“مملكة القصب” من الأهوار إلى الحصار.. حكاية نجاة مؤجلة

في تجربة شخصية داخل فضاء سينمائي في فرنسا، حضرت عرض فيلم “مملكة القصب”The President’s Cake بصحبة أصدقاء فرنسيين مهتمّين بالسينما، كنتُ العربية الوحيدة بين جمهور المشاهدين. خلال العرض تباينت أنماط التفاعل داخل الصالة، إذ انطلقت بين الحين والآخر ضحكات خافتة على بعض المشاهد، متفاعلين مع الأثر اللحظي، في حين رحتُ أجهش بالبكاء، في لحظات بدت كاشفة لاختلاف زاوية التلقي بين ما يحمله الفيلم من ثقل سردي، وما يُستقبل به في سياق فرنسي يميل أحياناً إلى قراءة المشاهد من مسافة جمالية، وهو ما كشف اختلافاً في زاوية التلقي داخل لحظة المشاهدة نفسها. ومع تقدّم الفيلم، تصاعد الإحساس بالثقل العاطفي، امتزج فيه الأثر السينمائي بذاكرة الحصار الذي ما يزال يلقي بظلاله على حياة بعض الشعوب حتى اللحظة.

بعد انتهاء العرض، امتد النقاش مع الأصدقاء حول الفيلم، ثم تابعْتُ أبرز المراجعات النقدية العالمية التي تناولته، في محاولة لفهم كيفية تلقّيه داخل النقد الغربي وطرائق قراءته لسينمانا..

تشير بعض المراجعات الغربية المنشورة في صحافة المهرجانات إلى التركيز على البعد الإنساني والعاطفي لفيلم “مملكة القصب”، وعلى سردية الطفولة داخل سياق الديكتاتورية والحصار، مع اهتمام واضح بالأثر الجمالي والبصري، في مقابل محدودية التعمق في تفكيك البنية الاجتماعية وآليات اشتغال السلطة داخل تفاصيل الحياة اليومية التي تناولها الفيلم، وما يرتبط بذلك من إنتاج للقيم ومنطق البقاء، وكيف انعكس ذلك على أسلوب المخرج البصري، وهو ما أسعى إليه في هذا التحليل.

تدور أحداث فيلم “مملكة القصب” (أو كعكة الرئيس”) للمخرج العراقي حسن هادي في أوائل تسعينيات القرن العشرين، في ذروة الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق إثر غزو الكويت. وسط هذا الدمار تُكلَّف “لميعة”، وهي طفلة يتيمة في التاسعة من عمرها، بمهمة بسيطة لكن تنفيذها شبه مستحيل، إذ يجب عليها جمع مكونات نادرة (دقيق، سكر، بيض) لصنع كعكة احتفالاً بعيد ميلاد الرئيس صدام حسين، بناءً على أوامر مدرسية صارمة تحت طائلة الإبلاغ عن تقصير الأسرة للسلطات في حال لم تُحضر لميعة مواد صنع الكعكة.

يبدأ الفيلم مشاهده الأولى بحضور لميعة إلى المدرسة قلقة، بعد أن أمضت يومها السابق تقرأ الأدعية، لعلّها تمنحها الحظ، فتنجو من هذا اليوم الذي يقع فيه الاختيار على اسم من الأسماء لخبز كعكة عيد ميلاد الرئيس. منذ اللحظة الأولى نحن وجها لوجه مع نظام قمعي يتمثّل في أستاذ المدرسة الذي يقوم بالتهام تفاحة لميعة، ثم يجري القرعة، ويقع الاختيار عليها، في حين يكلّف صديقها سعيد بجلب الفواكه.

إن قلق لميعة وتوترها نابعان من سؤالها عمّا سيؤول إليه هذا الاختيار. فالقرعة تمثل عنفاً مُبطّناً يفرض المصير بصورة عشوائية، دون مراعاة لمن هو قادر على أداء المهمة أو غير قادر عليها. وهذا ما يخلق حتمية درامية، إذ تبدو الكارثة مؤجّلة لكنها محتومة.

يكشف الفيلم باستخدام هذا الرمز الاحتفالي (تحضير الكعكة) عن علاقة مختلة بين الفرد والسلطة تدفع الإنسان إلى المشاركة في طقس يخدم الجهة التي تفرض عليه الحرمان. فكرة أن طفلة جائعة مطالبة بصنع كعكة للاحتفاء بمن يرتبط اسمه بالجوع تمنح المشهد قسوته، وتضع المتلقي أمام مفارقة لا تحتاج إلى شرح. والفيلم يهتم بتفاصيل الحياة اليومية، ورغم وجود القمع والاستبداد، لا يسلّط الضوء على القمع، لكننا نرى نظام حياة كامل يتشكّل حوله، فنحن لا نرى أجهزة السلطة كثيراً، لكن نشاهدُ أثرَها من خلال حياة الناس الذين يطبخون، ويبيعون ويتحايلون، ويربون أطفالهم..

