فيلم “ديغر”: التصفيق للكارثة ثم العيش فيها

 

محمد الميسي

 

في نهاية فيلم “ديغر” Digger لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، يصفّق الجمهور. لقد مات قطب النفط فوق الخشبة، واكتملت المسرحية، وعرف الممثل أن ابنته نجت. تبدو اللحظة مناسبة لالتقاط الأنفاس. لكن تنبيهًا بشأن التلوث يصل إلى المتفرجين، فيرتدون أقنعة التنفس ويغادرون إلى مدينة غارقة ومدمرة. انتهت الحكاية، وبقي العالم الذي يحاول الناس التنفس فيه.

عرفنا إيناريتو من خلال أعمال مثل “أموريس بيروس” و”بابل” و”بيردمان” و”العائد”. وفي “ديغر”، تعود العلاقة بين الحياة والتمثيل إلى الواجهة، مستدعية خصوصًا “بيردمان”، حيث يحاول ممثل إنجاز عرض مسرحي بينما تتداخل معه أزماته المهنية والعائلية. لكن المسرح هنا يحمل سؤالًا أوسع: ماذا نفعل بالمآسي بعد أن نحولها إلى عروض؟ هل يساعدنا الفن على رؤيتها، أم يمنحنا استراحة منها، وربما شعورًا بأننا أدينا واجبنا لمجرد أننا تأثرنا وصفقنا؟

يؤدي كيرتس ماركسون شخصية الملياردير النفطي “ديغر روكويل” في مسرحية، وخلال البروفة، يتلقى خبرًا عن تعرض الطائرة التي تقل ابنته للخطر بسبب إعصار. تتسلل الحياة إلى العرض من موضع شديد البساطة والقسوة: أب لا يعرف إن كانت ابنته ستعود. فجأة، تصبح الكارثة التي يمثلها قريبة بما يكفي كي يفقد المسافة اللازمة لأدائها.

داخل المسرحية، يتجاهل روكويل التحذيرات بشأن حقل نفطي قرب غرينلاند. يتسبب انفجار الميثان في انفصال كتلة جليدية هائلة، وينقلب مصدر الثروة إلى تهديد للعالم. غير أن أصحاب القرار يستقبلون الأزمة بالأدوات التي يعرفونها جيدًا: إخفاء المعلومات، وتغيير الرواية، وتأجيل الحسم، ثم استدعاء الجيش.

ما يثير السخرية هو ذلك النشاط المحموم الذي يعجز عن إنتاج حل. رجل الأعمال يفكر في الشركة، والعسكري يبحث عن هدف، والرئيس يواجه هشاشة جسده بينما يمسك بقرار يمس مصير الجميع. وحين يوافق على ضرب الجبل الجليدي بقنبلة نووية، رغم التحذير من النتائج، تصبح القوة نفسها تعبيرا عن العجز. يملك هؤلاء وسائل هائلة، ويضيق خيالهم عن فهم ما يواجهونه.

هنا تستحق المقارنة مع فيلم “دكتور سترينجلوف” Dr Strangelove لستانلي كوبريك، الذي عرض عام 1964، أن تتجاوز التشابه في الشخصيات الساخرة والتهديد النووي. ففي فيلم كوبريك، يطلق جنرال هجومًا نوويًا، وتتخبط محاولات إيقافه داخل منظومة يُفترض أنها تحمي العالم. يتكشف الرعب من خلال إجراءات تبدو منطقية لأصحابها، بينما تقود الجميع إلى نتيجة عبثية.

ما يجمع الفيلمين هو هذه الثقة المفرطة بأدوات السيطرة، حتى حين تصبح سببًا في الانهيار، فالشخصية المبالغ فيها قد تضحكنا، لكن أثرها يشتد حين نرى كيف يصبح منطقها الخاص خطرًا على الآخرين. ويضيف إيناريتو إلى ذلك سؤال التمثيل: كيف نحول جنون السلطة إلى فرجة؟ وهل يكفي أن نجعل أصحابه مثيرين للسخرية كي نفهم قدرتهم على إلحاق الأذى؟

لا يترك “ديغر” الاتهام يمر من دون رد. فهو يواجه متهميه بما استهلكوه من وقود، وما طلبوه من سفر وراحة وسلع في دفاعه شيء مزعج لأنه يلمس حقيقة المشاركة في النظام، لكنه يستعملها أيضًا ليخفف عن نفسه عبء القرار. فالمستهلك الذي يحتاج إلى الطاقة لا يملك بالضرورة معرفة رجل أُبلغ بالخطر، ولا سلطته في تجاهل التحذير. الاعتراف بالمسؤولية المشتركة يصبح أكثر صدقًا حين يحافظ على هذه الفروق؛ وإلا تحول إلى طريقة مهذبة لقول إن الجميع مذنبون، وبالتالي لا أحد مسؤول على نحو محدد.

