“الحصان البري”: متعة السخرية السوداء في مهرجان فينيسيا

 

 

أمير العمري- فينيسيا

 

من أكثر الأفلام التي استمتعت بمشاهدتها في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي، الفيلم الأيرلندي الأمريكي “الحصان البري تسعة” (Wild Horse Nine)، الذي يعود به المخرج الأيرلندي الكبير مارتن ماكدونا إلى أسلوبه المعروف في السخرية السوداء، الذي استطاع ترسيخه في أفلامه السابقة، ومنها «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» (2017)، و«حوريات إينشيرين» (2022).

يعبث ماكدونا بشخصياته ويتلاعب بها، ويمزج بين السياسة والمرح، والتعاطف الإنساني والهجاء، والإدانة التي تنبع من الذات وهي تشرف على نهايتها، والضعف البشري الذي يدفع المرء إلى التأمل فيما لم يكن يدركه قبل أن يصبح على مشارف الموت. نحن هنا إزاء مزيج من النقد السياسي والتفلسف والتعليق على المأزق الإنساني الذي يعيشه العالم اليوم، رغم أن أحداث الفيلم تعود إلى سبعينيات القرن الماضي.

إنه عمل سلس وسهل التلقي، يغلفه نوع من الغموض الجميل في بعض لحظاته، وممتع إلى أقصى حد، بفضل حواره اللاذع الذي يتدفق بعفوية، خصوصًا على لسان جون مالكوفيتش، الذي يبلغ هنا ذروة عطائه في فن الأداء، بعد أن عثر أخيرًا على الدور الذي يبدو وكأنه كُتب له خصيصًا. إنه دور «كريس»، رجل المخابرات المركزية الأمريكية الذي تجاوز السبعين من عمره، والذي أُوفد مع زميله الأصغر سنًا «لي» (سام روكويل) في مهمة ربما تكون الأخيرة له، إلى تشيلي عام 1973. وكان الرجلان قد انتهيا لتوهما في العاصمة سانتياغو من الإعداد لمسرح الأحداث الذي سيفضي إلى الانقلاب العسكري على الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور أليندي، وهو الانقلاب الذي قاده الجنرال بينوشيه.

غير أن كريس يرغب في تحقيق أمنية طالما راودته، وهي الذهاب مع زميله لي، الذي يعتبره أيضًا صديقه الوحيد، إلى جزيرة إيستر (Easter Island) النائية في جنوب شرقي المحيط الهادئ، التابعة لتشيلي، ولا سيما لزيارة التماثيل الضخمة المعروفة باسم «مواي» (Moai). وهي تسمية يعترض عليها كريس بشدة، كما يرفض حتى الإشارة إلى السكان الأصليين باسم «رابا نوي»، في دلالة على عنصريته ونظرته المتدنية إلى «الآخر».

في الجزيرة، لا توجد تماثيل الرؤوس الضخمة وحدها، وهي تماثيل تفقد بعض سحرها حين يقف أمامها كريس، بل توجد أيضًا خيول برية، من بينها حصان وحيد يستجيب بطريقة غامضة حين يتحدث إليه كريس، فيهز رأسه. وهو الحصان الذي سيلقى مصرعه قرب نهاية الفيلم.

يمثل هذا الحصان معادلًا رمزيًا لكريس نفسه، الذي نعرف أنه يتعاطى المورفين لتسكين آلام السرطان الذي بلغ مراحله الأخيرة. وقد اتفق مع صديقه لي على أن يقتله، بديلًا عن الانتحار الذي يتعارض مع عقيدته الكاثوليكية.

إن الحصان الذي يرقد جثمانه ممددًا على الأرض في النهاية يتجاوز، بدلالته، كل ما سيحدث من قتل وموت بين البشر. فهو ليس سوى معادل مجازي للرجل الذي كان طليقًا، يرتكب المحظورات ويتجاوز الحدود، لكنه أصبح الآن محاصرًا داخل ذاته، سجينًا في كهف ماضيه، يحاول استدعاء ذلك الماضي بغرض التكفير. إنه يتحدث عن الموت، ويختار موعد نهايته بعدما أصبح عاجزًا، أو أوشك أن يصبح عاجزًا، عن مواصلة الجري والانطلاق. لقد سئم كل شيء، وبدا له أن كل ما فعله لم يكن يعني، في نهاية المطاف، سوى الموت.

يلتقي الرجلان بفتاتين من شباب الحركة الطلابية، أي من النشطاء اليساريين وأنصار سلفادور أليندي، اللاتي يعشن تفاؤلًا كبيرًا إزاء التغيير الديمقراطي الذي شهدته تشيلي. لكن كريس لا يفوّت الفرصة، منذ لقائه الأول بهما في المطار، وقبل الوصول إلى الجزيرة، ليخبرهما بما يفيد أن هذا الوضع لن يستمر طويلًا. وحين تسأله إحداهما عما إذا كانا يعملان في المخابرات الأمريكية، يجيبها: «نعم، نحن من المخابرات الأمريكية»، بكل بساطة، وكأن الأمر لا يستحق إخفاءه.

بل إنه سيخبرها لاحقًا بما سيحدث: الانقلاب، واعتقال نحو ثلاثين ألف شخص من اليساريين، وإيداعهم الملعب الرياضي في سانتياغو، حيث سيتعرضون للتعذيب والقتل. كما ينصحها بالفرار والاختباء.

