.  وكان يصور كيف ينقذ صياد محلي رجلًا أخرس مصابًا من الغابة، ويطلق عليه اسم ثونجتشاي، يختفي لاحقًا في ظروف غامضة، مما يدفع الغريب للسيطرة على حياته ببطء. وما يربط بين الفيلمين، هو اهتمام المخرج بالأقليات المهملة، المهمشة، لكنه لا يركز اهتمامه هذه المرة على حياة المهمشين بقدر ما يصور أزمة ما بعد الفقدان، وما تعنيه الرغبة المتأصلة في العودة إلى الوطن، إلى البيت، وكيف يستمر الناس في العيش والانتظار والتذكر والبحث عن طريقة للعودة.

عن المزج بين الأساليب يقول المخرج: بدأ الفيلم بواقع محدد للغاية، لكنني شعرت أن الواقعية وحدها لا تستطيع أن تحتوي كل ما أردت التحدث عنه. يتناول الفيلم الذاكرة والاختفاء والعنف والتاريخ. الأشياء الموجودة في مكان ما بين الواقع والأحلام والأساطير، كما أثرت علي أيضا فترة العزلة التي قضيتها في البيت خلال تفشي وباء كوفيد-19 عندما كنت أكتب السيناريو. السينما التايلاندية لديها تقليد طويل في الانتقال من الواقعية إلى ما وراء الطبيعة. بالنسبة لي، هذان ليسا عالمين منفصلين. بل هما طريقتان لرؤية الواقع نفسه.

ويضيف أرونفنج: “لم أكن أرغب في تقديم الصراع على أنه صراع بين أشخاص طيبين مقابل أشخاص سيئين، أو الدولة مقابل الشعب. الفيلم مهتم بكيفية تأثير أنظمة السلطة على الناس العاديين من جميع الجوانب. الجندي الشاب، على سبيل المثال، من حراس الحدود، ليس مجرد شخص شرير. إنه محاصر أيضًا داخل النظام وهو يصبح في النهاية جزءًا من مأساة لا يستطيع السيطرة عليها. والغابة ليست مجرد مكان للفيلم. إنها جزء من تاريخ هؤلاء الناس. الجبال هي موطنهم، لكنها أصبحت أيضًا مساحة مقيدة تسيطر عليها الدولة. لذا فإن المشهد نفسه يحمل سؤالاً حول من لديه الحق في العيش هناك. كان التصوير في المواقع الطبيعية النائية يمثل تحديًا جسديًا، ولكني أردت أن أتقبل هذه الصعوبة. الدخان والرطوبة والظلام والأصوات أصبحت الغابة جزءًا من رواية القصص”.