فيلم “الطوفان العظيم”.. عالم ما بعد الإنسان

في عالم السينما الكورية الجنوبية، التي أصبحت مرادفاً للابتكار والجرأة، يبرز فيلم “الطوفان العظيم”  The Great Flood كعمل يمزج بين الخيال العلمي والكارثة الطبيعية، ليغوص في أعماق فلسفية تتعلق بالوعي البشري، العواطف الاصطناعية، والمصير الإنساني في مواجهة النهاية.

الفيلم من إخراج كيم بيونغ-وو، الذي اشتهر بأفلام مثل “The Terror Live”، وبطولة كيم دا- مي في دور الباحثة آن- نا، وبارك هاي- سو في دور هي- جو، ويصور قصة تجعله يبدو في البداية كفيلم كارثي تقليدي، لكنها تتحول إلى استكشاف فلسفي عميق لمفهوم الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.

عُرض الفيلم على شبكة نتفليكس في ديسمبر 2025، وسرعان ما أثار نقاشات حول قدرته على دمج العناصر البصرية الدرامية مع أسئلة وجودية، رغم آراء النقاد المختلطة التي منحته تقييماً متوسطاً على Rotten Tomatoes بنسبة 58%.

يبدأ الفيلم في “سيول” المستقبلية القريبة، حيث يجتاح طوفان عالمي المدينة بأكملها، وهو ناتج عن اصطدام كويكب في القطب الجنوبي، مما يهدد بانقراض البشرية.

تتبع القصة آن- نا، الباحثة في مجال الذكاء الاصطناعي والأرملة الحديثة، وابنها البالغ من العمر ست سنوات جا- إن، وهما يحاولان الوصول إلى سطح مبنى شاهق يغرق تدريجياً. ينضم إليهما هي- جو، وهو عميل أمني، يكشف عن خطط سرية للأمم المتحدة لإنقاذ نخبة من البشر عبر محطة فضائية وتقنيات متقدمة. لكن القصة لا تقف عند حدود الكارثة؛ إذ تتطور إلى سلسلة من الدورات الزمنية التي تكشف عن طبقات أعمق، تجعل الفيلم يتحول من دراما بقاء إلى تأمل فلسفي في طبيعة الوعي والعواطف.

ودون حرق التفاصيل الرئيسية، يمكن القول إن “الطوفان العظيم” يستخدم الطوفان كرمز للانهيار، لكنه يركز على الصراع الداخلي للشخصيات في مواجهة الخسارة والأمل.

البنية السردية، غير التقليدية، للفيلم، خاصة في نصفه الثاني. والتي تعتمد على تفكيك السرد الخطي، والتكرار اللانهائي للأحداث نفسها، في محاولة مثيرة لرصد تطور الوعي داخل الشخصية الرئيسية في الفيلم، يجعلنا نقدم على مغامرة نقدية لا تقل إثارة عن العمل نفسه.

وبهذا المعنى، سنعمل على تكرار النص النقدي نفسه أكثر من مرة، كما في الفيلم، مع تغييرات أسلوبية طفيفة بحيث تحمل كل نسخة تقدما في الوعي وتعميقًا للفكرة. سنطرح رؤيتنا، التجريبية، من خلال تحليل أربع حالات للوعي النقدي، تبدأ من الإنسان كما نعرفه، مركزًا للكون ومسيطرًا على الطبيعة، وتنتهي، بنحو صادم، بالطبيعة المحكومة بقوانينها الذاتية دون حاجة إلى وجود الإنسان!

لا يقدّم الفيلم الكارثة بوصفها ذروة درامية، ولا يعاملها باعتبارها حدثًا استثنائيًا يخلخل النظام ثم يعيد ترميمه، بل يجعل منها حالة وجودية كاملة، أشبه بامتحان صامت لمعنى الإنسان ذاته. فالماء، الذي يبدأ عنصرًا طبيعيًا مهدِّدًا، يتحول تدريجيًا إلى قوة رمزية تمحو ما هو أبعد من الأمكنة: تمحو الثقة القديمة في العالم، وفي قدرة البشر على السيطرة عليه أو حتى فهمه.