لكن كل هذا يأتي على لسان كريس في سياق ساخر، يصدر أساسًا عن عقل رجل مريض، على حافة الإصابة بالخرف، يريد في الوقت نفسه كتابة مذكراته. ويظل طوال الوقت يسترجع محطات من حياته، فيروي كيف قتل 68 شخصًا، وكيف لعب دورًا في غواتيمالا، وفي الانقلاب على لومومبا في الكونغو، وفي عملية «خليج الخنازير» الرامية إلى الإطاحة بنظام كاسترو في كوبا. بل إن هناك إشارات إلى دور غامض له في عملية اغتيال جون كنيدي في دالاس، إذ يلمّح أكثر من مرة إلى احتمال تورط المخابرات الأمريكية في اغتيال الرئيس الأمريكي، ويعلق على ذلك بالقول إن العالم لم يعد كما كان منذ مصرع كنيدي، بل دخل في حالة من الفوضى.

إنه يتذكر لومومبا، ويستخدم ماكدونا لقطات تسجيلية أرشيفية بالأبيض والأسود لاعتقاله قبيل مقتله، بعد الانقلاب العسكري عام 1961. ويقول كريس إنه كان معجبًا به، لكن كان من المحتم أن يختفي. ثم يقارن بين مصير كنيدي ومقتل لومومبا، قائلًا إنك لو قتلت رئيسًا أسود لما اهتم أحد، أما إذا قُتل رئيس أبيض لقامت القيامة، فالعالم يصاب بالجنون. ويستطرد بأن العالم لا يعني الولايات المتحدة وحدها.

وتأتي هذه التعليقات في سياق من السخرية الحادة، تنبع من عقل رجل أوشك على مغادرة العالم، ولم يعد قادرًا على التحكم في مشاعره، أو يأبه لعواقب ما يقوله أمام الغرباء.

وفي سياق آخر، يسخر كريس مما يسميه «الدول المثلية»، أي الدول التي تشجع المثلية الجنسية، ويضرب المثل بسويسرا وفرنسا وإسبانيا، قائلًا إن هذه البلدان «المثلية» هي الأفضل في إنتاج الجبن، ثم يضيف: «يجب فقط أن تتذوق الجبن الأمريكي مرة واحدة لتدرك سبب هزيمتنا في فيتنام»!

في بداية الفيلم، يتحدث كريس كثيرًا مع لي عن حشرات العث التي تأكل الملابس الصوفية، ويشكو من انتشارها في شقته. لكنه لا يقتلها، بل يطردها إلى الخارج عبر النافذة، ويشفق عليها عندما يكون الطقس ماطرًا، معلقًا بأنه ربما يبدو أكثر تعاطفًا مع العث مما هو مع البشر. وفي سياق آخر، يتساءل عما إذا كانت للديناصورات أرواح!

أما لي، فهو المرآة التي يرى كريس نفسه فيها، أو ضميره الحي، أو البديل عن القس الكاثوليكي الذي يتعين عليه الاعتراف أمامه. فهو يعترف بأنه قتل كثيرين، وأنه لعب دورًا في الانقلابات على حكومات منتخبة.

يحب لي كريس ويعتبره مرشده، لكنه يعاني أيضًا من انقطاع علاقته بشقيقه منذ عقود، وتحديدًا منذ يوم اغتيال كنيدي، بعدما ألقى شقيقه عليه حبّة بطاطس. وهو ما يدفع كريس إلى السخرية متسائلًا: “ما العلاقة بين البطاطس واغتيال كنيدي؟”!

ويفزع لي من تدهور الحالة العقلية للرجل الذي يعتبره أباه الروحي، ومن التصريحات التي يدلي بها أمام الآخرين، خصوصًا أنه تلقى تعليمات من رئيس فرع المخابرات الأمريكية في تشيلي، الذي يؤدي دوره ستيف بوسيمي ببراعة كبيرة، بضرورة الاستيلاء على محتويات جهاز التسجيل الذي يدون عليه كريس مذكراته، والتي يرغب في نشرها بعد وفاته. ويحذره رئيس الفرع بوجه خاص من أي إشارة إلى عملية دالاس، أي اغتيال كنيدي.

والأهم، بالطبع، أن على لي التخلص من كريس بقتله، بناءً على رغبة الأخير نفسه، وقبل أن يغير رأيه. غير أن كريس قد يتراجع عن رغبته في الموت في جزيرة إيستر، ويقول إنه يريد أن يموت في محيط الأهرامات المصرية، كما يخبره إم جيه، رئيس فرع المخابرات في تشيلي!

وكما هي الحال في أفلام ماكدونا، يحضر موضوع الموت بقوة: التساؤل عن الموت وما بعده، وعن التكفير، والرغبة في التطهر عند الوقوف على عتبات النهاية. ويبلغ الحوار المكتوب ببراعة شديدة، في لحظات كثيرة، ذروة العبث، من دون أن يفقد قدرته على صنع المفارقات اللفظية، وبالتالي إثارة السخرية والضحك.

هذا، بطبيعته، فيلم يعتمد على أداء تمثيلي من الدرجة الأولى، سواء من جانب مالكوفيتش، الذي يستحق جائزة التمثيل في فينيسيا، وقد يصل أيضًا إلى ترشيحات الأوسكار، أو سام روكويل في دور لي، الذي يقدم نموذجًا للأداء السلس والعميق في آن واحد.

لكنه أيضًا فيلم عن الصورة والمكان: الطبيعة والإنسان في قلب الطبيعة، والحيوانات والطيور، وأوجه التشابه بين الإنسان والحيوان، والخوف على البيئة. وبقدر ما يكشف الفيلم وينتقد، فإنه يموج أيضًا بالشفافية والرونق والسحر، النابع من الرؤية والسمع. الصوت والصورة… أليست هذه هي السينما؟