هل سيكون موسم الأوسكار الأكثر حضوراً لأفلام المثليين ؟

من فيلم "بروكباك ماونتن" من فيلم "بروكباك ماونتن"

دانييل أداريو

مجلة فارايتي- 5 نوفمبر 2026

يحب الرجال المثليون حفل توزيع جوائز الأوسكار، لكن الأوسكار لم تبادلهم دائمًا الحب ذاته.

لقد مر أكثر من 20 عامًا منذ أن خسر فيلم “جبل بروكباك” (Brokeback Mountain) -الذي حظي بموسم تمهيدي واعد- جائزة أفضل فيلم لصالح فيلم “تصادم” (Crash).

ورغم حدوث تطورات إيجابية منذ ذلك الحين – لعل أبرزها فيلم “ضوء القمر” (Moonlight)- إلا أنه لم يفز بعد أي ممثل مثليّ معلن عن هويته بجائزة أفضل ممثل. لكن هذا قد يتغير هذا العام؛ فمن بين القصص العديدة التي تتردد حول حفل توزيع جوائز الأوسكار القادم، ثمة جانب لم يُناقش بما يكفي، وهو أن هذا الموسم يبدو أكثر ارتباطًا بالتجربة المثلية مقارنة بأي موسم آخر في الذاكرة القريبة.

يُعد فيلم “إلسينور” (Elsinore)، من بطولة أندرو سكوت، منافسًا قويًا، وكذلك فيلم “لا بولا نيغرا” (La Bola Negra)، الذي يتناول أجيالًا من الرجال المثليين الإسبان وهم يعيشون وسط تقلبات التاريخ. أما فيلم “كلوب كيد” (Club Kid) -الذي كتبه وأخرجه ويقوم ببطولته جوردان فيرستمان- فهو يروي قصة مؤثرة عن مرحلة النضج، حيث تلعب هوية البطل الجنسية دورًا محوريًا في الأحداث.

وهناك أيضًا فيلم “اصطناعي” (Artificial)، الذي يتألق فيه أندرو غارفيلد بأداءٍ مذهل ومثير للقشعريرة، حيث يجسد شخصية مدير تنفيذي مثليّ في قطاع التكنولوجيا، يظهر كشخص متلاعب يرفض النضج.

تأتي هذه الأفلام في مرحلة تلت أعمالًا مثل مسلسل ” تنافس حار” Heated Rivalary، في وقت يبدو فيه الجمهور أكثر انفتاحًا على القصص التي تتناول الهوية المثلية. وكما استخدم ذلك المسلسل فكرة جريئة لاستكشاف التعقيدات العاطفية للحميمية والحياة في الخفاء (خزانة الكتمان)، تنطلق هذه الأفلام أيضًا في مسارات مفاجئة، لتسلط الضوء على جوانب متنوعة ومتعددة للتجربة المثلية.

خذ على سبيل المثال فيلم “إلسينور” للمخرج سايمون ستون، الذي تدور أحداثه خلال أزمة مرض الإيدز. يؤدي أندرو سكوت دور الممثل الحقيقي إيان تشارلسون، الذي نال شهرة واسعة من خلال مشاركته في فيلمي “عربات النار” (Chariots of Fire) و”غاندي” (Gandhi)، لكنه ظل يخفي هويته الجنسية حفاظًا على مستقبله المهني. وفي أحد المشاهد، يدخل في جدال مع المخرج ديريك جارمان (الذي يؤدي دوره ديفيد دوسون)، الذي يرى أن على تشارلسون مسؤولية العيش بوضوح وعلنية؛ حتى لا تظل المثلية الجنسية – ومرض الإيدز- مجرد مفاهيم مجردة بالنسبة للعالم المغاير جنسيًا.

إنه نقاش شائك ومعقد، يدور بين رجال مثليين يتجادلون على طريقتهم الخاصة؛ حيث تمتزج السخرية اللاذعة بمشاعر عميقة من التعاطف وسط أجواء من الضغينة، بينما يتبادلون الضربات الكلامية. إنهم يعرفون بدقة كيف يؤلمون بعضهم بعضاً، لأنهم هم أنفسهم قد تجرعوا تلك الآلام من قبل.

لقد مرّت 12 عاماً فقط على فيلم “نادي دالاس للمشترين” (Dallas Buyers Club)، الذي صور رجلاً مثليا – كشخصية معيبة لكنها نبيلة في جوهرها- في قلب سردية مرض الإيدز، مع وجود امرأة عابرة جنسياً كعنصر داعم ومكمل.