في النصف الأول من الفيلم، ما تزال الشخصيات تتحرك وفق منطق النجاة المألوف: التخطيط، الترقب، الاحتماء، والتشبث بالآخرين بوصفهم ضمانة أخلاقية أو عاطفية. غير أن تصاعد الطوفان لا يكتفي بتكثيف الخطر، بل يعمل على تفكيك هذا المنطق نفسه. فمع ارتفاع منسوب الماء، ينخفض منسوب المعنى، ويغدو البقاء سؤالًا معلقًا بلا مبرر واضح. هنا لا تعود الكارثة استثناءً، بل تكشف عن هشاشة النظام الذي ظن الإنسان طويلًا أنه ثابت.

ما يلفت في النصف الثاني من الفيلم هو تخلّيه الواضح عن السرد الخطي لصالح بناء بصري تأملي، تتراجع فيه السببية وتتكثف اللحظة. الزمن لا يتقدم بقدر ما يدور حول نفسه، والمشاهد تتجاور لا لتشرح، بل لتراكم إحساسًا عامًا بالتيه. هذا التفكك السردي لا يعكس فوضى الحدث بقدر ما يحاكي تفكك وعي الإنسان حين يفقد أدواته التفسيرية. فحين تصبح الكارثة كلية، تفشل اللغة، ويغدو الصمت أبلغ من الحوار.

في هذا السياق، لا يظهر البطل بوصفه منقذًا، ولا تُمنح البطولة لأي فعل استثنائي. الأجساد المعروضة على الشاشة ليست أجسادًا ملحمية، بل كائنات مثقلة بالثقل الفيزيائي والوجودي معًا. السباحة ليست مغامرة، بل مفاوضة يائسة مع قوانين لا تعترف بالإرادة. هكذا يستعيد الجسد مكانته الطبيعية: كيان محدود، قابل للفناء، لا امتياز له سوى وعيه المؤقت بهذا الحد.

الماء، في هذا الفيلم، لا يعمل بوصفه عقابًا أخلاقيًا ولا تطهيرًا رمزيًا، بل كقوة لا-شخصية، أقرب إلى ما وصفه الفكر الوجودي بلامبالاة الكون. لا يميّز بين المستحق وغير المستحق، ولا يمنح خلاصًا لمن صمد أكثر. إنه يمحو الحدود: بين الداخل والخارج، بين الحياة والموت، بين الذات والعالم. وفي هذا المحو، يتراجع الإنسان عن مركزيته القديمة، ليظهر ككائن طبيعي لا أكثر، جزء من نظام لا يدور حوله.

قد تبدو لحظات الاستسلام التي تهيمن على النصف الأخير من الفيلم علامة هزيمة، غير أن قراءتها بوصفها وعيًا لا تقل مشروعية. فالاستسلام هنا ليس انكسارًا دراميًا، بل تخليًا عن وهم السيطرة، وعن الاعتقاد بأن النجاة قيمة مطلقة بذاتها. في هذا الأفق، لا يعود السؤال: كيف ننجو؟ بل: ما الذي يجعل النجاة ذات معنى أصلاً؟

ينتهي الطوفان العظيم دون إجابات، لأن العالم الذي كانت تُطرح فيه الأسئلة قد غرق بالفعل. وما يتركه الفيلم خلفه ليس صورة نهاية، بل شعورًا عميقًا بأن الإنسان، حين تُسحب منه سردياته الكبرى، يقف عاريًا أمام الطبيعة، لا بوصفه سيدها، بل شاهدًا هشًا على حيادها المطلق.

لا يبدو الطوفان العظيم، عند تأمله في أفق التحول الإنساني المعاصر، فيلم كوارث بالمعنى التقليدي، بقدر ما يظهر كاستعارة كبرى لعالم لم يعد الإنسان مركزه، ولا عقله مرجعيته العليا. فالكارثة هنا لا تأتي بوصفها خللًا في النظام، بل بوصفها تجليًا عنيفًا لنظام جديد، يعمل بكفاءة باردة، بلا نية ولا رحمة، على نحو يذكّر بالعقل الخوارزمي الذي بات يحكم عالمنا المعاصر.

