فيلم “رقم مجهول: محتال المدرسة الثانوية”

 

بدر العقباني

 

في عصرنا الرقمي السريع الحالي تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد منصات للتواصل إلى مرايا عاكسة لأعمق أعماق لاوعينا الجمعي، حيث تتحول رغباتنا المكبوتة ومخاوفنا المظلمة إلى محتوى مرئي يعبر عن صراعاتنا النفسية على شكل “لايكات” و”مشاركات”. وفي خضم هذا التحول الكبير تبرز السينما كوسيلة فنية فريدة قادرة على تشريح هذه الظواهر المعقدة وعرضها بكل أبعادها، ملقيةً الضوء على كيفية تحول المصطلحات النفسية إلى ما يشبه الفردوس التبريري لكل سلوك فصرنا نرى المستخدمين يلوذون بمصطلحات مثل “الاكتئاب” و”القلق” و”الصدمة” لتبرير سلوكيات قد تكون في جوهرها تعبيراً عن تناقضات داخلية أو أزمات وجودية أو مجرد محاولات للهروب من مسؤوليات الحياة اليومية، وكيف تؤدي البطالة بالكثيرين إلى هوة سحيقة من الوحدة والبؤس والخروج عن كل ما هو طبيعي ومألوف.

لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في حياة البشر، حيث أصبح العالم الافتراضي يحاصر العالم الحقيقي ويخنقه أو يكاد. فبقدر ما تحققه هذه الشبكات من منافع، “تتهاوى فيه قيم وتزل فيه أقدام، ليس في مزالق الشهوات فحسب بل فيما هو أخطر، من مهاوي الشبهات والانحرافات الفكرية المتنوعة” . وقد أصبحت هذه المنصات تعج بأنماط من التواصل الافتراضي الذي يسمح لكل راغب بتشكيل ما يشاء من الصلات في عالم لا يحدده مكان ولا زمان، مما يجعله بيئة خصبة لتفريغ ما في القاع الخفي من لاوعي فردي وجماعي.

يأتي فيلم “رقم مجهول: محتال المدرسة الثانوية” Unknown Number: The High School Catfish ليسرد قصةً حقيقيةً مروعة تثير التساؤلات حول حدود الأمومة ومدى تأثير التكنولوجيا في تشويه أقرب الروابط الإنسانية. هذا العمل الوثائقي للمخرجة سكاي بورغمان، الذي أطلق على منصة نيتفليكس في 29 أغسطس 2025، لا يكتفي بسرد قائمة من الأحداث، بل يغوص في أعماق نفسية لشخصيات واقعية عاشت تجربة استثنائية قلبت مفاهيمها عن الثقة والأمان والأسرة رأساً على عقب.

في قلب مجتمع بيل سيتي الصغير في ميشيغان، حيث لا يتجاوز عدد السكان 3000 نسمة، وتعرف العائلات بعضها بعضاً منذ الأجيال السابقة، تبدأ القصة من نقطة تبدو بسيطة، هاتف محمول يتلقى رسائل مجهولة. هذه الرسائل سرعان ما تتحول إلى كابوس يومي للفتاة لورين ليكاري البالغة من العمر 13 عاماً وصديقها أوين مكينى. المجتمعات الصغيرة مثل قريتهم، التي توصف بالملاذ الآمن، تتحول بسرعة إلى سجن افتراضي عندما تبدأ الرسائل المجهولة في الوصول، حاملةً معها كلماتٍ قاسيةً تنتقد مظهر لورين وتطعن في علاقتها بأوين، بل وتصل إلى حد تحريضها على الانتحار بعبارات صريحة مثل “اقتلي نفسك الآن أيتها الساقطة”.

تبدأ الحكاية في أكتوبر 2020 ببعض الرسائل المتقطعة، ثم تتوقف لتعاود الظهور مرة أخرى وبقوة في سبتمبر 2021، حيث تستمر لمدة 15 شهراً متواصلة، تصل خلالها أعداد الرسائل إلى 30-50 رسالة يومياً. اللافت أن هذه الرسائل كانت تحتوي على معلومات شخصية للغاية، بما في ذلك استخدامها للقب “لو” الذي لا يعرفه سوى المقربين جداً من لورين، مما أثار الشكوك حول هوية المُرسل الذي لا بد أن يكون من داخل دائرة معارفها الضيقة.

مع تصاعد حدة الرسائل وتهديداتها، تدخل كل من إدارة المدرسة والشرطة المحلية على خط التحقيق، وتتسع دائرة الشكوك لتشمل زملاء لورين وأوين في المدرسة، وتحديداً الفتاة كلوي ويلسون التي كانت معجبة بأوين من قبل، وكذلك قريبة أوين أدريانا. لكن الجهود المبذولة للكشف عن هوية المُرسل المجهول تبوء جميعها بالفشل، مما يخلق مناخاً من الشك والريبة بين أفراد المجتمع الصغير، ويؤدي إلى تدمير علاقات صداقة عمرها سنوات.

