“فورد ضد فيراري”: هل الثروة تشتري الفوز؟

على الرغم من أنني لست من محبي سباق السيارات، أو بالأحرى الرياضة بكافة أنواعها، إلا أنني أحب مشاهدة الأفلام الرياضية التي تروي قصصًا إنسانية تتجاوز حدود الرياضة، لتلمس جوهر النفس البشرية، فتقدم لنا شخصيات لم نعرفها وحكايات لم تُروَ. 

فيلم Ford vs Ferrari هو واحد من الأعمال الفنية التي راودني الفضول لمتابعتها ومعرفة القصة الحقيقية خلف الكواليس. بدأ الفيلم بداية موفقة عبر التعريف بشخصياته الرئيسية، والمتمثلة بكارول شيلبي (مات ديمون)، مُصمّم وسائق السيارات الأميركي المعتزل بسبب ظروفه الصحية، وصديقه البريطاني كين مايلز (كريستيان بيل)، الذي يعمل مهندسًا وسائق سيارات، لكنه يفتقر إلى اللباقة عند الحديث مع الآخرين، ما جعله غير مقبول اجتماعيًا إلا من المقربين فقط. ومن ثم يُعرّفنا الفيلم على مالك السيارات هنري فورد الثاني (تريسي ليتس)، الذي كان يعاني من مشكلة حقيقية في إثبات أهليته لامتلاك إرث والده وجده، الأمر الذي اتضح في مشاهد بسيطة تُسلّط الضوء على عمق هذه المشكلة. 

قدم الفيلم جانبًا واحدًا من سردية فريق فورد، لنعرف كيف استطاعت هذه الشركة كسر احتكار فيراري لهذه الرياضة، والذي امتد لست سنوات متتالية. تدور أحداث الفيلم في عام 1966، حيث بدأت الحكاية عند قيام فورد بتقديم عرض سخي للاستحواذ على فيراري بعد أن شهدت ضائقة مادية، الأمر الذي بدا لصاحب الشركة العريقة إنزو فيراري إهانة بحقه وبحق هذه الرياضة – وسأوضح تحليلي لرد فعله هذا لاحقًا -، فرفض العرض في مراحله الأخيرة. جرح هذا الرفض كبرياء فورد، فكانت تلك هي نقطة التحول في مسيرته، حيث صمّم بعد ذلك على الانتقام من فيراري من خلال بناء سيارة سباق في زمن قياسي لتكون هي الأسرع.

نجح فريق فورد بإقناع شيلبي بصناعة سيارة تنافس فيراري، عبر توفير كل ما يحتاجه لهذه المهمة وقد أثبت عبقريته في تطوير سيارة جديدة مع صديقه مايلز. ولكن هل هذا كان كافيًا لضمان الفوز في سباق طويل ومرهق مثل سباق لو مان 24 ساعة؟ بكل تأكيد لا. هذا ما فكر به شيلبي بسبب خبرته الواسعة في هذا المجال وفي هذا السباق تحديدًا. لهذا السبب، كان بحاجة لسائق لا تقتصر خبرته على القيادة فقط، بل يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيل السيارة التي يقودها ومضمار السباق حتى يضمن الفوز. وهنا وقع الاختيار على صديقه القديم كين مايلز، الذي كان الاختيار الأمثل لهذه المهمة.

 قد يبدو مايلز للبعض شخصًا عصبيًا أو متهورًا، ولكن ألسنا جميعًا كذلك؟ هي صفات تفرضها طبيعة هذه المهنة، بل وربما هذه الحياة. يمر مايلز بعثرات مالية واضحة ولديه التزامات تجاه عائلته، فربما كانت هذه طريقته للتعبير عن مكنوناته. أما بالنسبة لمجلس الإدارة في فريق فورد فقد كان بحاجة لوجه إعلامي مميز، ولا بأس إذا كان وسيمًا، فكان المظهر بالنسبة لديهم أهم من المهارة في القيادة، وقد كانت هذه النقطة هي الأكثر استفزازا في أحداث الفيلم، فكيف لفريق يطلب الفوز أن يرفض تتويج الفائز؟ معادلة غريبة وظالمة، ولكن لو نظرنا للحياة الواقعية، فسنجد نسخًا كثيرة من مايلز، فكم من شخص جنى ثمرة نجاح آخر؟ 

أظهر الفيلم أن فورد قد فشل في أن يكون قائدًا حقيقيًا رغم استماتته للتغلب على فيراري، فقد منح ثروته وصلاحيات واسعة للفريق لتنفيذ هذه المهمة، ليبقى هو في مكان آخر يستجم فيه بعيدًا عن هذا العالم الذي اقحم نفسه فيه. لكن فورد فعل كل ما فعله كان ليثبت أنه يستحق هذا الإرث، فكان مضطرًا لإيجاد طريقة يُخلّد فيها اسمه، وكان من الممكن أن يخسر هذا التحدي لولا القليل من الحظ والكثير من المال. 

في المقابل، فإن مؤسس فريق فيراري الإيطالي، إنزو فيراري، كان مختلفًا تمامًا، فقد كان استثماره في هذا المجال مدفوعًا بشغفه بالسيارات وامتدادًا طبيعيًا لمسيرته كسائق سابق، واتضح ذلك من خلال اهتمامه بمتابعة السباق بأدق تفاصيله من البداية للنهاية، وحرصه على تهنئة كين مايلز وبراعته بالقيادة التي قادت خصمه للفوز. تحية فيراري كانت تعني الكثير، بينما لم يكُن الأمر لفورد سوى مجرد موظف قام بعمله وأخذ أجره.

بالنسبة لكارول شيلبي المتقاعد حديثًا، فقد رأيت في شخصيته تحولًا كبيرًا يثبت نجاح هذا الشخص على المستوى المهني، فرغم اعتلال صحته وتركه لميدان السباق، إلا أنه قام باستثمار براعته في التسويق – والتي لم يوضح الفيلم كيف اكتسبها بما يكفي – ورصيده المهني في بيع السيارات لحساب شركته الخاصة.

اجتماع ديمون وبيل في هذا العمل أضاف له قوة حقيقية، وهما من الثنائيات التي عززت قوة الفيلم، فقد ظهر من خلال هاتين الشخصيتين تجانسًا وعملًا دؤوبًا للوصول للغاية.

بقيت جزئية أخيرة دائمًا ما تحدث في هذه النوعية من الأفلام، تتمثل في تصدير العائلة المثالية والزوجة الاستثنائية، التي تقف دائمًا خلف البطل لتقدم له الدعم. هي بالأحرى الصورة التي يحب صناع الأفلام في هوليوود تصديرها للعالم، فقد باتت حدثًا ضروريًا في السيناريو، مثل لجوء الكاتب إلى إضافة شخصية نسائية جميلة لا دور لها سوى استقطاب المشاهدين.

الثروة لم تشترِ الفوز، لكنها اشترت فرصة المنافسة، أما الفوز نفسه فهو حصيلة توازن بين الابتكار الهندسي، والإرادة البشرية، وتقلبات الحظ.