الطوفان، في هذا السياق، لا يمكن فصله عن منطق الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه تقنية ظاهرة في الفيلم، بل بوصفه نموذجًا للفاعلية غير الإنسانية. فكما يعمل النظام الخوارزمي وفق معادلات لا تعبأ بالمعنى أو القيم، يعمل الماء في الفيلم كقوة لا-شخصية، لا تفاوض، لا تشرح نفسها، ولا تمنح استثناءات. إننا أمام عالم يُدار بلا نية، حيث لا مكان للأخلاق بوصفها معيارًا، بل للوظيفة بوصفها قانونًا.

في النصف الثاني من الفيلم، حين يتفكك السرد الخطي، لا يكون ذلك مجرد خيار جمالي، بل محاكاة لانهيار المنطق الإنساني التقليدي في مواجهة عقل آخر، لا زمني ولا قصصي. فالزمن هنا لا يتقدم نحو خاتمة، بل يتكرر ويتكثف، كما تفعل البيانات حين تُعاد معالجتها بلا نهاية. الشخصيات لا تتطور نفسيًا، بل تتآكل وجوديًا، لتتحول من ذوات واعية إلى وحدات حضور داخل نظام أكبر منها.

الجسد الإنساني، في مواجهة الطوفان، يستعيد وضعه الخام: كيان بيولوجي محدود، محكوم بقوانين فيزيائية صمّاء. وهذه العودة القسرية إلى الجسد تتقاطع بعمق مع ما يطرحه عصر الذكاء الاصطناعي من تهميش تدريجي للجسد مقابل هيمنة العقل الحسابي. غير أن الفيلم يعكس المعادلة: فحين يسقط العقل بوصفه أداة سيطرة، لا يبقى للإنسان سوى جسده، لا كبطولة، بل كهشاشة مطلقة.

اللافت أن الفيلم يخلو من أي أفق خلاص تقني. لا آلة تنقذ، ولا نظام ذكي يتدخل. ومع ذلك، فإن غياب الذكاء الاصطناعي عن الشاشة لا يعني غيابه عن المعنى. على العكس، يبدو الطوفان كأنه ذكاء اصطناعي طبيعي: نظام شامل، قادر على إعادة ضبط العالم دون حاجة إلى وعي أو قرار. وهنا يطرح الفيلم سؤالًا مقلقًا: ماذا لو كان الخطر الحقيقي في عصرنا ليس في تمرّد الآلات، بل في تشبّه العالم كله بمنطقها؟

في لحظات الاستسلام الأخيرة، لا يستسلم الإنسان للموت بقدر ما يستسلم لفكرة أنه لم يعد المفسّر النهائي للعالم. فالنجاة، في عالم تحكمه أنظمة غير بشرية، لم تعد قيمة مطلقة، بل احتمالًا إحصائيًا. وهذا التحول من المعنى إلى الاحتمال، ومن القيمة إلى الوظيفة، هو جوهر التحول الإنساني الذي نعيشه اليوم.

ينتهي الطوفان العظيم كما ينتهي كثير من أسئلة عصرنا: دون إجابة، ودون عزاء. لكنه يتركنا أمام حقيقة واحدة: أن الكارثة لم تعد حدثًا طارئًا، بل شكلًا من أشكال العيش في عالم تجاوز الإنسان، ولم يلتفت بعد إلى غيابه.

لا يمكن النظر إلى الطوفان العظيم بوصفه فيلم كوارث تقليديًا، لأن الكارثة فيه لا تأتي من خلل طارئ في الطبيعة، بل من استعادة الطبيعة لدورها الأصلي: نظام شامل يعمل بلا مركز، وبلا اعتبار للإنسان بوصفه معيارًا أو غاية. فالعالم الذي يغمره الماء في الفيلم ليس عالمًا ينهار، بل عالمًا يُعاد ضبطه على إيقاع لا بشري، حيث تفقد الذات الإنسانية امتيازها القديم في الفهم والتفسير والسيطرة.

