فيلليني يتطلع إلى سينماه ويتذكر

لا شك أن فيلم “ساتيريكون” من التجارب السينمائية الأكثر طموحا في مسيرة فيلليني، وفيه يبتعد تماما عن إيطاليا المعاصرة، ويبحر إلى الوراء، إلى روما القديمة، يريد أن يفهم العلاقة بين الماضي والحاضر، وهل هناك حقا صلة ما بين أناس الحاضر والناس في روما القديمة. وبسبب غرابة الفيلم وبنائه وشخصياته المتعددة التي انتقاها فيلليني كعادته من الشارع، ومن بين الذين يأتون إلى مكتبه في مدينة السينما (شينشيتا) بالمئات، يعرضون أنفسهم أو أبناءهم أو بناتهم عليه لعله يجد لديهم ما يصلح لإسناد أدوار إليهم، أراد فيلليني تسجيل وتوثيق هذه التجربة في فيلم تسجيلي. ومن هنا قام بإخراج فيلم أطلق عليه “مفكرة مخرج سينمائي” بتمويل من شبكة NBC التليفزيونية الأمريكية. وأطلق عليه Fellini: A Director’s Notebook

إلا أن فيلليني كعادته، تجاوز كثيرا فكرة تسجيل عمله في “ساتيريكون”، وجعل من “مفكرته” هذه، إطلالة أوسع وأعمق على سينماه بشكل عام، على علاقته بفنه وبنفسه وبروما القديمة والحديثة، بممثليه وأبطال أفلامه وحياته. وبدلا من أن يفتتح “مفكرته” بمشاهد من”ساتيريكون”، فقد آثر العودة إلى الديكورات الهائلة التي شيدت خصيصا في 1965 لفيلم “رحلة ج ماستورنا” الذي يعتبر أحد أكثر سيناريوهات فيلليني طموحا، ووصفه أحد النقاد الإيطاليين بأنه “أشهر الأفلام التي لم تتحقق في السينما الإيطالية”.

والفيلم فكرة فيلليني، وهو من نوع “الخيال العلمي”، وحتى بعض ديكوراته (الأبراج الحديدية المرتفعة التي تشبه الصناديق المضلعة) تذكرنا بديكور الفيلم الذي لم يتم في “8 ونصف” أو الذي عجز فيلليني/ جويدو، عن إنجازه. ولكن المنطقة التي توجد فيها هذه الديكورات التي تشمل كنيسة قديمة وبضعة مبانٍ قوطية وممرات غريبة ومقابر، أصبحت الآن مأوى لجماعات الهيبيز ومدمني المخدرات والمثليين والمتحولين جنسيا، الذين نرى كيف كان رد فعلهم عنيفا وغاضبا عندما ذهب فيلليني مع طاقمه للتصوير هناك.

حسب سيناريو فيلليني الذي ترجم إلى الانجليزية ونشر عام 2013، المفترض أن يروي فيلم “رحلة ج ماستونا” قصة تبدأ بسقطة طائرة ومحاولة خروج ركابها ومن بينهم بطل الفيلم، وهو عازف كمان، من النوافذ فتنفصل رؤوسهم عن أجسادهم، ثم نشاهد رحلة هذا البطل في العالم الآخر. والحقيقة أن فيلليني ظل حتى آخر لحظة في حياته، يحلم بإنجاز هذا الفيلم الذي عجز عن إنجازه بسبب ميزانيته الكبيرة وانسحاب الممولين من المشروع رغم ما أنفق على الديكورات. وعندما يسأل المعلق (بالإنجليزية) فيلليني: إذن أنت لم تنجز أبدا “رحلة ماستورنا”؟ يجيبه فيلليني: “ليس بعد ولكني سأنجزه، إنها أكثر قصة محببة إلي”!

في “المفكرة” يذهب فيلليني مع صحبته، إلى منزل بطل “ماستورنا” مارشيللو ماستروياني في “طريق أبيان” خارج روما المعروف بطريقة الملوك، ففيه توجد مقابر أشهر أباطرة روما القديمة، ولكي يتحدث مع ماستروياني بعد وضع لمسات الماكياج على وجهه وجعله على صورة ماستورنا (كما سيفعل فيما بعد في فيلم “المقابلة” Intervista بعد 18 عاما ولكن عندما يصطحب ماستروياني إلى منزل أنيتا إكبرج.