 تنطلق لميعة برفقة جدّتها “بيبي” التي تقوم بدورها “وحيدة ثابت خريبات” في رحلتهما إلى المدينة، تصطحب الجدة معها راديو قديما، وساعة ثمينة تعود لعائلتها، حيث تبيع الراديو لتشتري بثمنه ثياباً لحفيدتها “لميعة” بعد أن اتخذت قرارها بوضعها عند أسرة تتولّى رعايتها، بحجّة أنّها قد كبرت في السن وأنّها مصابة بمرض السكري، وتريد الاطمئنان على مستقبل لميعة، لكنّ لميعة تنجح في الهروب، وتبدأ في البحث عن مكونات الكعكة.

يفتح المخرج مساحة لفهم تغلغل السلطة في كلّ زاوية من زوايا الحياة اليومية، ويكشف عن بنية أعمق تتحكم في السلوك وتعيد إنتاجه بهدوء، فما بدأ كواجب مدرسي يتضح تدريجياً بأنّه درس طاحن يُجبر الأكثر ضعفاً على حمل عبء هذه السلطة.

الفيلم خالٍ من ضجيج الخطابات أو الأحكام الجاهزة، لا توجيها أخلاقيا فيه، فهو عمل هادئ يعتمد على المشهد والصورة، وعلى قوّة الهمس لقول ما يكفي، وترك أثره يتشكل تدريجياً داخل المتلقي دون فرض أو توجيه صريح.

يُظهر الفيلم أن الأطفال والنساء هم الطبقة العاملة الخفية في زمن الانهيار، لميعة تعمل طوال الفيلم، تبحث عن حلول، تفاوض، تبيع، تسرق، تتنقّل، هذا العمل غير مرئي سياسياً لكنه أساس بقاء المجتمع، لميعة مركز الحكاية.

 داخل سياق اجتماعي تحكمه بنية ذكورية وظرف تاريخي مثقل بالحرب، يغيب الرجال في هذا الواقع عبر الجبهات والسجون والمنافي، فيما تقع مسؤولية تدبير تفاصيل العيش على النساء والأطفال. يكشف الفيلم عما يجري في الحياة اليومية من الداخل، حيث تتشكل القرارات الصغيرة تحت ضغط الحاجة.

يعتمد الفيلم على سلسلة مواقف صغيرة متوترة، وفوضوية بين لميعة ” بنين أحمد نايف ” وصديقها سعيد، تفقد لميعة ديكها “هندي ” الذي تصطحبه معها أينما ذهبت، وينشب خلاف بينها وبين سعيد الذي يسعى لتأمين الفاكهة، ويبحث عن والده المتسوّل، وفي مشهد دال يقوم سعيد برمي قنينة البيبسي التي سرقها خصيصاً لأجل لميعة، مشهدٌ موجع ومؤثّر، تكثّف فيه أثر العالم الأمريكي/ الغربي داخل زمن الحصار،  البيبسي منتجٌ نادر مرغوب يتسلّل إلى واقع محروم، حاملًا صورة رفاه لا وجود لها في حياة الشخصيات، فيغدو الخارج حاضراً عبر سلعه، غائباً عبر شروط الحياة الكريمة. عند لحظة رمي القنينة ينفجر الفعل على مستويات متراكبة غضب شخصي حاد يتولّد من الإهانة وانكسار المسعى، ثم الإطاحة بقيمة الندرة في عالم مختلّ المعايير، حيث تتقدّم الكرامة على الامتلاك، ولكنّ ذروة رمزيته الساخرة تكشف التناقض العميق بين حضور السلعة وغياب الحياة التي توحي بها، إذ يمسك الأطفال بعلامات الرفاه فيما يُدفعون إلى نقيضها.

 الأطفال في الفيلم يقومون بوظائف الكبار- تدبيرًا وصراعًا وبقاءً- ويكشفون بحدسهم قسوة اللعبة، بينما يتراجع الكبار إلى الهامش منهكين فاقدين للفاعلية، يشبهون ترهّل العراق زمن الحصار.

