قراءة نقدية فلسفية لمسلسل “المنبهات السبعة”

شغلتني فكرة الجمعيات السرية في مرحلة مبكرة من حياتي عندما قرأت كتاب أنيس منصور “أرواح وأشباح” وكان يحتوي على قصة رعب بعنوان “جمعية الأدباء الصامتين حتى الموت” تدور حول سبعة من الأفراد قاموا بتأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم “السبعة الدائمين أحياء أو ميتين”. وكانوا قد أخذوا عهدًا على أنفسهم أن يجتمعوا في مكان متفق عليه بشكل منتظم، وأن يستمروا في الحضور حتى بعد وفاتهم!. الغريب أنهم نجحوا في الوفاء بالعهد، حتى بعد موتهم في ظروف غامضة لم يفصح عنها الكاتب!

في مرحلة متأخرة شغلتني نظرية  المؤامرة، وما يستتبعها من كلام حول الماسونية، والقوى الشريرة التي تحكم العالم في الخفاء. وكنت أتساءل دائمًا لماذا لا تكون هناك قوى خيرة، وجمعيات سرية تنظم نفسها للعمل ضد الشر الذي يحيق بالعالم. وفي هذا السياق كتبت مقالًا حول فيلم “الكاهن” بعنوان “فيلم الكاهن.. رسالة طمأنة أم رسالة تحذير” تحدثت فيها عن هذا اللون من القوى الخيّرة الذي يمارس طقوسه من خلال جمعيات سرية تعمل على إجهاض المخططات الكونية الشريرة. وهي جماعات ألمح إليها الفيلم، وأطلق عليها اسم “الحراس”!

وأخيرًا شاهدت مسلسل “المنبهات السبعة”، المأخوذ عن رواية لأجاثا كريستي تحمل الاسم نفسه، وعرضته منصة نيتفليكس مؤخرًا. المسلسل يحاول أن يتجاوز العمل الأصلي بوصفه رواية بوليسية، ليتناول أمورًا أخرى تمس السياسة والفلسفة، لعل أبرزها فكرة الخير المنظم، ومدى مشروعية انتظامه في شكل جمعيات سرية تمارس مهامها في الخفاء كما تفعل نظيرتها الشريرة.

المسألة بهذا المعنى تحتاج إلى قراءة نقدية تبرز علاقة أدب أجاثا كريستي بفكرة الجماعات السرية بنحو ما جسدها المسلسل مقارنة بأعمال أخرى معاصرة. وكذا قراءة فلسفية تكشف عن المعنى الأخلاقي للعدالة عندما تقوم بعملها في الخفاء!

تبدأ الحكاية دائماً بصوت “تكتكة” منتظمة في غرفة مظلمة، لكن في عالم أجاثا كريستي، ليست كل الساعات تشير إلى الزمن، فبعضها يشير إلى مؤامرة، وبعضها الآخر يشير إلى منظمة. في مسلسل “المنبهات السبعة” (The Seven Dials Mystery)، نجد أنفسنا أمام مفارقة سردية مدهشة، فبينما اعتدنا من “سيدة الجريمة” أن تحصر العدالة في عقل رجل واحد بعبقرية “بوارو” أو حدس “ماربل” الفطري، نراها هنا تفتح الباب على مصراعيه لفكرة “العدالة الجماعية المنظمة”، متسائلة عن ذلك الحلم البشري القديم بوجود حراس غير مرئيين يرممون تصدعات العالم حين تفشل القوانين المعلنة.

​إن هذا العمل يطرح تساؤلاً جوهرياً يتجاوز حدود الجريمة التقليدية: إذا كان الشر منظماً، ويمتلك شبكات سرية وتخطيطاً طويل الأمد لدمار المجتمعات، فلماذا يظل “الخير” مبعثراً وفردياً؟ هنا تبرز فلسفة “المنظمة السرية الخيرة” التي تتبنى أدوات خصمها من تخفٍّ ورموز واجتماعات مغلقة، ليس رغبة في التآمر، بل لإيمانها بأن مواجهة “الكيان” لا تكون إلا بـ “كيان” مماثل. ورغم أن السرية في واقعنا ترتبط غالباً بالفساد، إلا أنها في الأدب تُقدم كصمام أمان ضروري، وإن كانت تضعنا أمام مأزق أخلاقي شائك: هل يحق لمجموعة -مهما بلغت نزاهتها- أن تضع قوانينها الخاصة بعيداً عن عين الرقابة؟