اللحظة الفاصلة في التحقيق تأتي عندما يطلب مساعدو الشرطة تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي، حيث يتمكن الضابط برادلي بيتر من تتبع عنوان IP المستخدم في إرسال بعض الرسائل من خلال تطبيق Pinger لإخفاء الهوية، ليكتشف المفاجأة الصادمة: أن مصدر هذه الرسائل هو هاتف كيندرا ليكاري، والدة لورين نفسها.

يكشف الفيلم من خلال لقطات حقيقية من كاميرا الشرطة اللحظة التي يتم فيها إلقاء القبض على كيندرا وإخبار ابنتها بأن والدتها هي مصدر كل هذا البلطجة الإلكترونية التي عاشتها لأكثر من عام. المشاهد المؤثرة تظهر الابنة وهي تنتقل بين مشاعر الصدمة والإنكار والألم، بينما تحاول الأم تقديم تبريرات واهية لأفعالها.

في مقابلاتها ضمن الفيلم، تحاول كيندرا تفسير دوافعها بأنها كانت تحاول من خلال هذه الرسائل “حماية ابنتها وإبقائها قريبة منها”، مستشهدةً بتجربتها الشخصية مع الاعتداء الجنسي التي تعرضت له في سن المراهقة، وخوفها من تعرض ابنتها لتجربة مماثلة. كما تشير إلى أنها كانت تحاول من خلال هذه الرسائل اكتشاف هوية المتنمر الحقيقي الذي بدأ بإرسال الرسائل الأولى، لكن الأدلة تشير إلى أنها هي من بدأت الحملة بأكملها.

يحاول الفيلم، دون أن يقدم إجابات قاطعة، استكشاف الدوافع النفسية الكامنة وراء سلوك كيندرا. يشير بعض المشاركين في الفيلم إلى إمكانية إصابتها بما يشبه متلازمة مونخهاوزن الإلكترونية، حيث تقوم الأم بإيذاء ابنتها بهدف لعب دور المنقذ والحصول على اهتمامها وعطفها. بينما يرى آخرون، ومنهم أوين وعائلته، أن كيندرا ربما كانت تعاني من انجذاب غير صحي نحو الصبي، مستشهدين بسلوكياتها المبالغ فيها في رعايتها له.

تكشف التحقيقات أيضاً أن كيندرا كانت تعيش حياةً مبنية على الأكاذيب، حيث أخفت عن عائلتها حقيقة فقدانها لوظيفتها، وواصلت التظاهر بالذهاب إلى العمل يوميًاً، بينما كانت في الواقع تقضي ساعات طويلة في إرسال الرسائل النصية، حيث اعترفت بأنها كانت تقضي أحياناً 13 ساعة متواصلة في هذه الأنشطة.

أدينت كيندرا ليكاري في ديسمبر 2022 بتهمتين من التنمر الإلكتروني ضد قاصرين، وحكم عليها بالسجن لمدة تتراوح بين 19 شهرًا و5 سنوات، وأفرج عنها في أغسطس 2024. لكن تداعيات أفعالها امتدت إلى ما هو أبعد من العقوبة القانونية، حيث انتهى زواجها من شون، الذي حصل على الحضانة الكاملة لابنتهما، وتضررت سمعة العائلة في المجتمع الصغير.

تتميز المخرجة سكاي بورغمان، صاحبة السبق في الأعمال الوثائقية المثيرة للجدل مثل “الاختطاف في مرأى الجميع” و”الفتاة في الصورة”، بقدرتها على سرد القصص الحقيقية بإيقاع يشبه أفلام التشويق، حيث تقدم المعلومات بشكل تدريجي يحافظ على تشويق المشاهد حتى اللحظة التي يتم فيها الكشف عن هوية المتنمر. تعتمد أيضاً في عملها على مزيج من المقابلات مع جميع الأطراف، بما فيهم كيندرا نفسها، ولقطات أرشيفية حقيقية من تحقيقات الشرطة وتسجيلات من كاميرات المراقبة وعرض للرسائل النصية الأصلية التي تم تبادلها. هذا التنوع في المصادر يمنح الفيلم مصداقيةً عاليةً ويخلق تجربة مشاهدة غامرة.

من الناحية البصرية، يتميز الفيلم باستخدامه للألوان الباردة التي تعكس الجو النفسي القاسي الذي عاشته الشخصيات، بالإضافة إلى استخدام صوت آلي مشوه لقراءة الرسائل النصية، مما يعزز شعورنا بالاغتراب والعدائية. كما تنجح بورغمان في توظيف لقطات للمجتمع الصغير ومساحاته الضيقة لنقل شعور الاختناق والمراقبة الذي عاشته الضحايا.