حين يتعطل الديكور ويتوقف التدريب، يستعيد كيرتس حياته خارج الدور. يصل خبر ابنته، فلا يعود الخطر فكرة يمكن ضبطها بتعليمات المخرج أو انتظار نهايتها المكتوبة. إنه احتمال مفتوح، لا يعرف الأب كيف يحتمله.

ثم يعترض على المسرحية نفسها، وعلى قدرتها على التعبير عما يحدث في العالم. أجد في هذه اللحظة قلب الفيلم: كيرتس لا يسأل فقط إن كان يستطيع إكمال العمل وهو خائف؛ يسأل أيضًا إن كان العمل يستحق أن يُستكمل بهذه الصورة. هل تختزل السخرية الكارثة؟ هل تحول أصحاب السلطة إلى مهرجين نستطيع الضحك عليهم من مقاعد آمنة؟ وماذا تعني هذه المقاعد حين لم يعد العالم خارجها آمنًا؟

تدخل علاقته بكيني، ابن أخيه وأحد منتجي العرض، إلى هذا التردد. لقد اشترى كيني حقوق المسرحية ليصلح علاقته بعمه. وراء المشروع الفني رغبة صغيرة ومفهومة: أن يقترب شخص من آخر، وأن يمنحه سببًا للعودة. يمنح هذا التفصيل الحكاية دفئًا تحتاج إليه وسط ضجيجها السياسي، ويجعل استمرار العرض مرتبطًا أيضًا بحاجة إنسانية إلى المصالحة.

ومع ذلك، تظل هذه المصالحة موضع تساؤل. إلى أي حد تغير فهم كيرتس للمسرحية، وإلى أي حد تهدئ الرجل كي يتمكن من إكمالها؟ يهمني هذا الفارق، لأن العودة إلى الخشبة لا تعني بالضرورة زوال الشك. وربما تكمن قيمة العودة في أنه يواصل العمل حاملًا اعتراضه، مدركًا أن الفن لا يملك دائمًا أجوبة كافية عما يحاول تمثيله.

ينشغل ديغر بمرض قطته ماغي، فيما يقلق كيرتس على ابنته. يبدو التقابل واضحًا، لكنه لا يبرر التسوية بين الحالتين. خوف أب على ابنته يختلف أخلاقيًا عن استهتار رجل بحياة البشر. ما يجمعهما هو اقتراب المأساة من الجسد: كيف يتغير وقع الخطر حين يحمل اسمًا نعرفه، ووجهًا نحبه، وصوتًا ننتظر سماعه؟

تمنح القطة ديغر قدرة على الحزن، وتجعل قسوة اختياراته أوضح. إحساسه يتوقف عند دائرة ضيقة؛ يستطيع أن يرثي حياة قريبة منه، بينما تبقى حياة الآخرين أرقامًا في تقرير أو عائقًا أمام مصالحه. وعندما ينثر رماد ماغي ثم يلقي بنفسه في الماء، تنتهي حياته تحت وطأة خسارته الخاصة. أما خسائر الآخرين، التي ساهم في صنعها، فتظل موزعة في عالم لا يستطيع أن ينهيه معه.

مما يثير الإعجاب أيضا كيف تمنح المبالغة والتشويه السخرية حدّتها، وتكشفان ملامح السلطة التي قد يحجبها مظهرها الوقور. لكن هناك في بعض المواضع، الشخصيات الثانوية تقترب من أقنعة جاهزة، نعرف ما تمثله قبل أن نعرف من تكون. عندها تتقدم الفكرة على الشخصية، ويضيق ما يتيح لنا اكتشاف حياتها وتناقضاتها. هذا التحفظ لا يلغي الاعجاب بالفيلم، لكنه يحدد المسافة بين قوة تصوره وما تحققه بعض مشاهده.

