“ضد السينما” السعودية: أرشيف المقاومة

يقدم المخرج السعودي علي سعيد في فيلمه التسجيلي “ضد السينما” (2025) الذي عرض في مسابقة السنيما العربية بمهرجان القاهرة السينمائي، أرشيفا توثيقيا لتاريخ السينما السعودية، والتحديات التي واجهها السينمائيون في السعودية في سعيهم لترسيخ مكانة السينما في المملكة.

ما يجعل الفيلم عملا مميزا هو الغوص في الحكايات الخاصة لهؤلاء المتمردين أصحاب الخطوات الأولى، الجيل الذي عانى كثيرا، وطرق الأبواب الموصدة لسنوات، ومع ذلك لم يمل أو يستسلم، وهو يقدم لهم في في فيلمه شكرا وتقديرا لدورهم الكبير الذي كلل في النهاية بالنجاح.

ذكر المخرج أثناء حواره عن الفيلم أن ما كان يشغله كثيرا، وما دفعه إلى صناعة هذا العمل هو محاولة البحث عن حكاية السينما السعودية، وعن إجابة لسؤال: ما الذي حدث؟

يبدأ الفيلم بتسليط الضوء على حادثة طرد المصور الفرنسي جون بغاش كأول حادثة مضادة للسينما في السعودية، وينتهي بحدث آخر مناقض تماما، مهم ومحوري، بعد أن تغيرت مجريات الأمور في ١١ ديسمبر من العام ٢٠١٧ مع قرار الموافقة على عودة النشاط السينمائي الصادر من الجهات المسئولة في المملكة السعودية.

ومن خلال حادثة البداية التي أختار المخرج أن يبدأ بها، والحدث الآخر الذي انتهى إليه، يسرد لنا حكاية السينما السعودية، ويحاول تقديم إجابة عن سؤال: ما الذي حدث؟ من خلال توثيق الأحداث والمتغيرات بين حادثة الطرد، وقرار الإباحة.

في ظل الأجواء المنغلقة التي كانت سائدة في السعودية قبل التحول، ورغم أن ما قد يبدو من الصورة العامة للسينما في السعودية آنذاك أن لا وجود لسينما ولا سينمائيين، إلا أننا عند البحث في الحياة والحكايات الخاصة سنجد أن هناك حضورا قويا في قلوب السينمائيين، وان لم يكن هذا الحضور مترجما على أرض الواقع.

يوثق لنا علي سعيد حياة خاصة عن محب وعاشق للسينما، وهو (هاني السلطان)، أحد عشاق السينما من جيل الثمانينات الذي لم يوقفه المناخ العام في المملكة عن السعي وراء شغفه للسينما.

بدأت العلاقة تتوطد بين هاني السلطان، وعدد كبير من السينمائيين في السعودية من خلال المواقع التي كانت تتواجد عليها الأفلام، وبعد فترة من التعارف من خلال الإنترنت توطدت العلاقة بينه وبين مجموعة من السينمائيين الآخرين، وترجمت هذه العلاقة إلى جلسات خاصة على أرض الواقع، ومن ثم محاولة تطوير “موقع سينماك”، وهو موقع بسيط. وعلى دفتر الزوار، وهو موقع بسيط أيضا كان يشارك فيه السينمائيين بأسماء الأفلام التي يمتلكونها، والأفلام التي يبحثون عنها.

ومن خلال هذه المحاولات البسيطة فُتح الباب أمام مجموعة كبيرة من شباب هذا الجيل للتعرف على بعضهم البعض، وكان الرابط بينهم هو هاني السلطان، وكانوا يجتمعون في لقاءات سينمائية، وكانت هذه هي بذرة أول مجتمع سينمائي في المملكة العربية السعودية.

وعمل هاني السلطان بجدية على تطوير موقع سينماك، وعندما اوشك على إطلاق نسخة جديدة متطورة من الموقع، أُصيب بجلطة دماغية انتقل على إثرها إلى رحمة الله في صيف عام 2003.

ومن عاشق أخلص للسينما حتى وفاته، إلى اسم من أهم الأسماء المؤثرة في الحراك السينمائي السعودي، يأخذنا الفيلم في رحلة نضال جديدة مع المخرجة هيفاء المنصور.

وهيفاء المولدة في الإحساء في 10 أغسطس 1973، شخصية محورية في تاريخ السينما السعودية لكونها أول مخرجة سينمائية سعودية.

وقد يبدوا غريبا الوجود المبكر لامرأة في عالم صناعة الأفلام خاصة في مناخ محافظ مثل المناخ الذي كان سائدا في ذلك الوقت، إلا أننا بالنظر إلى نشأة المخرجة هيفاء سيبدو الأمر أكثر وضوحا.

نشأت هيفاء في بيت الشاعر والمفكر السعودي عبد الرحمن المنصور، الذي غرس فيها حب المعرفة والفنون، وكان نافذتها إلى عالم الأفلام عبر أشرطة الفيديو حيث لم تكن هناك دور عرض في المملكة. وحصلت على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي المقارن من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1997. ومن بعدها حصلت على درجة الماجستير في الفيلم والنقد السينمائي من جامعة سيدني بأستراليا عام 2009.