في بدايات الفيلم، ما تزال الشخصيات تتحرك داخل أفق إنساني مألوف: التخطيط، التمسك بالروابط، البحث عن معنى في النجاة. غير أن هذا الأفق يتآكل تدريجيًا، لا لأن الخطر يزداد، بل لأن الفكرة نفسها—فكرة أن الإنسان مركز المشهد—تنهار. ومع تصاعد الطوفان، يصبح واضحًا أن العالم لا يتصرف بوصفه خصمًا، بل بوصفه نظامًا مستقلًا، لا يعادي الإنسان ولا يحميه، بل يدمجه ضمن حركته العامة كما لو كان عنصرًا إضافيًا لا أكثر.

يتخلى الفيلم في نصفه الثاني عن السرد الخطي، ويستبدله ببنية زمنية مشوشة، لا تتقدم نحو خاتمة، بل تدور في حلقات كثيفة من الحضور والاختفاء. هذا التفكك لا يعكس ارتباك الشخصيات وحدها، بل يعكس انهيار النموذج الإنساني نفسه في فهم الزمن باعتباره مسارًا ذا غاية. فالزمن هنا لا يعمل لصالح أحد، ولا يتراكم بوصفه خبرة، بل يعيد إنتاج اللحظة ذاتها بلا ذاكرة ولا وعد.

الجسد الإنساني، في مواجهة هذا النظام الكاسح، يفقد صفته الرمزية ويستعيد مادّيته الخالصة. لا يعود حاملًا للبطولة أو المعنى، بل يتحول إلى كتلة بيولوجية محكومة بالثقل، والتنفس، والحدود الفيزيائية الصارمة. في هذا الاسترداد القاسي للجسد، لا يعود الإنسان كائنًا متفوقًا على الطبيعة، بل جزءًا منها، خاضعًا للقوانين ذاتها التي تحكم الماء والضغط والطفو. هنا، لا يحتفي الفيلم بالهشاشة، لكنه يصرّ على كشفها بلا وساطة.

الطوفان نفسه لا يُقدَّم بوصفه قوة معادية، ولا بوصفه عقابًا أخلاقيًا، بل كحركة لا-شخصية، تعمل بلا نية، وبلا خطاب. إنه أقرب إلى عقل كوني موزع، لا يرى، ولا يقرر، لكنه ينفّذ منطقه الخاص بدقة صارمة. في هذا المعنى، لا يبدو العالم وكأنه فقد إنسانيته، بل كأنه لم يكن إنسانيًا في الأصل، وأن ما نراه هو انكشاف هذا الواقع بعد سقوط الأقنعة السردية التي اعتاد الإنسان أن يفسر بها وجوده.

في لحظات الاستسلام التي تهيمن على النصف الأخير من الفيلم، لا ينهزم الإنسان بقدر ما يتخلى عن وهمه الأكبر: وهم أنه المرجع النهائي لكل شيء. فالاستسلام هنا ليس تخليًا عن الحياة، بل عن مركزية الذات. إنه اعتراف صامت بأن النجاة ليست قيمة مطلقة، وأن البقاء، في عالم تحكمه أنظمة غير بشرية، لا يمنح بالضرورة معنى ولا كرامة ولا سردية ختامية.

ينتهي الطوفان العظيم دون خلاص، لأن الخلاص نفسه ينتمي إلى عالم لم يعد قائمًا. ما يتركه الفيلم خلفه هو إحساس ثقيل بأننا نعيش زمنًا لم تعد فيه الكارثة استثناء، بل حالة دائمة من التكيّف مع عالم تجاوز الإنسان، لا بوصفه عدوًا له، بل بوصفه كائنًا لم يعد ضروريًا كما كان يظن.

لا يشتغل الطوفان العظيم على فكرة نهاية العالم، بقدر ما يشتغل على نهاية موقع الإنسان داخله. فالكارثة هنا ليست انفجارًا مفاجئًا ولا خللًا استثنائيًا في نظام مستقر، بل انكشاف متأخر لحقيقة طال إنكارها: أن العالم يعمل منذ البداية دون حاجة إلى الإنسان، ودون أن يكون وجوده شرطًا لمعناه أو استمراره.