تقرأ لميعة العالم بعين حساسة للتناقضات، وتلتقط ما يغيب عن الخطابات العامة، دورها لا يقوم على استثارة الشفقة، فهي شخصية قويّة، ذكية ذات إرادة، يتشكّل وعيها من التجربة المباشرة. تبدو قادرة على الفهم واتخاذ الموقف ضمن حدود عمرها، وتعبّر عن مقاومة هادئة عبر سلوكها اليومي وخياراتها الصغيرة، تفرض شخصيتها إيقاعها الخاص على السرد، وتمنح التجربة بعداً إنسانياً واضحاً دون حاجة إلى تضخيم أو ترميز مباشر.

لميعة لا تفهم السياسة، لكنها تفهم الظلم بشكل فطري وغريزي. وهذا بالضبط ما يجعل نظرتها أكثر حدة ووضوحاً من نظرة البالغين الذين طالما تآكلت قدرتهم على الرؤية تحت وطأة الخوف والتكيف القسري، الطفل لا يؤوّل، لا يبرر، لا يتسامح مع اللامعقول. الطفل يرى الأشياء كما هي، ويسمي الظلم ظلماً دون أن يملك مفردات السياسة.

 الفيلم يسلّط الضوء على قلّة الوعي والشعور بالاستبداد لدى المجتمع، أكثر من الفقر والجوع وقلّة الموارد، فشخصياته بما فيهم لميعة تمارس حياتها اليومية دون أن تسأل لماذا تقوم بذلك، ولماذا عليها تحضير الكعكة، لماذا عليها تقديم هذا الجهد، وإلى أين يقودها. الطفلة تتحرك للبحث عن الكعكة بسبب أوامر وضغوط من حولها، لكن هذا الجهد لا يرتبط لديها بفهم واضح للهدف أو معنى ما تفعله. الهدف يأتي من الخارج، وليس من قناعة داخلية، لذلك تبدو الأفعال وكأنها تُنجز لأن الظروف تفرضها فقط.

تتكوّن القيم والمبادئ في الفيلم داخل الواقع ذاته، فالقيم ليست قواعد جاهزة تُستدعى للحكم على الأفعال، خلال رحلة لميعة للبحث عن مكوّنات الكعكة، نجد أنّ الحاجة هي العامل الحاسم في تنظيم العلاقات المجتمعية وتحديد مساراتها. داخل هذا المجتمع تتراجع الفوارق بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، إذ تُعاد صياغة السلوك وفق ما يضمن الاستمرار، في سياق يفرض إيقاعه على الجميع.

في أحد المشاهد يرتبط حصول امرأة على الطعام بتنازل جسدي يكشف مستوى القسوة الذي بلغته شروط العيش، وفي مشهد آخر، تُضطر لميعة لبيع ساعة عائلية تحمل قيمة وجدانية، وتكتشف أن النقود التي حصلت عليها مزيفة، بينما يبلغ هذا السياق ذروته بمشهد بسيط يُجبر لميعة نفسها على سرقة الطحين من المتجر.

يضع الفيلم المتلقي أمام مجتمع تُدار فيه العلاقات عبر ميزان واحد، وهو القدرة على البقاء، ويُعيد بناء الواقع نفسه من خلال ضغط الحاجة واستجابة الأفراد لها.

نجد أن السلوك النبيل في الفيلم يظهر داخل ضغط يهدد محوه، فالعلاقة بين لميعة وصديقها سعيد ” سجاد محمد قاسم” ذات بُعد وظيفي يرتبط مباشرة بظروف البقاء اليومية، يتحرك الطفلان معاً لأن وجودهما المشترك يسهّل الطريق ويخفف من المخاطر التي يفرضها المحيط. يأخذ القرب بينهما شكل تعاون عملي يضمن استمرار الحركة وإنجاز المهمة، أكثر مما يعكس علاقة عاطفية خالصة، فعلاقة لميعة بسعيد تقوم على تقاطع مسارين داخل واقع ضاغط، كل حركة مشتركة بينهما تحمل قدراً من الثقة، لكنها أيضاً تعكس إدراكاً مبكراً لحدود العالم من حولهما. هذا النوع من القرب يتكوّن من الاستمرار في مواجهة يوم لا يترك مجالاً كبيراً للاختيار.

الجدّة (بيبي) بقيت شبه صامتة طوال الفيلم، تقدم صورة مختلفة للقوة عندما تفقد (بنيتها لميعة) إذ تتجرّأ أن تصرخ أمام الشرطة مطالبة إيّاهم البحث عن ابنتها، الجدة تتكلم من موقع شخص يعرف تماماً ما الذي يملكه وما الذي يمكن أن يخسره.