يوثق لنا الفيلم رحلة النضال التي خاضتها المخرجة هيفاء، وما تعرضت له أثناء محاولات عرض أفلامها داخل المملكة، والإيقاف الذي صدر لفيلمها الأول أثناء أيام عرضه الأولى بسبب وجود اختلاط في السينما. وكذلك المضايقات التي تعرض طاقم العمل لها من خلال مجموعة من المحتسبين الغير منسوبين إلى جهة موثوقة في المملكة.

كانت كل محاولة عرض داخل المملكة تشعل المشاكل، وتؤدي الى الصدام بين عشاق السينما الذين يسعون إلى التواجد، والتعبير عن أنفسهم، ومواكبة العصر، وبين جهات أخرى تسعى جاهدة لإخماد كل حراك سينمائي يحاول أن يفرض نفسه.

من ضمن الحكايات، والأسماء المهمة التي يوثق الفيلم رحلتها كان اسم عبدالله المحيسن، صاحب الدور المؤسس في صناعة السينما داخل المملكة العربية السعودية بصفته أول سعودي يحصل على مهنة مخرج سينمائي في جواز السفر السعودي، وصاحب أول فيلم سعودي من إخراج مخرج سعودي، وتم إنتاجه بطريقة احترافية، وهو فيلم “اغتيال مدينة” عام 1967.

في العام 2006 كان أحمد المولا عضوا في مجلس إدارة النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، ومديرا تنفيذيا له إلى جانب إدارة الفاعليات، واقترح على باقي الأعضاء والزملاء في النادي إقامة ليلة سينمائية تقام بشكل أسبوعي، وتكفل هو باختيار الأفلام التي تعرض خلالها. وبالفعل تم الموافقة على الفكرة، والبدء في تنفيذها، ومع الوقت تكون جمهور لهذه الفاعلية، وكان أغلبه من الشباب الجدد. ومن هذه الفاعلية البسيطة تكون فريق من هواة ومحبي السينما يمتلك طموح أكبر لهذه الفكرة، وبعد نقاشات اتفق النادي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام على تنظيم أول مهرجان.

ومن هنا تم تأسيس المهرجان الأول الذي يقص علينا الوثائقي الذي نحن بصدد الحديث عنه كم المضايقات، والعراقيل التي واجهت صناعه نتيجة سيطرة بعض الجماعات المتسلطة الغير تابعة لجهة حكومية إلى حد أن اضطر المنظمون إلى تغيير اسم المهرجان من مهرجان سينمائي إلى مسابقة للمواد المرئية، ومن العبث أن الموافقة تمت بعد تغيير الاسم في المقترح!

تعرض المهرجان إلى مضايقات، كما كانت هناك مسيرات لإيقاف المهرجان من قبل المحتسبين. ولكن بسبب إصرار هذا الجيل المخلص للسينما استمر المهرجان إلى أن أصبح واحدا من المهرجانات المهمة في السعودية.

حادثة جهيمان وجيل الصحوة: لحظة الانقلاب الكبرى

يستعيد الفيلم مرحلة مفصلية في تاريخ السعودية هي حادثة جهيمان 1979 وما تلاها من صعود “جيل الصحوة”.

كانت تلك الحادثة نقطة تحول اجتماعي وثقافي، إذ أفرزت مناخًا محافظًا صارمًا امتد لعقود، وتحوّل تدريجيًا إلى مقاومة ممنهجة لأي مظهر ثقافي حديث، وفي مقدمتها السينما.

يشرح الفيلم كيف تشكلت بنية ذهنية ترفض الفن باعتباره تهديدًا للقيم الدينية والاجتماعية. ولم يكن المنع مجرد إجراء إداري، بل كان نسقًا فكريًا تغلغل في المجتمع، دفع بالكثير من المبدعين إلى العمل سرًا أو الهجرة أو الصمت الإجباري.

ويربط الفيلم تلك اللحظة التاريخية بنجاحاتها اللاحقة: فالسينمائيون الذين وثّقهم الفيلم – من السلطان إلى المنصور إلى المولا، وغيرهم – هم أبناء مرحلة صعبة، صنعوا أحلامهم في زمن يعتبر الحلم جريمة. بهذا الربط، يمنح الفيلم صراع السينما السعودية عمقه السياسي والاجتماعي، ويجعل تاريخ الفن جزءًا من تاريخ الدولة نفسها.

أمام انسداد المشهد السينمائي السعودي لسنوات طويلة، لم يكن خيار المنصات الرقمية ترفًا، بل ضرورة فرضتها لحظة تاريخية مأزومة. وجد السينمائيون الشباب في يوتيوب ما يشبه “دور العرض البديلة”، فضاءً موازياً يتحرّر من اشتراطات العرض التقليدي، ويستعيد المبادرة من قبضة المنع والوصاية الاجتماعية. ولم يعد اليوتيوب مجرد منصة نشر، وتحوّل إلى بنية تحتية سينمائية بديلة مكّنت جيلاً كاملاً من اختبار أدواته السردية، وبناء حسّه البصري، وصياغة جمالياته الخاصة على مرأى من جمهور يتشكّل ويتسع خارج أي إطار مؤسسي.