فيلليني لا يعود عبثا إلى “ماستورنا”. إنه يريد أن ينطلق من الماضي، من القديم، إلى الجديد، ومن المهجور إلى الحي، لذلك فهو لا يتبع في فيلمه هذا خطا صاعدا تقليديا، أو منهجا وصفيا يصف لنا علاقته بالفيلم الجديد، بل يختار بناء يتكون من مقاطع أو فصول عدة، قد تبدو متناقضة مع بعضها البعض أو بالأحرة، لا تربكها صلة ظاهرية، غير أنها تدور دائما حول فكرة واحدة هي العلاقة بين الماضي والحاضر، القديم والجديد، كيف تتجدد الحياة والتاريخ ويبني على ما مضى ويتجاوزه دون أن يفقد الصلة معه. وهذا الأسلوب المتعرج الذي يقوم على صلة “داخلية” أو “ذهنية” بين الفصول المختلفة، هو نفسه ما سيتبعه في “المقابلة”.

يأخذنا فيلليني إلى “الكوليزيوم” أشهر الآثار الرومانية في روما، ويقول لنا التعليق أنه يريد أن يعثر على صلة بين شكان روما القديمة واهوية الإيطالية الحالية، لأنه يصور الآن “ساتيريكون” عن رواية “بترونيوس” عن روما نيرون، وأنه هنا في هذه المنطقة حول الكوليزيوم كان بترونيوس يسير في الليل. وتظهر امرأة تجمع التراب، تقول إنه “مسحوق الكوليزيوم” وأنها تبيعه للسياح لأنه يعالج الروماتيزم!

لا يمانع المشردون الذين يرقدون فوق الأرصفة أو عاهرات روما اللاتي يقفن على نواصي الشوارع خارج روما في الليل، من التصوير، فربما يجد فيلليني في وجوه البعض منهم من يصلح للظهور في فيلمه، ففيلليني معروف عند سكان روما عموما، بهذا الاتجاه الغريب الذي سنراه مجسدا بشكل أعمق واشمل في هذا الفيلم التسجيلي أو “غير الخيالي” الذي يظهر فيه فيلليني بنفسه، يشرح ويروي ويتحدث ويتحاور مع الآخرين. فيلليني يربط دائما بين الماضي والحاضر، وعندما يتوقف أمام التاريخ فإنه لا يسعى لمحاكاته بل لكي يستوحي منه، ويعيش في أجوائه دون أن يفقد قط صلته بالحاضر، وهذ هو جوهر رؤيته في “ساتيريكون”.

تظهر أيضا زوجة فيلليني وبطلة عدد من أفلامه، جوليتا ماسينا، تتحدث عن “الرجل الذي يحمل الكيس” من فيلم “ليلايل كابيريا” الذي قامت ببطولته. وهو فاعل الخير الذي التقت به ليلا وهو يحمل كيسع كبيرا، ويذهب لتوزيع ما فيه من مواد غذائية وهدايا وحلوى على المشردين الذين يرقدون في كهوف خارج روما، أو أسفل الجسور. ونشاهد لقطات من الفيلم، وجوليتا تقول لنا أن هذا المشهد مع “الرجل صاحب الكيس” قد حذف من الفيلم وأنها لا تعرف السبب. لكننا نعرف الآن أن الفاتيكان رفض تماما وجود هذا المشهد في الفيلم باعتباره يقلل من شأن الكنيسة المسؤولة عن رعاية البؤساء. وينتهي المشهد على لقطة لكابيريا في السيارة مع الرجل الذي سيوصلها إلى روما وهي تسأله: هل تفعل هذا كل ليلة؟ فيجيبها: “ليس كثيرا كما ينبغي”.

أما سبب وجود هذا المشهد في “مفكرة مخرج سينمائي” فيرجع أولا إلى رغبة فيلليني في عرض المشهد كاملا للمرة الأولى من أن تم حظره، وثانيا: أنه كما يقول، قابل هذا الرجل في الواقع، بالقرب من الكوليزيوم.

