“نسور الجمهورية” في الصحافة البريطانية

بمناسبة عرض فيلم “نسور الجمهورية” للمخرج طارق صالح في دور السينما البريطانية، ننشر هنا مقالين نشرا في صحيفتين محترمتين هما “الأوبزرفر” و”الجارديان” لكي يلمس القاريء بنفسه مدى الاستخفاف في الكتابة والتعامل مع الفيلم، من خلال ما يشبه العرض الصحفي السطحي تماما، من قبل الناقدة السينمائية الأولى في صحيفتها، والناقد الرسمي الأول في صحيفته. وهو أمر مؤسف بالطبع. لكن هناك من بين الاخوة العرب هواة السينما، من يقس كتابات النقد الغربي ويعتبرها المقياس عندهم. وقد سبق أن كتبنا ونشرنا عن الفيلم نفسه عند عرضه في مهرجان كان السينمائي 2025.

 

“نسور الجمهورية”.. هذه السخرية من النظام المصري ليست مدعاة للضحك

ويندي إيد

الأوبزرفر البريطانية- 26 مايو 2026

إنه أسطورة السينما المصرية، ويلقب بـ”فرعون الشاشة”. حقق النجم المنغمس في نفسه جورج فهمي (الممثل اللبناني السويدي المذهل فارس فارس) مجموعة كاملة من الأعمال السينمائية مع عناوين مثل: أول مصري يدور في الفضاء، والاختيار المستحيل. والآن أصبح في منتصف العمر، ويرتبط بعلاقة مع نجمة متجهمة (لينا خودري) التي يخطئ جورج دائمًا في اعتبارها ابنته، كما تراكم لديه عدد لا بأس به من العادات السيئة على طول الطريق. لكنه لا يزال متمسكًا بمبادئه، مدعيًا في مبالغة أن “الفن مقدس بالنسبة لي”.

هذه القيم على وشك أن تخضع لاختبار عندما يُعرض على جورج أن يقوم بدور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سيرة ذاتية (وهو ما يذكرك بفيلم مثل “ميلانيا”، ولكن مع المزيد من المعدات العسكرية). وهو يدرك أن هذا ليس دورًا يمكنه أن يرفضه؛ فالتهديدات الضمنية التي يتعرض لها ابنه المراهق توضح له ذلك بشكل قاطع. وما يبدأ كسخرية مضحكة من سطحية المشاهير، ينحرف إلى منطقة أكثر قتامة في الفيلم الثالث من ثلاثية المخرج طارق صالح التي تدور في القاهرة.

تمثل النغمة الكوميدية في البداية تغييرًا منعشًا في وتيرة المخرج السويدي المصري. كان الفيلم الأول في ثلاثيته “حادثة النيل هيلتون” عام 2017، عبارة عن عمل قاتم يكشف فساد مؤسسة الشرطة. أما الفيلم الثاني، وهو فيلم “ولد من الجنة” Boy from Heaven عام 2022 (المعروف أيضًا باسم مؤامرة القاهرة)، فهو فيلم تشويق خانق يكشف مؤامرات تدور في جامعة دينية. وقد لعبت جرائم القتل المروعة وفارس فارس، المتعاون الدائم مع طارق صالح، أدواراً محورية في الفيلمين؛ كع قليل من الضحك.

في المقابل، فإن فيلم “نسور الجمهورية” مضحك للغاية ولا يرحم. وفيه ينتقد صالح الأنا الهشة والعيوب الشخصية للنجم السينمائي المحبوب. هناك مشهد رائع صامت يعكس خيبة الأمل في غرفة النوم، يتبعه مشهد كوميدي حاذق يحاول فيه الممثل المتنكر شراء الفياجرا من صيدلي يتضح أنه من أكبر المعجبين به- ويعرب عن هذا أعلى صوتًا.

الجو مسلي إلى حد كبير في موقع تصوير الفيلم السياسي الذي يجد فيه جورج نفسه يتصرف تحت أعين عملاء المخابرات – “نسور الجمهورية” المفترضين.