فالشخصية قد تكون شديدة الغرابة ومقنعة، إذا كشف سلوكها تناقضًا لا يمكن اختزاله في شعار. وقد تبدو مألوفة، لكنها تظل بعيدة عنا لأنها لا تفعل سوى شرح ما ترمز إليه. لهذا أجد الفعل معيارًا أدق من عدد الموضوعات المطروحة. حين يتورط صاحب القرار في النتائج التي حاول تفاديها، تولد السخرية. وحين يعلن طمعه أو خوفه في كل حوار، يتراجع نصيب المشاهد من الاكتشاف.

وفي المقابل، ربما يكون في تكتكة الساعة وقطرات الماء مسارًا تعبيريًا لافتًا. يسمعها المتفرج كعدّ تنازلي يتبدل مع الأزمة، وكأن للعالم صوتًا يواصل حضوره بينما تتنازع الشخصيات حق الكلام عنه. وتمنح هذه التفاصيل الكارثة إيقاعًا خارج الخطب والجدالات؛ وأحيانًا تبدو قطرة الماء أقدر على إثارة القلق من كلام طويل عن مصير الأرض.

تعيد النهاية كل ذلك إلى صورة ملموسة. يصفق الناس، ويرتدون أقنعتهم، ويخرجون. لا أرى في الأقنعة وحدها دليلًا على اللامبالاة؛ قد يكون المتفرجون يفعلون ما يستطيعون للنجاة. لكن تتابع التصفيق والخروج إلى الخراب يترك أثرًا أكثر مرارة: لقد أصبحت الكارثة جزءًا من المعيش اليومي، شيئًا نستعد له قبل مغادرة القاعة.

هنا تظهر خصوصية “ديغر” في المقارنة مع كوبريك. ففي “دكتور سترينجلوف”، يكتمل مسار القرارات العبثية في الفناء. أما “ديغر” فيترك جمهوره حيًا، قادرًا على الاستمتاع بعرض عن المأساة، ثم مواصلة حياته داخلها. وهذه الاستمرارية قد تكون أشد إيلامًا من النهاية الحاسمة: أن يبقى الإنسان، وأن يتعلم كيف يتكيف مع ما كان ينبغي أن يمنعه.

“ديغر” فيلم جميل ومتقن، يجمع جرأة الفكرة إلى بناء يربط خوف الإنسان على أحبائه بعجزه عن مواجهة كارثة تتجاوز حياته الخاصة. لذلك يثير تعثره التجاري الفضول أكثر مما يدفع إلى مراجعة الإعجاب به: لماذا لم تجد هذه التجربة جمهورًا أوسع: هل جعل بناؤه المسرحي تسويقه صعبًا؟ هل انتظر جمهور توم كروز مغامرة مألوفة، فوجد نفسه أمام سخرية قاتمة تسائل حتى معنى الفرجة؟ أم أن الفيلم طلب من المشاهد استعدادًا لم تمنحه له حملته الترويجية؟ كلها احتمالات تستحق النقاش.

الذي يجذب في الفيلم هو امتداد فكرته من أصحاب السلطة إلى الممثل الذي يؤدي الحكاية والجمهور الذي يشاهدها. يتداخل الخوف على الابنة مع اعتراض كيرتس على دوره، فتكتسب مساءلة الفن وجهًا إنسانيًا. وتجمع النهاية انفراجًا شخصيًا إلى خراب عام، تاركة بينهما مسافة لا يستطيع التصفيق أن يردمها.

لا أعتقد أن ضعف الإيرادات ينتقص من هذه القيمة، وإن كان يستدعي التفكير في المسافة بين العمل وجمهوره. فبالنسبة إليّ، ينجح «ديغر» في منحنا خاتمة يصعب الاطمئنان إليها: تنتهي المسرحية، وتنجو الابنة، لكن العالم يظل عالقًا في الكارثة. هذه الصورة هي ما يبقى معي؛ أناس يعبرون من متعة العرض إلى الهواء الملوث الذي ينتظرهم، حاملين السؤال الذي تركه الفيلم في أيديهم.