“هامنِت” سيناريو الفقد الذي فجّر إبداع شكسبير
نهى غنام
يموت الطفل هامنت ويليام شكسبير بطريقة تراجيدية هي أقرب للخيال او الأسطورة، إذ يرى الموت مقترباً من أخته التوأم جوديث (11 عام)، بعد أن أصيبت بمرض عضال يرجح أنه الطاعون، فيقرر أن يحميها ملتصقاً بها حتى الإصابة بالحمى، التي أردته ميتاً خلال ساعات، فيما تنجو شقيقته من مرضها، وتطلق أمه “أغنيس” صرختها المضاعفة، لفقدان وحيدها أثناء غياب أبيه من جهة، ولفشل حدسها بتوقع مستقبل مزهر للولد الذكي، أما ويليام، الاب الطموح الذي بدأ يشق طريقه المسرحي في لندن، فيسابق الريح على صهوة جواد جامح للوصول الى مدينته ستراتفورد، واللحاق بابنته، متجاوزاً مشاهد انتشال الجثث المصابة بالطاعون من الشوارع التي مر منها.
هذه ليست احدى مسرحيات الكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، الذي حقق شهرة منقطعة النظير حول العالم، إنما تراجيديا حياته الشخصية التي اختبأت خلف ابداعه، وبقيت مستترة حتى قدمتها رواية “هامنت” الصادرة عام 2020 للكاتبة ماغي اوفاريل، التي شاركت في سيناريو الفيلم الدرامي التاريخي المقتبس عنها، انتاج عام 2025 وحمل الإسم الحقيقي لابن شكسبير الذي لم تتم ارشفة حياته الخاصة بالوثائق، مع ادراج بعض الأحداث الخيالية لضرورة الجذب والتشويق في هذا النوع من الأفلام.

الفيلم الذي أُدرِج ضمن أفضل عشرة أفلام لعام 2025 حسب المعهد الأمريكي للأفلام، من بطولة جيسي باكلي في دور “اغنيس هاثواي”، بول ميسكال في دور “ويليام شكسبير”، سيناريو وإخراج كلوي تشاو الحاصلة على الاوسكار من خلال فيلمها الذي يروي دراما الفقد أيضا Nomadland.
حصد “هامنت” أيضاً جائزتي أفضل فيلم دراما وأفضل ممثلة دراما في حفل جوائز “غولدن غلوب 83“، كما رُشِّح في 8 فئات ضمن حفل توزيع جوائز “الأوسكار98″، أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثلة.
الفقد محور القصة
تبدو قصة تعارف الشاب ويليام الذي يعمل كمدرس خصوصي ليسد ديون والده مع أغنيس التي يلقبها الناس بساحرة الغابة لتعلقها الشديد بالغابة وقضاء معظم وقتها فيها، تبدو قصة عادية بمحاور متعارف عليها تبدأ بالتعارف، ثم الحب، والزواج رغماً عن أهله، ثم انجاب ثلاثة أطفال، وبعدها فقد الابن الأصغر ومعاناة ما بعد الفقد التي تقبلها الزوجين كل بطريقته، فالأم التي تشكل مركز الأحداث، وقد استمدت قوتها من الغابة بل انجبت ابنتها الأولى في الطبيعة، أخذت تلوم نفسها وتعاقبها ندماً على موت الابن، في حين انصرف ويليام الى العمل في المسرح والكتابة، محاولاً تجاوز فقد ابنه من زاوية، والعنف الذي يغلي بداخله بسبب قساوة والده عليه من زاوية أخرى، وهذا ما يخلق حالة من الجفاء والبرود بين الزوجين.
وتمر المشاهد ثقيلة ومكثفة بالمشاعر بدون تسلسل خطي للزمن، إنما من خلال التنقل من فترة لأخرى، عبر نهج سينمائي يركز على التعبير البصري والاحساس العاطفي
بدلا من السرد القصصي التقليدي وهذا ما يعرف بـ”السينما الشعرية” التي تستخدم فيها السينما أدوات موجودة في الشعر كالعلامات والرموز، مما يثير استجابة عاطفية لدى المشاهد تختلف عن القصص بشكلها المعتاد، فيفتح الباب للتأويلات أكثر وينغمس في القصة باستمتاع أكبر وكأن الفيلم قصيدة مصورة.