عنوان الفيلم الذي يمثله وهو “إرادة الشعب” هو إشارة خبيثة إلى فيلم “انتصار الإرادة”، وهو فيلم دعائي نازي سيء السمعة من إخراج ليني ريفينستال عام 1935.

لدى جورج تحفظات بشأن الاختلافات الجسدية بين الرئيس (قصير، أصلع، بدين) وبينه (طويل، بسجادة فاخرة من الشعر وملامح فخمة معقوفة). ومع ذلك، فهو ممثل يستجيب للعشق والمال على حد سواء، والمشروع يقدم له الكثير من الاثنين معًا. كما أنه مغرور ومضلل بدرجة كافية للاعتقاد بأن القواعد لا تنطبق على شخص مشهور مثله، وربما يكون هذا هو السبب وراء قيامه بالاختيار غير المدروس بالشروع في علاقة غرامية مع سوزان (زينب التريكي)، الزوجة الجذابة لوزير الدفاع.

التلميح الرئيسي للمشاكل القادمة هو وجود الدكتور منصور (عمرو واكد) اليد اليمنى للرئيس في موقع التصوير. إنه هناك، ظاهريًا، للتأكد من تمثيل القائد بطريقة محترمة مناسبة، لكنه يبدأ في التجاوز، ويقدم اقتراحات وملاحظات توجيهية حول أداء جورج.

الممثل منزعج ولكنه مشتت للغاية وممتلئ بالامتيازات التي يتمتع بها وضعه السياسي المرتفع حديثًا لدرجة أنه يفشل في إدراك المخاطر. من ناحية أخرى، يجعل صالح الفيلم على وشك التحول من السخرية إلى الإثارة السياسية. وتبدو موسيقى ألكسندر ديبلات بمثابة تحذير هيتشكوكي مجنون.و التصوير السينمائي لبيير آيم، يأخذ في البداية إشاراته من الميلودراما الصابونية الوسيمة التي صنع فيها جورج اسمه. فالمشاهد تبدو مصقولة ومشكلة بعناية ومضاءة للتأكيد على الدراما المصطنعة. ولكن عندما تنكشف الحبكة الثعبانية، ويجد جورج نفسه محاصرًا بشكل متزايد، تصبح كاميرا آيم مضطربة، من وجهة نظر حيوان محاصر يبحث عن مهرب.

إن موضوع الفيلم ونقده القوي للاتجاهات الاستبدادية للحكومة المصرية يعني أنه كان من المستحيل تصويره في مصر. وبدلاً من ذلك، كما هو الحال مع الأجزاء الأخرى من الثلاثية، تم تصوير فيلم “نسور الجمهورية” خارج البلاد، مع إحلال إسطنبول محل القاهرة. ولم تطأ قدم صالح مصر منذ طرده منها عام 2015، قبل أسابيع فقط من الموعد المقرر لبدء تصوير فيلم “حادثة النيل هيلتون”. وإذا حكمنا من خلال قوة هذا الهجوم المباشر على النظام الحالي، فإنه ليس لديه احتمالات للعودة في أي وقت قريب.

 

“نسور الجمهورية” – فيلم تشويق مغر عن الفساد والتسوية في مصر ما بعد مبارك

بيتر برادشو

الجارديان- 21 مايو 2026

 

لطالما كان المخرج السويدي المصري طارق صالح هجائيًا للفساد والتسويات السياسية المتهالكة والمؤامرات في مصر ما بعد مبارك. والآن يقدم لنا الجزء الثالث من “ثلاثية القاهرة”، بعد “حادثة النيل هيلتون” في عام 2017 ومؤامرة القاهرة في عام 2022.

هذا العمل الجديد عبارة عن فيلم سياسي كوميدي أسود (نوار) تدور أحداثه في مصر في الوقت الحاضر، ويظهر لنا أن كل شخص في عالم السينما الساحر، مفتون بقصص مختلقة يمثلها نرجسيون يؤمنون بشهرتهم الخاصة، يمكن بسهولة الضغط عليهم وتوظيفهم لخدمة الدعاية السياسية.