وفي قلب هذا التحوّل يبرز اسم علي الكلثمي بوصفه أحد أبرز الأسماء التي بدأت هذه الموجه. ومن خلال علي الكلثمي وآخرين من أمثاله وجدت الأعمال السعودية مساحة للعرض والاشتباك مع الجماهير بحرية دون قيود عبر منصة يويتوب. وإلى الآن لازلت منصة يوتيوب أشبه بمرحلة انتقالية أو مساحة للتجريب يمر عليها الصناع أولا قبل الانتقال إلى السينما؛ ومن أبرز هذه التجارب: تلفاز١١، والاخوين قدس، والمخرج مشعل الجاسر. 

وظل هذا النضال حتى قرار السماح ببناء دور العرض داخل المملكة فكانت نقطة محورية تغير من بعدها المشهد كليا.

يمتاز «ضد السينما» بلغه بصرية لا تهدف إلى الإبهار، بل إلى الشفافية. ويعتمد على: شهادات مباشرة بلا مبالغة، أرشيف نادر يعيد كتابة الذاكرة، مونتاج هادئ يجعل الحكايات تخرج في شكل سلسل، وبنية سردية مقسّمة إلى حكايات مستقلة تشكّل في النهاية “صورة كلية”.

وأهم ما يميز العمل هو المنهج التاريخي غير المعلن؛ فهو لا يقدم صراع السينما كحكاية فردية، بل كتحولات مؤسسة لحقبة كاملة. إنه يكتب تاريخًا لم يُكتب بعد، ويقدّم الوثيقة قبل أن تضيع.

ونجاح الفيلم يكمن في أنه لا يحتفل فقط بعودة السينما، بل يكشف الثمن الإنساني الذي دفعه جيل كامل كي يتحقق هذا الحلم. وهو يضع المشاهد أمام سؤال مهم: هل كانت السينما السعودية لتعود لولا هؤلاء الذين ناضلوا سرًا؟

أحد أهم مكاسب هذا الوثائقي هي إبرازه لوثائق نادرة: يسرد الفيلم اكتشافه لأفلام قديمة، من بينها فيلم نادر يعود إلى عام 1917 يوثق أول عرض سينمائي في تاريخ جدة.  كما عثر على نسخة من فيلم وثائقي لشركة أرامكو مفقودة، ما يدل على أن ذاكرة السينما السعودية لم تُمحَ بالكامل، لكنها كانت غائبة عن السرد الرسمي.

هذه المواد الأرشيفية تضيف بعدًا مهمًا جدًا: فهي تؤكد أن السينما السعودية ليست “ابتكارًا حديثًا” بعد الانفتاح، بل لها ماضٍ طويل، مليء بالمقاومة السرية. هذا الأرشيف التاريخي هو ما يجعل “ضد السينما” أكثر من مجرد فيلم؛ إنه إعادة زيارة للذاكرة الثقافية، وتصحيح للتاريخ.

على الرغم من القيمة التاريخية الواضحة التي يقدّمها فيلم «ضد السينما»، فإن العمل يعاني من مجموعة من الملاحظات الفنية التي لا يمكن إغفالها. أول هذه الملاحظات تتعلق بطول مدة الفيلم التي تتجاوز 116 دقائق، وهو زمن أكبر مما يحتمله الإيقاع الداخلي للوثائقي. هذا الامتداد الزمني، مع البناء السردي القائم أساسًا على الحكايات الشفوية، خلق لحظات من الترهل وأفقد بعض المقاطع توترها الدرامي الطبيعي.

كما يبرز غياب واضح للمواد الأرشيفية التي كان يمكن أن تمنح الفيلم طبقة بصرية أكثر ثراءً وعمقًا. فالفيلم يستدعي أحداثًا مفصلية في تاريخ السينما السعودية، لكنه لا يدعمها بما يكفي من الصور أو المقاطع التاريخية التي تجعل المتلقي يعيش تلك اللحظات. هذا النقص في الأرشيف، سواء لندرة المواد أو لعدم استخدامها بشكل موسّع، يجعل السرد يعتمد بشكل شبه كامل على شهادات المتحدثين.

وتأتي المشكلة الأكبر في الاعتماد المفرط على اللقاءات، إذ يعتمد الفيلم في معظم بنيته على المقابلات التي أجراها المخرج مع الشخصيات المختلفة. وعلى الرغم من أهمية هذه الشهادات وقيمتها التوثيقية، فإن هيمنة اللقاءات على البناء البصري سبّبت لحظات من الملل لدى المشاهد، لغياب التنويع في الإيقاع، ولعدم وجود ما يكفي من المشاهد الداعمة التي تكسر هذا النسق التقليدي.

أخيرا، «ضد السينما» وثيقة عن الشغف والمقاومة، وعن جيل أمتلك حلاما مضادة لواقعه، ولكنه لم يستسلم، وبفضل هذه الجهود المتفرقة، والتضحيات الفردية تحول الحلم إلى حقيقة، وواقع لم يخطر على ذهن أحلم الحالمين.

Visited 7 times, 7 visit(s) today