كعادة فيلليني، طفولته دائما حاضرة حتى هنا، وهو يعود بالذاكرة إلى سينما فولجور في ريميني، عندما كان يذهب مع والديه وكيف كان يرى الشخصيات الرومانية القديمة التي تظهر في الأفلام الإيطالية وقتها.. أجواء السينما، صراخ الأطفال، لهو المراهقين، المشاجرات، ولكن فيلليني يجلس مبهورا، ولكن ما يراه لقطات ملونة من وعي فيلليني الكبير- المخرج، تصحبها موسيقى سريعة تجعل حركة الممثلين كوميدية.

سنرى فيلليني وهو يجري الاختبارات للممثلين والممثلات ويتخيل وجوههم جميعا في الشخصيات الرومانية من الماضي، لكنه سيذهب أيضا إلى أحد مجاوز الحيوانات كالخنازير، ويحول الجزارين إلى جنود من الرومان، تلطخ وأياديهم وجوهه الدماء، كما سيركب مع مؤلفه الموسيقي العبقري نينو روتا، مترو روما، ويستمع إلى شروح من بروفيسور متخصص في التاريخ، يشرح له كيف أن هناك عدة طبقات تقع تحت الأرض تمتد في عمق روما. ولدهشة أعضاء الفريق المصاحبين لفيلليني في جولته الممثلة الجميل مارينا بوراتو وأمها الممثلة المخضرمة كاترينا بوراتو التي شاركت في “8 ونصف” و”جوليتا والأرواح”، لا يتوقف في المحطات يعبر بل يواصل سيره بسرعة، وفوق أرصفة المحطات يقف سكان روما القديمة، أو الرومان بملابسهم الفضفاضة الملونة وقلنسواتهم، وكأنهم قد خرجوا جميعا من الأفلام، كما يراهم فيلليني. فالرحلة تحت الأرض هي رحلة فيلليني الذي يشعر بالقرب من روما القديمة وعالمها، وهو ما سيستكمله بعد سنتين، في “روما فيلليني”.

“مفكرة مخرج سينمائي” يتحدى التسجيلي بتحويل كل ما هو “حقيقي” إلى “خيالي” من خلال ذلك الميكانيزم العبقري أو الانتقال الذي يجيده فيلليني، من الحقيقي إلى الخيالي، فعندما نرى صورة أو وجها أو شخصية “حقيقية” (ماستروياني مثالا) سرعان ما يسقط عليها فيلليني رؤيته عنها، في علاقتها ليس فقط بما يفكر فيه من فيلمه القادم، بل ومن طفولته وأحلامه.

يقول أرماندو ج براتس Armando J Prats في “الصورة التلقائية: السرد السينمائي والفلسفة الإنسانية” (إصدارات جامعة كنتكي- 1981):
“إن “مفكرة مخرج سينمائي” ليس فيلما تسجيليا، وليس فيلما تسجيليا عن إخراج فيلم سينمائي، وليس فيلما عن فيلم آخر، أي مجرد مثال، على ما يعرف في النقد السينمائي حاليا، بأنه “الانعكاسية الشكلية” Formal reflexivity فمن الأكثر دقة القول إنه يكثف قصة البحث عن طرق أخرى للسرد، وهو بهذا المعنى، سرد معاد تشكيله، يدفع في اتجاه استكمال الإمكانيات الجمالية والأخلاقية للحياة المعاصرة”. وهو يخاطب مباشرة الوضع الإنساني كمخلوق سردي”.

فيلليني الذي حقق كل ما حققه من شهرة ونجاح على الصعيد العالمي، أقبل على هذه التجربة السينمائية الجديدة بحماس، مسلحا بكاميرا من مقاس 16 مم، محمولة على الكتف، وبتسجيل مباشر للصوت في وقت كان معتادا على “الدوبلاج”، وفي ظروف تصوير معقدة وصعبة في المواقع الطبيعية (وليس في ستديوهات سينشيتا)، مستعينا بمدير التصوير المرموق باسكوالينو دو سانتوس (الموت في فينيسيا، قضية ماتيه)، ومونتاج روجيرو ماستروياني، الذي صنع من المشاهد المتفرقة، عملا فريدا ممتعا لا يشبه غيره. وسوف يعود فيلليني بعد ذلك مباشرة ليخرج لحساب التليفزيون (الإيطالي هذه المرة) فيلمه التسجيلي- الخيالي “المهرجون”. إلا أن “مفكرة مخرج سينمائي” كان في الحقيقة، المقدمة التجريبية لفيلم “روما فيلليني”.

Visited 1 times, 1 visit(s) today