تنامت العقد والعقبات في الاحداث الصاعدة كلقاء البطلين ونشوء علاقة بينهما أدت الى حمل أغنيس التي رفضها أهل ويليام في البداية، حتى موت هامنت بعد أن تقمص مكان اخته وخدع الموت، مشكلاً بذلك ذروة الصراع المتمثل بالفقد والحدث الذي انقلبت بعده أحداث الفيلم.
البناء الفني
تناوبت عناصر الشكل الفني في التعبير عن عمق وزخم القصة القادمة من صفحات التاريخ، والمتعلقة بشخصية تكاد تكون أسطورية مثل شكسبير، وكان الابداع في التمثيل أولها، حيث تمكنت الشخصيات من رسم ملامحها جيداً في سياق القصة المحزنة، خاصة الممثلة جيسي باكلي التي ضخمت مشاعر الامومة فأجمع النقاد على أدائها الساحر والمؤثر.
وقد ارتبط التصوير بالمساحات الخارجية الشاسعة، ومدى تعامل الشخصيات مع الطبيعة، تحديداً الغابة التي شكلت مسرحاً مهماً في المشاهد الأولى ومشهد الولادة، ثم لعبت دوراً مهماً في ديكور مسرحية هاملت في النهاية، كما أجادت الكاميرا التعامل مع المساحات الضيقة، التي توحي بالجو المسرحي، داخل البيوت الإنجليزية القديمة.

وعلى الرغم من بطء إيقاع الفيلم الذي يعتبر من أفلام التأملات، التي تركز على الحالة النفسية للإنسان، استطاعت الصورة أن تنقل للمشاهد تجربة حسية مكثفة، وليس مجرد معلومات، وهذا يحتاج الى مُشاهد يمتلك ثقافة سينمائية عميقة تمكنه من قراءة هذه الصورة بطريقة مختلفة، واتسمت مشاهد المواجهة بين ويليام وأغنيس بعد فقدان هامنت، بالعنف والحنان في الآن نفسه، فكلاهما يتفهم الآخر لكن يصد عنه، ولعل هذا التكثيف والتناقض في سرد السيناريو هو ما أضعف الحوار لصالح شعرية الفيلم.
وقد استطاع المخرج أن يوظف الإضاءة جيداً في كشف خبايا الشخصيات والزوايا، فقدم اختلاف درجة الإضاءة بين بيتي وليام وأغنيس مثلاً، دليلاً على أن اغنيس المتصالحة مع واقعها ومع الطبيعة والناس حولها، بينما ويليام يعاني من عنف والده المكبوت في داخله والذي يظهر في عتمة بيته، كما تغيرت اضاءة غرفة هامنت وجوديث عندما اقترب الموت منهما فمالت الى السواد، أما في الخارج فقد أنار ضوء الطبيعة المشاهد جميعها.
انتهى الفيلم بموت “هاملت” في المسرحية التي عكف شكسبير على كتابتها والتجهيز لها لمدة 4 سنوات منذ فقد ابنه، كل مشهد نطق بحزنه على فراق “هامنت” الذي أشار في بداية الفيلم الى أنه نسخة أخرى من “هاملت”، لقد عصر الأب خلاصة تجربته المريرة بإنتاج واحدة من أهم المسرحيات على مستوى العالم، فيما بقيت عيون أغنيس أول المشاهدين تحدق مذهولة بما يجري في المكان، وأخذت رويداً رويداً تصدق حالة الندم التي يعيشها زوجها، عبر انغماسها مع الآخرين في قصة المسرحية، ومنذ تلك اللحظة تفجر سيل الابداع لدى ويليام شكسبير، الأسطورة التي خلدها التاريخ دون أن ينظر الى حياتها الخاصة.