يترك الفيلم هذه اللحظات دون تفسير، فالقدرة على الحفاظ على حد أدنى من الإنسانية داخل شروط لا تمنح ذلك بسهولة لا تحتاج إلى تبرير، لأن قيمة الفعل تتضح من لحظة حدوثه، ومن الأثر الذي يتركه في سياق يضغط نحو العكس.

يدور البناء الزمني في “مملكة القصب” في الزمن الحاضر فقط، زمن مغلق ومكثف بلا ماض ولا مستقبل، إذ يخلو السرد من الاسترجاع الزمني المباشر أو الفلاش باك، فالماضي أثر غير مُصرَّح به، نشعر بثقله ونشاهده يتسرّب داخل تفاصيل الواقع. تتحرك الشخصيات داخل زمن آنٍ ومستمر، تُنجَز فيه الأفعال ضمن لحظتها دون امتداد سردي إلى الوراء، ولكن هذا لا يعني غياب الذاكرة بالمطلق، فالمخرج يعيد توزيع الذاكرة بصريّاً؛ إذ تظهر آثار الماضي في ملامح أهوار الرافدين، في قصبها وبيوتها، في آثار الظلم الذي لحق بها من هذه السلطة عبر امتدادها التاريخي، كما يظهر في تشظي البنية الاجتماعية لشعب العراق، فما نشاهده هو نتائج الماضي والحاضر، وهذا ما يعمّق الإحساس بالحصار الزمني والوجودي للشخصيات.

يحمل الفيلم، في طياته رسالة سياسية موجهة للغرب دون أن يصرح بها، العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة (وقادتها الولايات المتحدة) كانت مصممة نظرياً لإضعاف النظام، لكنها في الواقع دمرت الطبقة الوسطى والعمالية وتركت الأطفال يبحثون عن الدقيق. الفيلم يُذكّر بأن الثمن الحقيقي لهذه السياسات يدفعه الأطفال وليس الطغاة.

العنف في الفيلم مؤجّل وليس غائباً، قد يبدو الفيلم هادئاً لكن العنف موجود، لا ينفجر، نقرأه في التهديد في الخوف في الاحتمال، إنّه عنف كامن في كل مفاصل الحياة.

كل شيء في الفيلم يبدو عاديّاً، الجوع، الإذلال، الخوف، كلّها تفاصيل مألوفة لا تستدعي الدهشة أو التوقف. تتكرر هذه الحالات داخل السرد حتى تأخذ طابعاً اعتيادياً، تندمج في إيقاع العيش اليومي وتفقد حدتها الاستثنائية.

 يعثرُ جاسم “رحيم الحاج” على لميعة بعد أن أضناه البحث عنها، ليعيدها إلى جدّتها الراقدة في المشفى، جاسم هو سائق التاكسي الذي اصطحب لميعة وجدتها من البلدة إلى المدينة، يتكثّف هذا المشهد في لحظة إنسانية حادّة، جاسم وسيلة عبور لميعة من الهامش إلى المركز، وسندها الأخير الذي يعيدها إلى أصلها إلى جذورها، لكنّهما للأسف يجدان الجدّة ميتة، انهار آخر معاقل الطمأنينة بالنسبة للميعة، التي رفضت أن تعيش ببيت الأقرباء، وهربت بسبب تعلّقها بجدّتها وحبّها الكبير لها.

تنقل “لميعة” بمساعدة ” جاسم ” جثمان جدتها من هذه المدينة القاسية إلى أهوار الرافدين، إلى فضائها الأوليّ ليحتضن موتها كما احتضن الحياة، وكما احتضن حضارة العراق الأولى.

 تقف لميعة أمام القبر ممسكة بعكّاز الجدة، هذا ما تركته لها، إرث ثقيل وتجربة، كأن الطفلة تُدفع دفعاً إلى تحمّل ما يفوقها.

 تصنع والدة سعيد الكعكة مما تمكنت لميعة من توفيره خلال رحلتها في المدينة، تعود لميعة إلى القارب، تنام فيه حتى الفجر، ثم تستيقظ، تنظر لسطح الماء، لا تنعكس صورتها، نرى صورة الجدة في العمق المائي، في لقطة تفتح عدة أسئلة، هل يعيدها الفقد إلى مسار جدتها؟ أم تتحول الذاكرة إلى سند خفي يدفعها نحو استمرار مختلف؟ يكثّف الفيلم من رموزه السياسية والشاعرية والفلسفية التي تتجاور دون تصريح مباشر، ويترك علاماته مفتوحة على قراءة متعددة الاتجاهات، وتنتهي بمشهد الاحتفال بعيد ميلاد صدام حسين في العراق والمدرسة، حيث نالت لميعة “الشرف الكبير” بصنع كعكة الرئيس كما وصفها أستاذها في أوّل الفيلم، ويختم حسن هادي فيلمه بقصف طائرات يطال المدرسة، دخان ودمار وخراب، ونهاية مفتوحة على الاحتمالات.

