50 عاما على “الفك المفترس”: القصة من الداخل

 

بدر العقباني

 

بينما تحل الذكرى الخمسون لفيلم الفك المفترس  (Jaws)، يطل علينا المخرج لوران بوزيرو بوثائقي استثنائي بعنوان Jaws @ 50: The Definitive Inside Story، ليسرد قصة واحدة من أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ السينما، والتي لم تكن مجرد قصة فيلم رعب عن سمكة قرش متوحشة، بل كانت نقطة تحول في صناعة الترفيه وبداية حقبة جديدة أطلق عليها البلوكباستر الصيفي (الفيلم الصيفي الضخم).

يأتي هذا الوثائقي كنتاج لعلاقة طويلة جمعت بوزيرو بالمخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ، حيث يعود بوزيرو إلى عالم الفك المفترس بعد أن أعد فيلماً وثائقياً عنه قبل ثلاثة عقود، لكنه هذه المرة يحفر أعمق في ذاكرة الصناعة وأرشيفها، مقدماً شهادة فريدة من داخل العاصفة التي صاحبت صناعة الفيلم الذي كاد أن ينهي مسيرة سبيلبرغ قبل أن يبدأها.

على الرغم من مرور خمسة عقود إطلاق فيلم الفك المفترس، إلا أن صيته لا يزال يتردد كواحد من الأعمال السينمائية التي أعادت تشكيل صناعة الترفيه وخلَّفت إرثاً ثقافيّاً وفنيّاً هائلاً. لم يكن الفيلم مجرد قصة رعب عن سمكة قرش متوحشة، بل كان مرآةً لعصره، وابتكاراً لتقنيات الإبهار البصري، ومصدر إلهام لعشرات الأفلام التي حاولت تقليده.

لا يبدأ الوثائقي من لحظة انطلاق التصوير، بل يسبق ذلك إلى جذور الفكرة الأولى، إلى رحلة بيتر بينشلي في كتابة الرواية التي حملت العنوان ذاته. نتعرف من خلال عائلة بينشلي على التفاصيل الدقيقة التي أحاطت بتوليد الفكرة، وكيف أن مشاهدة بينشلي للفيلم الوثائقي Blue Water, White Death كان الشرارة الأولى، في إشارة إلى أن الإبداع غالباً ما يولد من رحم المعرفة.

كما يكشف الوثائقي عن أن عنوان الرواية لم يُحسم حتى اللحظات الأخيرة قبل تسليم المخطوطة للنشر. ورغم رحيل بينشلي عام 2006، إلا أن الأرشيف الغني والمقابلات النادرة مع عائلته تشكل صورة متكاملة عن الكاتب الذي تعدى دوره من كتابة الرواية إلى المشاركة في كتابة المسودة الأولى للسيناريو، بل وحتى ظهر في مشهد من الفيلم.

يتبع بوزيرو في عمله نهجاً زمنياً خطياً، حيث ينقلنا من فكرة بينشلي الأولى، مروراً بالتحضيرات المضنية، وصعوبات التصوير الأسطورية، وصولاً إلى النجاح الساحق الذي حققه الفيلم. هذا التسلسل المحكم يسمح للمشاهد باختبار رحلة صناعة الفيلم بكامل تفاصيلها، من لحظات اليأس والإرهاق إلى ذروة النجاح.

يأتي هذا الوثائقي تتويجاً لمسيرة حافلة للمخرج لوران بوزيرو الذي اشتهر بأعماله الوثائقية عن صناعة السينما. مع أكثر من 300 عمل في سجله، أصبح بوزيرو مرجعية في مجال أفلام (الماكينغ أوف)، حيث عمل على توثيق عشرات الأفلام الكلاسيكية، بما فيها معظم أعمال سبيلبرغ، هذا ما أتاح له الوصول الكامل إلى أرشيف سبيلبرغ.

يخصص الوثائقي مساحة كبيرة لستيفن سبيلبرغ، وهو أمر يبدو منطقياً في سياق الاحتفاء بفيلم صنع مجده وأسس لمسيرته. يروي سبيلبرغ بتفصيل مؤلم ذكرياته عن عملية التصوير التي وصفها بالكابوس المستمر، حيث كان التحدي الأكبر هو التصوير في المحيط المفتوح، وهو ما لم تجربه هوليوود من قبل.

يقول سبيلبرغ: لم يكن هناك شيء ممتع في صناعة الفيلم، 80% من الوقت القرش لم يكن يعمل. هذه الإخفاقات التقنية تحولت إلى نقاط قوة، حيث اضطر سبيلبرغ إلى تبني أسلوب هيتشكوك في الإيحاء بدلاً من العرض، فكانت النتيجة أكثر إثارة للرعب. وهنا نجد أن حدود الممكن في السينما غالباً ما تدفع إلى اختراق التقاليد السردية وخلق لغة بصرية جديدة.

نرى سبيلبرغ وهو يروي معاناته من اضطراب ما بعد الصدمة بعد انتهاء التصوير، حيث كان يستيقظ ليلاً من كوابيس بأنه لا يزال يصور الفيلم. في لحظة مؤثرة، يروي كيف كان يتسلل إلى قارب أوركا الأصلي في استديوهات يونيفرسال ويجلس في المقصورة الحمراء حيث ألقى روبرت شو خطاب يو إس إس إنديانابوليس، كوسيلة للعلاج من الصدمة.

يقدم الوثائقي قراءة ثرية للسياق التاريخي الذي ظهر فيه الفيلم، حيث كانت السبعينيات في أمريكا موسومة بالحرب في فيتنام وفضيحة ووترغيت، مما خلق مناخاً من انعدام الثقة في المؤسسات. هذا الجو النفسي انعكس ببراعة على الفيلم، حيث أصبح العمدة فون (الذي لعبه موراي هاميلتون) رمزاً للفساد السياسي والصراع مع الحكومة والمال والسياسة، ممثلاً في تفضيله المصالح الاقتصادية لبلدة أميتي على سلامة مواطنيها.

هذه الطبقات الاجتماعية السياسية أعطت الفيلم عمقاً تجاوز كونه فيلم رعب تقليدياً، بل أصبح مرآة لعصر بأكمله. كما يسلط الوثائقي الضوء على دور جون ويليامز في صناعة الرعب عبر موسيقى التصويرية التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية وظاهرة ثقافية، فنحن نعلم أن القرش قادم من موسيقى ويليامز قبل أن تراه أعيننا.

لا يغفل الوثائقي عن التوقف عند العناصر البصرية التي ساهمت في صناعة أسطورة الفيلم، ومنها البوستر الأيقوني الذي صممه روجر كاستل. هذا البوستر الذي يظهر القرش العملاق يهاجم سابحاً بريئاً من الأعماق، تحول من مجرد ملصق دعائي إلى نموذج لكل ملصقات أفلام الرعب التي تلته.

هذا الوثائقي يقدم خدمة جليلة لعشاق السينما، ذلك بتقديمه سياق شامل يوضح لماذا ظل هذا الفيلم مقاوماً لاختبار الزمن. إنه احتفاء بفيلم غير السينما للأبد، وشهادة على أن الإبداع الحقيقي يولد غالباً من رحم المعاناة (حسب قول المخرج)، وأن أعظم التحف الفنية قد تنتج عن سلسلة من الحوادث والإخفاقات التي تتحول ببراعة المبدع إلى نقاط قوة.