والنتيجة فيلم مضحك ومثير لليأس يحتوي على شيء من بيلي وايلدر، أو “ميفيستو” لإيستفان زابو، أو المثل الفاشية لبرتولوتشي في “الممتثل”. بالنسبة لي، هناك أيضًا أصداء من رواية دانييل كيلمان “المخرج”، التي تدور حول المخرج السينمائي النمساوي جي دبليو بابست في ثلاثينيات القرن العشرين، والذي أغراه تملق جوبلز بشكل قاتل.

يؤدي فارس فارس دور البطولة، وهو دور نجم سينمائي مصري كبير السن. هذا هو نجم الصباح المدلل جورج فهمي، وهو رجل حقق شهرته من تقديم الأفلام المبتذلة التي ترضي الجماهير، والذي يتم تهديده الآن للقيام بدور البطولة في فيلم سيرة شريرة ترعاها الحكومة عن الرئيس (مع لقطات إخبارية للرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، مقطعة بشكل فج).

وجه فارس الوسيم الهزيل ينقل ببلاغة الغرور، لكنه ينقل أيضًا جرحًا عاطفيًا مؤثرًا وقلقًا وشفقة على الذات. وربما يجعله أنفه المعقوف يشبه نسرًا كرتونيًا، وهو صدى لعصابة مخيفة من الجنرالات الذين أغروا جورج المسكين ببيع ما تبقى من نزاهته المثيرة للشفقة، وأطلقوا على أنفسهم اسم “نسور الجمهورية”.

جورج هو مسيحي قبطي نظريًا، مما جعله موضع شك لدى الحكومة، على الرغم من أنه ليس متدينًا، ومنفصل عن زوجته (دنيا مسعود) وابنه البالغ رامي (صهيب نشوان). ومن على علاقة مع “دميا” وهي فتاة شابة غير موهوبة تريد أن تصبح نجمة سينمائية (لينا خودري) لكنه لا يستطيع إرضائها في السرير حتى باستخدام الفياجرا، وهي تخبره بغضب أن صوت تأوه الرجل في منتصف العمر الذي يصدره أثناء الجلوس يذكرها بوالدها.

جورج يسعى من أجل أن يسامحه ابنه لهجره العائلة، ويظهر لنا الفيلم مدى سوء تقديره وهو يحاول شراء رضائه – بإهدائه ساعة باهظة الثمن في عيد ميلاده، في حين أن رامي أكثر سعادة بما حصل عليه من صديقته، وهي نسخة من أسنان زادي سميث البيضاء.

يجد جورج نفسه تحت ضغط من النظام بسبب حياته الخاصة، على الرغم من أن شريكته في البطولة رولا (شيرين دعيبس) تدافع عنه. وعندما يجف عمله، يُفاجأ عندما يُقال له إن مسيرته التمثيلية لا يمكن إحياؤها إلا من خلال لعب دور البطولة في مشروع الغرور المروع للرئيس على الشاشة الفضية، والذي يشرف عليه رئيس الشرطة السرية منصور (عمرو واكد)، مع تصوير تهديدات غير خفية على حياة رامي.

يجد جورج المسكين نفسه مضطرا لحضور حفلات العشاء والسهرات التي يعقدها المجلس العسكري الرجعي، وأعضاؤه الذين يعترفون جميعًا بإعجابهم غير الصادق بفنه السينمائي. وفي أحد هذه الأحداث يؤكد أحد الجنرالات للمجموعة بسلاسة أن المتعصبين الغربيين، الذين يرغبون في طمس الإنجازات العربية، متآمرون لإخفاء حقيقة أن ويليام شكسبير كان من العالم العربي واسمه “الشيخ زوبير” – وهو ما يفسر، كما يضيف، سبب كرهه لليهود. وهذا جزء غير قبل للإصلاح في سيناريو الفيلم. يهرب جورج مع نسوره قبل السقوط الرهيب والمثير للاشمئزاز.