لا يمكن فهم الجماليات البصرية لـ «مملكة القصب” دون الحديث عن مدير التصوير الروماني تودور فلاديمير باندورو، يعتمد باندرو على اللقطات الواسعة ذات العمق البصري، حيث تُدفَع الطفلة لميعة إلى أطراف الكادر داخل هذه اللقطات، ما يجعل الجسد الإنساني يبدو صغيراً ومحدود الفعل أمام امتداد الأسواق، والشوارع، والأهوار، وهو ما يعكس علاقة غير متكافئة بين الفرد والحيّز المكاني. فالإيقاع البصري المتأنّي وثبات الكاميرا يجعلانا نشعر بركود الزمن، حيث لا يتقدّم الزمن عبر الأحداث بقدر ما يتراكم عبر السكون والانتظار وتكرار التفاصيل اليومية. كذلك نلاحظ أن تكرار  رموز السلطة داخل الكادر، مثل الصور واللافتات كآلية لتنظيم رؤية المتلقي، إذ يُعيد المخرج توجيه عين المشاهد باستمرار نحو مركز سلطة بصري يطوّق الفضاء ويحدّ من إمكاناته.

للفراغ والصمت داخل الكادر حضور ثقيل لما هو محذوف أو غير مرئي، وهذا ما نشاهده في تجاعيد الجدّة “بيبي” في ملامحها الحادّة، وفي نظرات الطفلة لميعة حيث تتحدث اللقطة السينمائية، وتبوح بما لا يبوح به الكلام المنطوق عبر السرد أو الحوار.

تمثل أهوار الرافدين في فيلم مملكة القصب فضاء يؤسس لنمط إدراك يقوم على الانفتاح وعدم التحديد؛ حيث يبدّد الماء الحدود ويمنع استقرار الأشياء في أشكال ثابتة، فتتوزع الحواس على عناصر المشهد دون مركز واضح. ففي هذا الأهوار التي لحقها جور صدام حسين- حيث حاولت السلطة تجفيفها بحجة أنّها مخبأ للمتمردين ضد صدام- نهلت لميعة خبرتها الحسّية المباشرة، تلقائيتها في أداء دورها وبساطتها، تُشعر المشاهِد لشدة براعتها أن حركتها وصوتها يتقدمان على أي تنظيم مسبق من المخرج، يتعزز هذا الإحساس بصرياً من خلال ضوء مرن ينساب على السطح المائي بما يمنح الصورة قدراً أكبر من السيولة ويجعل حضور الشخصية قابلًا للتشكل المستمر. كما تسهم اللقطات الواسعة في وضع لميعة داخل مجال مفتوح، حيث لا تُحاصر بنقطة نظر محددة.

مع الانتقال إلى المدينة، يتغير هذا النمط تدريجياً، ويتّجه نحو تنظيم أكثر صرامة، ينعكس ذلك في تحوّل الإضاءة إلى طابع أكثر قسوة ووضوحاً، يكشفُ التفاصيل ويحدّ من مساحات الغموض، وفي تضييق الكادر بحيث تصبح الشخصية أقرب إلى مركز الرؤية وأشد خضوعًا لتحديداته. تبدأ لميعة في إعادة ضبط سلوكها وفق إيقاع مختلف، يظهر في تردد الحركة، وحذر النظرة، وتأجيل الفعل. هذا التحول لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يتكوّن عبر تراكم تغيّرات دقيقة في الأداء، حتى يتبدل نمط تعاملها مع العالم من الانفتاح إلى الانضباط.

في المقابل، يقدّم سعيد نموذجاً أكثر استقراراً داخل هذا الإطار؛ إذ يتسم أداؤه بقدر من الحسم والسرعة، وتعكس حركته معرفة عملية بحدود المكان وإمكاناته. أفعاله موجّهة نحو غاية واضحة، ولا يسبقها ذلك التردد الذي يميز لميعة، ما يمنح حضوره طابعاً مباشراً ومنسجماً مع شروط البيئة المحيطة. أما الجدة فتظهر بإيقاع مختلف، حركتها أقل، وإيماءاتها محدودة، غير أن هذا الاقتصاد في الأداء يمنحها ثباتًا ملحوظًا، ويُبقيها على مسافة نسبية من التحولات التي تفرضها المدينة.

Visited 1 times, 1 visit(s) today