​هذا النمط من “العدالة الموازية” لا يقف عند حدود العصر الذهبي للرواية البوليسية، بل يمتد ليتجلى في أعمال معاصرة مثل سلسلة أفلام “كينجزمان” (Kingsman). فكلا العملين ينبعان من رحم فكرة بريطانية كلاسيكية تقدس “النخبة المستنيرة” التي تحمي العالم بعيداً عن بيروقراطية الأجهزة الرسمية. وبينما يتخفى أعضاء “المنبهات السبعة” خلف حرير الحفلات الأرستقراطية واللامبالاة المفتعلة، يتخذ عملاء “كينجزمان” من محلات الخياطة الراقية واجهة لهم، وكأن “الأناقة” هي الدرع الأول في مواجهة الفوضى. ومع ذلك، يظل هناك فارق جوهري، فإذا كانت “المنبهات السبعة” تمثل النسخة الرومانسية الهادئة للجمعيات السرية التي تعتمد على الهمس والذكاء الفطري، فإن “كينجزمان” هي النسخة الصاخبة التي تدرك أن التهديدات الحديثة لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت وجودية تتطلب رصاصة مغلفة ببروتوكول “جنتلمان”.

​وفي قلب هذا الصراع بين الظلال، تبرز شخصية “بندل برينت” كعنصر “فوضى خلاقة” يقتحم هذا النظام السري. “بندل” ليست مجرد ابنة أرستقراطية تبحث عن مغامرة لكسر رتابة القصور، بل هي رمز للتمرد بالسرعة والاستقلال. شغفها بقيادة السيارات بجنون في عشرينيات القرن الماضي كان صرخة ضد الركود الاجتماعي، وحضورها في قلب الجمعية السرية يثبت أن “الاحترافية الصارمة” قد تصاب أحياناً بالعمى، بينما “الهواية الشغوفة” ترى ما وراء الستار. إنها الشخصية التي تثبت أن محاربة الشر العالمي تبدأ من التمرد على القيود الشخصية أولاً.

​في نهاية المطاف، يظل “المنبهات السبعة” تأملاً في طبيعة القوة ومسؤوليتها. لقد حاول العمل أن يجيب على تساؤلنا حول غياب “جمعيات الخير السرية” في واقعنا، لنجد أن الإجابة ربما تكمن في أن الخير، بطبيعته الفطرية، يزدهر في النور ويحتاج إلى الظهور ليُلهم، بينما يزدهر الشر في الأقبية. ومع ذلك، يظل حلم “الحارس الخفي” يراودنا، لا لأننا نثق في السرية، بل لأننا نخشى من عجز العلن. لقد علمتنا أجاثا كريستي أن العالم قد لا يحتاج إلى “منظمات خفية” بقدر حاجته إلى عقول يقظة مثل “بندل”، تدرك أن البطولة لا تحتاج دائماً إلى اسم رمزي أو قناع، بل إلى شجاعة كافية لفتح الأبواب الموصدة حين تدق ساعة الخطر.

حين يرتدي الخير قناع السر: قراءة فلسفية

يُغوينا الخيال الثقافي المعاصر بفكرة الجمعيات السرية بوصفها مختبرًا أخلاقيًا مظلمًا: أماكن مغلقة، وجوه بلا أسماء، وقرارات تُتخذ نيابة عن العالم. غير أن المثير في مسلسل “المنبهات السبعة”، أنه لا يستدعي هذا الخيال من بوابة الشر الصريح، بل من منطقة رمادية أكثر إرباكًا: جمعية سرية تُعلن، ضمنيًا، أنها وُجدت لمحاربة الشر. هنا لا يكون السؤال: من هو القاتل؟ بل: من يملك الحق في تعريف الشر، ومن يمنحه الشرعية؟

بهذا المعنى، لا يعمل المسلسل داخل تقاليد التشويق الكلاسيكية فحسب، بل يستدعي إرثًا فلسفيًا وثقافيًا طويلًا يتقاطع فيه مفهوم العدالة مع الإخفاء، والخير مع السلطة، والنية الأخلاقية مع عنف القرار. إننا إزاء سردية تُعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة: هل يمكن للخير أن يعمل خارج العلن دون أن يتحول إلى نقيضه؟

منذ الجمهورية، أسّس أفلاطون لفكرة “الحراس”  بوصفهم نخبة تمتلك معرفة تتجاوز العامة، ومن ثم يحق لها أن تحكم. غير أن هذه الفكرة، التي بدت مثالية في سياقها الفلسفي، تحوّلت في التاريخ الحديث إلى مصدر قلق عميق. فمع ميشيل فوكو، لم تعد السلطة حكرًا على السيادة الظاهرة، بل شبكة خفية من الممارسات والمعارف والانضباط.