منذ المشاهد الأولى، يبدو أن الفيلم يقترح عالمًا لم يعد الإنسان مركزه السردي أو الأخلاقي. الطبيعة لا تواجه البشر، ولا تدخل معهم في صراع، بل تتحرك وفق منطقها الخاص، كأنها تنفّذ عملية إعادة ضبط شاملة، لا تهدف إلى التدمير ولا إلى التطهير، بل إلى إزالة فائض الإنسان من المعادلة. الطوفان، في هذا المعنى، ليس حدثًا، بل إجراء.

ومع تقدّم الفيلم، يتآكل النموذج الإنساني الذي طالما حكم سرديات الكارثة: نموذج الإرادة، البطولة، التضحية، والنجاة بوصفها قيمة عليا. لا لأن الشخصيات تفشل أخلاقيًا، بل لأن هذه القيم نفسها تبدو غير ذات صلة في عالم لم يعد يستجيب للمنطق الإنساني. فالعالم هنا لا يسمع، ولا يرد، ولا ينتظر. إنه يعمل.

في النصف الثاني، حين يتفكك السرد ويتلاشى الإحساس بالزمن الخطي، لا نشهد فوضى جمالية، بل انتقالًا إلى شكل آخر من التنظيم: تنظيم بلا قصة. الزمن لا يتقدم نحو نهاية، بل يعيد إنتاج نفسه بوصفه سلسلة من الحالات، أقرب إلى معالجة مستمرة للوجود، لا إلى تجربة إنسانية قابلة للفهم أو التذكّر. هنا، يفقد الإنسان امتيازه الأقدم: أن يكون كائنًا قصصيًا.

الأجساد، في هذا السياق، لا تُعرض بوصفها حوامل للمعنى، بل بوصفها مواد. كتلة، وزن، مقاومة، استهلاك للأكسجين. الجسد لا يرمز، ولا يضحي، ولا يُخلَّد؛ إنه يخضع. وفي هذا الخضوع، لا يُدان ولا يُمجَّد، بل يُعاد إلى مكانه الطبيعي داخل منظومة مادية أوسع، حيث لا فرق جوهري بين الجسد والماء سوى في الكثافة والقدرة على الطفو.

الطوفان نفسه يعمل بوصفه فاعلًا لا-شخصيًا، أقرب إلى عقل موزع، بلا مركز، بلا وعي، بلا نية. إنه لا يفكر، لكنه ينفّذ منطقه الخاص بدقة. لا يخطئ، ولا يتردد، ولا يشعر. وبهذا المعنى، لا يبدو العالم وقد فقد إنسانيته، بل يبدو وقد تحرر منها. ما نراه ليس عالمًا صار قاسيًا، بل عالمًا توقّف عن التظاهر بأنه معنيّ بالإنسان.

في لحظات الاستسلام التي تهيمن على المشاهد الأخيرة، لا يستسلم الإنسان للموت بقدر ما يستسلم لفكرة أعمق: أنه لم يعد المرجع، ولا القياس، ولا الغاية. الاستسلام هنا ليس نهاية درامية، بل اعتراف وجودي بأن البقاء ليس حقًا مكتسبًا، ولا قيمة مطلقة، بل نتيجة محتملة داخل نظام لا يوزع المعنى بعدالة، لأنه لا يوزعه أصلًا.

ينتهي الطوفان العظيم دون وعد، ودون خلاص، لأن الخلاص نفسه ينتمي إلى عالم إنساني قديم، كان يفترض أن لكل كارثة درسًا، ولكل نهاية مغزى. أما العالم الذي يكشفه الفيلم، فهو عالم يعمل بعد الإنسان، أو على الأقل بمعزل عنه، حيث لا تُروى القصة من أجلنا، ولا تُغلق الدائرة، ولا يُستعاد التوازن.

ما يتركه الفيلم في النهاية ليس خوفًا من الطبيعة، بل قلقًا أعمق: قلق العيش في عالم لم نعد شرطًا لوجوده، ولم نعد مخاطَبين فيه، بل مجرد عابرين داخله، يمكن للنظام أن يستمر من دون أن يلاحظ غيابنا.

Visited 1 times, 1 visit(s) today