أما اليوم، فقد أصبحت القصة “مثلية” بشكل صريح وجريء؛ إذ لا يقتصر دور “سكوت” على المعاناة (رغم أنه يعاني بشدة)، بل يمتد ليشمل اختباره للرغبة والمتعة والفرح أيضاً. وقبل وقت طويل من صعود “تشارلسون” إلى خشبة المسرح ليؤدي دور “هاملت” – وهو الأداء الذي قدمه في أيامه الأخيرة، ومنه استمد الفيلم عنوانه- ندرك شغفه الكبير بتبادل الردود الذكية، وقدرته على الحميمية، وعمق مشاعره؛ وهي سمات قائمة بذاتها، وفي الوقت ذاته، مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بهويته الجنسية.

وبالمثل، يتيح فيلم “فتى النادي” (Club Kid) للمخرج “فيرستمان” لبطل قصته الغوص في شخصية لا تُعرَّف بهويتها الجنسية فحسب، بل تُعدّ هذه الهوية جزءاً أصيلاً من تكوينها وجوهراً لماهيتها. يجد “بيتر” -بطل الفيلم- نفسه مضطراً للنضج سريعاً حين يكتشف وجود طفل صغير (يؤدي دوره “ريجي أبسولوم”) بات عليه الآن تربيته؛ وهذا يعني التخلي عن حياة السهر الصاخبة في أوساط المثليين التي كان جزءاً منها، وكذلك التخلص من شعور دفين ومستتر بكره الذات.

وبدقة لافتة، يصور الفيلم تجربة “بيتر” في تلك الأوساط دون أي استعلاء على الجمهور المغاير جنسياً، ودون الحاجة إلى تقديم شروحات مفرطة أو تبسيط مبالغ فيه.

يتناول فيلم “فتى النادي” على وجه التحديد لحظةً باتت فيها “اللذة” – سواء كانت عبر عقاقير الحفلات أو من خلال الوصول إلى أي مقطع فيديو غامض في التاريخ عبر الهاتف الذكي- مصدراً للتخدير وفقدان الإحساس. ورغم أن هذا ينطبق علينا جميعاً بلا شك، إلا أن الفيلم يستمد تفاصيله من تجربة شخصية واضحة، مما يجعله قصته “مثلية” في جوهرها، ومع ذلك، يمكن لكل فرد في الجمهور أن يرى نفسه فيها.

إنّ كون الأبوة شيئًا نشأ بيتر وهو يرى نفسه غير مؤهل له بالضرورة، يُعدّ بحد ذاته تجربةً مميزةً لجيل الألفية من المثليين، ونحن نشاهده وهو يُعيد صياغة توقعاته لما قد تبدو عليه مرحلة البلوغ.

من فيلم “لا بولا نيجرا” أو الكرة السوداء

ويحمل فيلم “الكرة السوداء” La Bola Negra أيضًا بُعدًا معاصرًا، حيث يؤدي كارلوس غونزاليس دور مؤرخ في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يحاول استكشاف أهمية مسرحية لفيديريكو غارسيا لوركا ذات طابع مثليّ، والتي ورثها. يتردد صدى هذا المسعى مع خطين دراميين آخرين، أحدهما سردٌ عن العلاقة الرقيقة والعابرة بين جنديين يقفان على جانبين متنازعين في الحرب الأهلية الإسبانية (غيتاريكاديلافوينتي وميغيل برناردو).

مخرجا الفيلم، لوس خافيس، مثليان. رجلان كانت اجمعهما علاقة عاطفية (انفصلا خلال فترة الإنتاج)، ومن المرجح أن يكونا سفيرين جذابين وصريحين للفيلم حتى موعد حفل توزيع جوائز الأوسكار؛ حيث قد يحصد فيلم “لا بولا نيغرا” (La Bola Negra) – بالنظر إلى الاستقبال الذي حظي به في مهرجان كان وعروضه المحدودة حتى الآن- ترشيحاتٍ مهمة.

وقد صرح المخرج المشارك خافيير كالفو مؤخراً لمجلة “فارايتي” بأنه رفض تبسيط حبكة الفيلم لتناسب الجمهور العام (غير المثلي)، قائلاً: “لا أحب الأفلام التي تعاملني وكأنني غبي. فالجمهور ذكي بما يكفي. عندما أشاهد مسلسل ’تشيرنوبيل‘، قد لا أفهم بعض التفاصيل التقنية النووية، لكنني أظل مندمجاً في العمل. والأمر نفسه ينطبق على عالم المثليين”.

لقد قطع الطريق طويلاً منذ فيلم “نادي دالاس للمشترين” (Dallas Buyers Club)؛ بل تغير الكثير أيضاً منذ الطريقة التي استقبل بها الجمهور فيلم “جبل بروكباك” (Brokeback Mountain). ذلك الفيلم، الذي صدر عام 2005 وحصد جوائز عديدة قبل أن يفوتته بصعوبة الفوز بجائزة “أفضل فيلم”، كان عملاً كسر الحواجز بالفعل. حينها، تم تسويق الفيلم ومناقشته باعتباره قصة حب “عالمية” يمكن لأي شخص أن يجد صدىً لها في نفسه.