في المنبهات السبعة، لا تعمل السرية كغطاء مؤقت، بل كبنية حكم كاملة: معرفة تُنتَج في الظل، وقرارات تُنفَّذ باسم أخلاق لا تُناقَش. هنا تتجلى الفوكوية بوضوح: المعرفة لا تصف العالم، بل تعيد إنتاجه. فالجمعية لا تكتشف الشر، بل تُعيد تعريفه وفق معاييرها الخاصة. الخطورة هنا لا تكمن في النية، بل في انتقال السرية من وسيلة إلى مبدأ، ومن حماية إلى آلية لممارسة السلطة.

تُعيد أجاثا كريستي، في أكثر من عمل، طرح فكرة العدالة التي تفشل الدولة في تحقيقها. لكن “المنبهات السبعة” يدفع هذا المنطق خطوة أبعد: نحن لا نواجه فردًا واحدًا يتقمص دور القاضي، بل مؤسسة سرية تُمارس ما يمكن تسميته “السيادة الأخلاقية”.

هنا تفرض حنّة أرندت حضورها، لا سيما مفهومها عن تفاهة الشر. فالشر، كما ترى أرندت، لا يصدر دائمًا عن وحوش استثنائية، بل عن أفراد عاديين يؤدون أدوارهم داخل منظومة يعتقدون بشرعيتها. أعضاء الجمعية ليسوا ساديين، بل مؤمنين بدورهم الأخلاقي. إن العدالة التي لا تمر عبر الشك، ولا تقبل الطعن، تتحول إلى عنف منظم. العنف هنا ليس انفجارًا، بل إجراءً إداريًا، وهو ما يجعل الجمعية السرية أكثر رعبًا من القاتل الفردي.

في أطروحاته عن التاريخ، يذكّرنا فالتر بنيامين بأن “حالة الطوارئ” ليست استثناءً في تاريخ المقهورين، بل هي القاعدة. “الجمعية السرية” في المسلسل تعمل داخل منطق استثنائي دائم: الشر حاضر في كل مكان، والخطر وشيك، وبالتالي تُعلّق القواعد باسم الضرورة.

هذا التعليق المستمر للأخلاق العامة يُنتج ما يشبه اللازمن الأخلاقي: لا محاسبة لأن اللحظة حرجة دائمًا، ولا شفافية لأن الخطر لم ينتهِ بعد. هكذا تُبنى سلطة لا تحتاج إلى إعلان نفسها، لأنها تعمل باسم النجاة. بهذا المعنى تكون النتيجة هي عدالة مُعلّقة بين النية الطيبة والعنف المشروع ذاتيًا.

مع جان-فرانسوا ليوتار، ندخل مرحلة الشك في السرديات الكبرى، ومنها سردية “الخلاص”. الجمعية السرية في المنبهات السبعة تستبطن سردية خلاصية واضحة: العالم فاسد، ونحن القلّة التي ترى وتُنقذ.

غير أن ما بعد الحداثة تُفكك هذا الادعاء: لا وجود لموقع محايد خارج السلطة. الخير، حين يتحول إلى خطاب شامل، يُخفي داخله آليات إقصاء، وانتقاء، وإسكات. وهنا يصبح السؤال ليس: هل نوايا الجمعية طيبة؟ بل: من لا يشملهم هذا الخير، ومن يُضحّى بهم باسمه؟

يمكن قراءة المسلسل بوصفه استعارة انتقالية من السرية البشرية إلى السرية الخوارزمية. فكما تجتمع النخبة في غرفة مغلقة، تعمل اليوم خوارزميات التقييم والمخاطر في فضاءات لا نراها. القرار الأخلاقي يُستبدل بعملية حسابية، لكن المنطق واحد: تقليص التعقيد الإنساني باسم الكفاءة. نحن لا نعيش نهاية الجمعيات السرية، بل تحولها إلى أنظمة بلا وجوه، حيث يصبح الخير مسألة إحصاء، لا نقاش.

لا يُدين المنبهات السبعة فكرة مقاومة الشر بقدر ما يكشف هشاشتها حين تنفصل عن العلن والمساءلة. المشكلة ليست في التنظيم، بل في ادعاء امتلاك تعريف نهائي للخير. فحين يتحول الخير إلى مؤسسة سرية، يفقد شرطه الجوهري: الاعتراف بإمكانية الخطأ.

ربما نحتاج، في عالم تتكاثر فيه السلطات الخفية، إلى ما يمكن تسميته “أخلاق القلق”: أخلاق لا تطمئن إلى نفسها، ولا تدّعي النقاء، وتبقي السؤال مفتوحًا. ذلك أن الشر، كما علمنا التاريخ، لا يأتي دائمًا صاخبًا أو متوحشًا، لكن كثيرًا ما يأتي عقلانيًا، منظمًا، ومُقنعًا، تمامًا مثل الخير حين يختبئ طويلًا في الظل.

Visited 1 times, 1 visit(s) today