نحن نتذكر الفيلم اليوم لخصوصية تصويره للحب المثلي ومعاناة “البقاء في الخزانة” (إخفاء الهوية الجنسية)، لكن فريق العمل اضطر في ذلك الوقت إلى توخي الحذر الشديد في الحديث عنه لتجنب إثارة استياء أي طرف. (وبما أن الفيلم لم يفز بالجائزة الكبرى، ربما كان ذلك الجهد بلا طائل).

من الصعب تخيل شخصيات مثل “لوس خافيس” (Los Javis) أو جوردان فيرستمان أو أندرو سكوت وهم يحاولون القيام بمثل هذه المناورات في العلاقات العامة. فأفلامهم تعبر عن ذواتهم بصدق مطلق، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجارب المثلية التي تشكل جوهرها.

وينطبق الأمر ذاته على فيلم آخر لمخرج مثلي، وهو فيلم “اصطناعي” (Artificial) للمخرج لوكا غوادانيينو، الذي يتناول صعود شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI) بقيادة سام ألتمان؛ فقد شعرت -مرة أخرى- وكأن أسراراً تُكشف أمامنا. لكن هذه الأسرار لم تكن تتعلق بالحب أو الصداقة بين المثليين، بل كشفت عن الجوانب التي يمكن أن يظهر فيها الرجال المثليون – تحديداً- كأشخاص أشرار.

يُقدّم أندرو غارفيلد -الذي يواعد في الواقع زميلته في الفيلم، مونيكا باربارو، لكنه بدا متمكناً تماماً من فهم أبعاد دوره- شخصية “ألتمان”؛ وهو متلاعب محترف يستخدم أساليب تتراوح بين التقارب الحميمي المريب والمستفز، واستجداء التعاطف، لإخضاع المشككين. إننا نلمح في الشخصية جوانب تذكّرنا بعلاقة “نورمان بيتس” بوالدته، إذ نراه يتصل بها باكياً، كما نرى ازدراءه المتعمد والمبالغ فيه لمن يراهم أدنى منه شأناً؛ حيث ينهمك في احتساء مشروب أخضر (سموذي) متجاهلاً إياهم بوضوح حين يشعر بأنه تعرّض للإهانة. وخلف مظهره الذي يتسم بالتلعثم – والذي ندرك لاحقاً أنه ليس سوى أداءٍ زائفٍ ومتكلفٍ للتواضع- يكمن غضبٌ متأجج؛ غضبٌ يجعله غير مبالٍ البتة بما إذا كانت التكنولوجيا التي يشرف على تطويرها قد تؤدي إلى تدمير العالم.

من فيلم “فتى النادي” Club Kid

من يعلم ما يخبئه المستقبل لهذا الأداء في حفل توزيع جوائز الأوسكار؟ فبعد أن نال تيموثي شالاميه أول ترشيح في مسيرته عن دوره كمراهق مثليّ مضطرب في فيلم “نادني باسمك” (Call Me by Your Name) للمخرج لوكا غوادانينو، لم تُبدِ أكاديمية الأوسكار تفاعلاً يُذكر مع أعمال المخرج الإيطالي اللاحقة التي تحمل طابعاً استفزازياً، مثل فيلم “Queer” (الذي يتناول قصة رجل مثليّ) وفيلم “Challengers” (الذي يطرح علاقة ثلاثية معاصرة).

ومع ذلك، يظل أداء غارفيلد لافتاً ومؤثراً ولا يُنسى. سيجد الرجال المثليون الذين يشاهدون الفيلم أنفسهم أمام شخصية تذكّرهم بتجارب سيئة مرّوا بها مع نماذج تشبه “سام ألتمان”؛ فهو يمثل نموذجاً فريداً ومثيراً للاهتمام لشخصية شريرة مثلية، ربما لم نرَ مثلها منذ ظهور “توم ريبلي”.

ورغم أن الفيلم قد لا يحظى بجائزة “GLAAD” (التي تُمنح للتمثيل الإيجابي للمثليين)، إلا أن “Artificial” يُعدّ جزءاً من قفزة نوعية تشهدها أفلام أخرى هذا الموسم تتناول حياة المثليين. إذ بات صنّاع الأفلام أكثر صراحةً وجرأةً في طرح كافة جوانب حياة المثليين: كيف نحب، كيف نحتفل، وكيف يمكننا -في حال تعلّمنا دروساً خاطئة من نشأتنا كمنبوذين أو غرباء عن المجتمع- أن نصعد السلم الوظيفي بطرق شريرة. ولا شك أن السينما تصبح أكثر ثراءً بوجود كل هذه الصور المتنوعة والمختلفة لحياة المثليين.